408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
عقد جديد للدولة العراقية‏!‏

عبد المنعم سعيد


قيام الدولة ما هو إلا حالة من حالات التعاقد‏,‏ أولها يقع بين المواطنين علي الاندراج في كيان سياسي‏,‏ وثانيها يقع بين الحكام والمحكومين حول طريقة اقتسام السلطة والثروة وإدارة كليهما لحماية مصالح الجميع‏.‏ وبدون أية مبالغة فإن الانتخابات العراقية القادمة تعيد الدولة كلها إلي حالتها الأولية حيث يجري التعاقد من خلال العملية الانتخابية التي يشارك فيها‏14‏ مليون عراقي في الداخل ومعهم مليون ونصف المليون في الخارج يعملون علي انتخاب مجلس وطني شامل مكون من‏275‏ عضوا ـ بالإضافة إلي‏18‏ مجلسا محليا للمحافظات العراقية وبرلمان إقليم كردستان ـ يقوم بوضع دستور للعراق يحدد العلاقات بين الحكام والمحكومين‏,‏ وبين الحكومة المركزية الجديدة وحكومات الأقاليم أو المحافظات‏.‏
ولعل ذلك هو التعاقد الثالث الذي يقوم به سكان العراق‏,‏ فقد كان تعاقدهم الأول في عام‏1932‏ عندما ظهرت الدولة العراقية لأول مرة ككيان دولي في الإطار الملكي الذي قام من ناحية علي تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولي‏,‏ ومن ناحية أخري علي شرعية قبول العرش الهاشمي كقوة جامعة وموحدة للعراقيين‏.‏ ولكن هذا العقد لم يصمد كثيرا في عام‏1958‏ أمام التحدي الذي قدمه العسكريون الذين هدموا الدولة كلها رأسا علي عقب‏,‏ مؤسسين لتعاقد جديد يقوم علي شرعية الفكرة القومية ـ العراقية والعربية ـ التي تجمع كل سكان العراق تحت رايات واحدة‏.‏ ورغم أن العقد الجمهوري بدا مغريا للعراقيين بعد إحباطهم في العقد الملكي إلا أن واقع الحال كان مرا‏,‏ فلم تتتابع الحروب الداخلية الواحدة بعد الأخري ضد قطاعات مختلفة من أطراف التعاقد الاجتماعي مثل الأكراد والشيعة‏,‏ وإنما رافقتها سلسلة من الحروب الخارجية التي أخذت الجيوش إلي إيران والكويت‏.‏
لقد دمرت الحرب الأمريكية علي العراق البنية الكاملة للتعاقد العراقي الجمهوري القومي بشكل حرفي‏,‏ فقد تم تفكيك أركان الدولة العراقية بجيوشها وأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها المتشعبة‏,‏ وأصبح علي العراقيين الآن‏,‏ ومن خلال صناديق الانتخاب‏,‏ أن يقيموا الآن دولة جديدة اتفقوا علي قيامها‏,‏ ولكنهم لم يتفقوا بعد علي أحوالها وشروطها‏.‏ وفي اللحظة الراهنة فإن هناك ثلاث صور للتعاقد يجري التنازع حولها في العراق‏,‏ فهناك أطراف متعددة تريد تعاقدا إسلاميا باعتبار أن الدين هو الرابطة الأساسية بين كل العراقيين‏,‏ حتي ولو كان ذا صيغ طائفية‏,‏ أو حتي كانت له تعبيرات أيديولوجية مختلفة ما بين جماعة أسامة بن لادن وجماعة حسن البنا‏.‏ وهناك أطراف أخري تريد العودة مرة أخري للصيغة القومية‏,‏ علي اعتبار أن عروبة العراق هي ما تجعل العراق عراقا‏,‏ وبدونه لا تصير له هوية وشخصية‏,‏ وببساطة فإن المطلوب هو إعادة عقارب الساعة إلي الوراء حتي ولو كان الثمن أن يعود نظام صدام حسين دون صدام هذه المرة‏.‏ أما الصورة الثالثة للتعاقد العراقي فهي لا تأخذ شكل التعاقد حول فكرة ـ الإسلام أو العروبة ـ وإنما التعاقد حول ترتيبات للمصالح‏,‏ ومن هنا تأتي فكرة الفيدرالية وقبول التعايش المشترك علي أسس من التبادل وتوزيع السلطة والثروة‏.‏
