
|
حديث العالم عقد جديد للدولة العراقية! |
 | |
عبد المنعم سعيد قيام الدولة ما هو إلا حالة من حالات التعاقد, أولها يقع بين المواطنين علي الاندراج في كيان سياسي, وثانيها يقع بين الحكام والمحكومين حول طريقة اقتسام السلطة والثروة وإدارة كليهما لحماية مصالح الجميع. وبدون أية مبالغة فإن الانتخابات العراقية القادمة تعيد الدولة كلها إلي حالتها الأولية حيث يجري التعاقد من خلال العملية الانتخابية التي يشارك فيها14 مليون عراقي في الداخل ومعهم مليون ونصف المليون في الخارج يعملون علي انتخاب مجلس وطني شامل مكون من275 عضوا ـ بالإضافة إلي18 مجلسا محليا للمحافظات العراقية وبرلمان إقليم كردستان ـ يقوم بوضع دستور للعراق يحدد العلاقات بين الحكام والمحكومين, وبين الحكومة المركزية الجديدة وحكومات الأقاليم أو المحافظات. ولعل ذلك هو التعاقد الثالث الذي يقوم به سكان العراق, فقد كان تعاقدهم الأول في عام1932 عندما ظهرت الدولة العراقية لأول مرة ككيان دولي في الإطار الملكي الذي قام من ناحية علي تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولي, ومن ناحية أخري علي شرعية قبول العرش الهاشمي كقوة جامعة وموحدة للعراقيين. ولكن هذا العقد لم يصمد كثيرا في عام1958 أمام التحدي الذي قدمه العسكريون الذين هدموا الدولة كلها رأسا علي عقب, مؤسسين لتعاقد جديد يقوم علي شرعية الفكرة القومية ـ العراقية والعربية ـ التي تجمع كل سكان العراق تحت رايات واحدة. ورغم أن العقد الجمهوري بدا مغريا للعراقيين بعد إحباطهم في العقد الملكي إلا أن واقع الحال كان مرا, فلم تتتابع الحروب الداخلية الواحدة بعد الأخري ضد قطاعات مختلفة من أطراف التعاقد الاجتماعي مثل الأكراد والشيعة, وإنما رافقتها سلسلة من الحروب الخارجية التي أخذت الجيوش إلي إيران والكويت. لقد دمرت الحرب الأمريكية علي العراق البنية الكاملة للتعاقد العراقي الجمهوري القومي بشكل حرفي, فقد تم تفكيك أركان الدولة العراقية بجيوشها وأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها المتشعبة, وأصبح علي العراقيين الآن, ومن خلال صناديق الانتخاب, أن يقيموا الآن دولة جديدة اتفقوا علي قيامها, ولكنهم لم يتفقوا بعد علي أحوالها وشروطها. وفي اللحظة الراهنة فإن هناك ثلاث صور للتعاقد يجري التنازع حولها في العراق, فهناك أطراف متعددة تريد تعاقدا إسلاميا باعتبار أن الدين هو الرابطة الأساسية بين كل العراقيين, حتي ولو كان ذا صيغ طائفية, أو حتي كانت له تعبيرات أيديولوجية مختلفة ما بين جماعة أسامة بن لادن وجماعة حسن البنا. وهناك أطراف أخري تريد العودة مرة أخري للصيغة القومية, علي اعتبار أن عروبة العراق هي ما تجعل العراق عراقا, وبدونه لا تصير له هوية وشخصية, وببساطة فإن المطلوب هو إعادة عقارب الساعة إلي الوراء حتي ولو كان الثمن أن يعود نظام صدام حسين دون صدام هذه المرة. أما الصورة الثالثة للتعاقد العراقي فهي لا تأخذ شكل التعاقد حول فكرة ـ الإسلام أو العروبة ـ وإنما التعاقد حول ترتيبات للمصالح, ومن هنا تأتي فكرة الفيدرالية وقبول التعايش المشترك علي أسس من التبادل وتوزيع السلطة والثروة. صور التعاقد الثلاثة هي التي تقع في قلب الصراع الانتخابي, والصراع الدامي, في العراق في هذه اللحظة, ولكن التنافس فيما بينها ليس هو المعضلة الوحيدة الواقفة مانعة للتعاقد الثالث للدولة العراقية. فمن الواضح أن هناك حالة من الانفلات الديمقراطي الذي يقترب من حالة الفوضي حيث يوجد83 كيانا سياسيا تتوزع ما بين تسعة تحالفات كبري و47 حزبا سياسيا و27 مرشحا مستقلا يكونون جميعا ما يقرب من5000 مرشح يتنافسون علي275 مقعدا... وكما هو معروف أن الديمقراطية لا تزدهر كثيرا في مثل هذه الحالة من التفتت, وتحتاج في معظم الأحوال عددا محدودا من الأطراف يمكنها التفاوض والتفاهم والمساومة. فإذا أضيف إلي ذلك غياب وجود تقاليد ديمقراطية تذكر حيث كان آخر الانتخابات الديمقراطية العراقية في عام1954, ومع ذلك غياب شروط الممارسة من أمن, في عدد غير قليل من المحافظات تتركز فيها السنة العرب. كل ذلك يطرح معضلة الانتخابات العراقية القادمة, فبقاء الأحوال علي ما هي عليه والمضي قدما نحو الانتخابات التي تجري في40 ألف صندوق انتخابي سوف يجعل علي الأرجح التعاقد ليس كاملا بالمرة حيث سيبقي السنة خارج هذا التعاقد. وهؤلاء ـ علي أية حال ـ يطرحون حججا لتأجيلها حتي يتم التفاوض حول صورة الدولة العراقية وهي لدي البعض القومي عدم جواز الانتخابات تحت الاحتلال باعتبار ذلك ناقضا للشرعية من جانب, ومتحيزا لطوائف بعينها من جانب آخر, أما البعض الإسلامي فيري المسألة برمتها نوعا من القوانين الوضعية التي لا ينبغي لها التدخل في الميلاد الإلهي للدولة, أما البعض الليبرالي السني فيقول إن فكرة الدائرة الواحدة في الانتخابات العراقية قصد بها تخطي السنة, وأخيرا فإن سنة الأكراد الراغبون في دولة كردية مستقلة تأتي من رماد فشل إقامة الدولة العراقية يطرحون مشكلة كركوك المزمنة والتي لا تجوز انتخابات دون حلها. لكن القضية ليست في رجاحة حجج تأجيل الانتخابات, وإنما لأن طارحيها لم يطرحوا بديلا جديدا لعملية التعاقد الجديد علي الدولة التي ما لم تتم الآن فإنها سوف تدخل مرحلة أخري من تفتيت أطراف التعاقد, ودخولهم جميعا في صراع مسلح ليس من أجل قيام دولة أخري ذات صورة مفضلة, وإنما من أجل الاستحواذ علي البقايا المادية للدولة العراقية السابقة. هذه البقايا سوف تتمثل في الأرض ومساحتها, ومع التداخل السكاني, فإن نقاط التماس والاختلاط سوف تكون حارة بكل المعاني المسلحة وغير المسلحة. كما أنها سوف تتمثل في الثروة البترولية ومنابعها حيث تتداخل الآبار واحتياطاتها, صحيح أن بعضا منها سوف يحترق خلال عملية فك التعاقد إلا أنها سوف تكون وقود الحرب العراقية الداخلية المحتملة. من هنا فإنه لا يوجد خيار واسع في الحقيقة, لا أمام النخبة العراقية, ولا أمام دول الجوار العراقي, ولا أمام المجتمع الدولي, فإما انتخابات تقيم عقدا عراقيا جديدا, أو لا انتخابات علي الإطلاق وتنهي نهاية تامة تعاقدا عراقيا قديما علي إمكانية قيام دولة اسمها العراق. ومما يشجع علي المغامرة بالخيار الانتخابي أن حالة الانفلات الأمني مؤثرة في ثلاث محافظات عراقية فقط, كما أن حالة المعارضة المسلحة السنية لم تتحول بعد إلي حالة شاملة من حروب العصابات, وهي حالة مبكرة من المعارضة التي ربما يمكن تعويضها في مراحل لاحقة. إنها السياسة, وهي لا تكون في كل الأوقات اختيارا بين ما هو الجيد والسيء, وإنما هي اختيار بين السيء والأكثر سوءا.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|