صور التعاقد الثلاثة هي التي تقع في قلب الصراع الانتخابي‏,‏ والصراع الدامي‏,‏ في العراق في هذه اللحظة‏,‏ ولكن التنافس فيما بينها ليس هو المعضلة الوحيدة الواقفة مانعة للتعاقد الثالث للدولة العراقية‏.‏ فمن الواضح أن هناك حالة من الانفلات الديمقراطي الذي يقترب من حالة الفوضي حيث يوجد‏83‏ كيانا سياسيا تتوزع ما بين تسعة تحالفات كبري و‏47‏ حزبا سياسيا و‏27‏ مرشحا مستقلا يكونون جميعا ما يقرب من‏5000‏ مرشح يتنافسون علي‏275‏ مقعدا‏...‏ وكما هو معروف أن الديمقراطية لا تزدهر كثيرا في مثل هذه الحالة من التفتت‏,‏ وتحتاج في معظم الأحوال عددا محدودا من الأطراف يمكنها التفاوض والتفاهم والمساومة‏.‏ فإذا أضيف إلي ذلك غياب وجود تقاليد ديمقراطية تذكر حيث كان آخر الانتخابات الديمقراطية العراقية في عام‏1954,‏ ومع ذلك غياب شروط الممارسة من أمن‏,‏ في عدد غير قليل من المحافظات تتركز فيها السنة العرب‏.‏
كل ذلك يطرح معضلة الانتخابات العراقية القادمة‏,‏ فبقاء الأحوال علي ما هي عليه والمضي قدما نحو الانتخابات التي تجري في‏40‏ ألف صندوق انتخابي سوف يجعل علي الأرجح التعاقد ليس كاملا بالمرة حيث سيبقي السنة خارج هذا التعاقد‏.‏ وهؤلاء ـ علي أية حال ـ يطرحون حججا لتأجيلها حتي يتم التفاوض حول صورة الدولة العراقية وهي لدي البعض القومي عدم جواز الانتخابات تحت الاحتلال باعتبار ذلك ناقضا للشرعية من جانب‏,‏ ومتحيزا لطوائف بعينها من جانب آخر‏,‏ أما البعض الإسلامي فيري المسألة برمتها نوعا من القوانين الوضعية التي لا ينبغي لها التدخل في الميلاد الإلهي للدولة‏,‏ أما البعض الليبرالي السني فيقول إن فكرة الدائرة الواحدة في الانتخابات العراقية قصد بها تخطي السنة‏,‏ وأخيرا فإن سنة الأكراد الراغبون في دولة كردية مستقلة تأتي من رماد فشل إقامة الدولة العراقية يطرحون مشكلة كركوك المزمنة والتي لا تجوز انتخابات دون حلها‏.‏
لكن القضية ليست في رجاحة حجج تأجيل الانتخابات‏,‏ وإنما لأن طارحيها لم يطرحوا بديلا جديدا لعملية التعاقد الجديد علي الدولة التي ما لم تتم الآن فإنها سوف تدخل مرحلة أخري من تفتيت أطراف التعاقد‏,‏ ودخولهم جميعا في صراع مسلح ليس من أجل قيام دولة أخري ذات صورة مفضلة‏,‏ وإنما من أجل الاستحواذ علي البقايا المادية للدولة العراقية السابقة‏.‏ هذه البقايا سوف تتمثل في الأرض ومساحتها‏,‏ ومع التداخل السكاني‏,‏ فإن نقاط التماس والاختلاط سوف تكون حارة بكل المعاني المسلحة وغير المسلحة‏.‏ كما أنها سوف تتمثل في الثروة البترولية ومنابعها حيث تتداخل الآبار واحتياطاتها‏,‏ صحيح أن بعضا منها سوف يحترق خلال عملية فك التعاقد إلا أنها سوف تكون وقود الحرب العراقية الداخلية المحتملة‏.‏
من هنا فإنه لا يوجد خيار واسع في الحقيقة‏,‏ لا أمام النخبة العراقية‏,‏ ولا أمام دول الجوار العراقي‏,‏ ولا أمام المجتمع الدولي‏,‏ فإما انتخابات تقيم عقدا عراقيا جديدا‏,‏ أو لا انتخابات علي الإطلاق وتنهي نهاية تامة تعاقدا عراقيا قديما علي إمكانية قيام دولة اسمها العراق‏.‏
ومما يشجع علي المغامرة بالخيار الانتخابي أن حالة الانفلات الأمني مؤثرة في ثلاث محافظات عراقية فقط‏,‏ كما أن حالة المعارضة المسلحة السنية لم تتحول بعد إلي حالة شاملة من حروب العصابات‏,‏ وهي حالة مبكرة من المعارضة التي ربما يمكن تعويضها في مراحل لاحقة‏.‏ إنها السياسة‏,‏ وهي لا تكون في كل الأوقات اختيارا بين ما هو الجيد والسيء‏,‏ وإنما هي اختيار بين السيء والأكثر سوءا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا