408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

د‏.‏ غازي صلاح الدين عضو المكتب القيادي للحزب الحاكم‏:‏

أحذر من وجود جيشين علي وحدة البلاد

د. غازى صلاح الدين

‏ حاوره بالدوحة‏-‏ العزب الطيب الطاهر


رغم قناعة الدكتور غازي صلاح الدين عضو المكتب القيادي للحزب الوطني الحاكم في السودان بأن اتفاقية السلام التي سيتم التوقيع النهائي عليها في غضون أيام قليلة تشكل قفزة بعيدة إلي الأمام إلا أنه يحذر من جملة مخاطر في مقدمتها بقاء وضعية الجيشين في الشمال والجنوب وهو يري أن ذلك من أكبر مهددات الاتفاقية‏.‏ وما يقوله الدكتور غازي لا ينطلق من رؤية هلامية وإنما رؤية القيادي الذي تابع عن كثب ملف عملية السلام بين الحكومة والحركة الشعبية وكان هو الذي رأس الوفد الحكومي الذي أبرم اتفاقية نيفاشا الأولي والتي شكلت نقطة الانطلاق لكل ما تحقق فيما بعد بيد أن الرجل أبعد عن ملف السلام لأسباب مازالت غامضة وهو لا يريد الخوض فيها لأنه منحاز للوطن علي حسابه الشخصي‏.‏ هنا قراءة للدكتور غازي تقدمها الأهرام العربي في حوار شامل معه‏..‏ تاليا تفاصيلها‏:**‏ مع اقتراب التوقيع النهائي علي اتفاقية السلام بين الحكومة والحركة الشعبية كيف تقرأ مرحلة ما بعد التوقيع علي هذه الاتفاقية هل سيدخل السودان مرحلة الاستقرار الكامل والسلام الكامل أم أن السلام سيكون منقوصا؟
لقد بات في حكم المؤكد أن توقع الاتفاقية بصورتها النهائية خلال أيام التاسع من يناير‏..‏ وفق الإعلان الرسمي وهي اتفاقية متعددة المحاور وتنطوي علي تفاصيل عديدة وذلك في حد ذاته يشكل تحديا لتطبيق الاتفاقية فيما يتعلق بتفسير النصوص وتنزيلها في صيغة دستورية وهو ما سوف يتطلب مزيدا من الجهد‏.‏
ولاأشك أن التوقيع علي الاتفاقية سيمثل قفزة بعيدة للأمام بيد أن الأمر سينطوي من ناحية أخري علي الكثير من التحديات والمهام ليست أقل تعقيدا من التفاوض للتوصل إلي هذه الاتفاقية‏.‏
ومن ناحية ثالثة فإن هذه الاتفاقية لا تغطي مناطق أخري في السودان فثمة مفاوضات في محاور ومنابر أخري حول قضية دارفور في القاهرة مع التجمع الوطني وهي تشكل محاور مكملة للاتفاقية التي ستبرم نهائيا مع الجنوب‏.‏
وأحسب أن الحكم بالنجاح الكامل النهائي لهذه الاتفاقية سيعتمد بما يمكن أن يتحقق من نجاح في المحاور الأخري أيضا‏.‏
‏**‏ هل أفهم من ذلك أن قضية الشرق في السودان مدرجة ضمن هذه المحاور الأخري؟
‏-‏ إن قضية الشرق تناقش تقريبا ضمن محور التجمع الوطني رغم أنه يبدو أن ثمة خلافا حول هذه المسألة‏..‏ فبعض فصائل الشرق لا تقبل بأن تمثل داخل التجمع لكن المحورين الرئيسيين التاليين للتفاوض هما دارفور والتجمع الوطني والذي يضم فصائل من الشرق‏.‏
‏**‏ هل ذلك يعني أنه بعد التوقيع علي اتفاقية السلام سيحدث تغيير في بنية وهيكلية النظام السياسي في السودان باتجاه تعميق خيار التعددية السياسية والاتضاح السياسي والديمقراطي بشكل واسع؟
‏-‏وهذا كله سيقع غير أنه ليس الجانب الخطير في المسألة وأقصد هنا بالخطير أي المهم والجديد وما أعنيه أنه ستحدث تعديلات جوهرية في علاقات القوة والسلطة والمال في السودان‏..‏
‏**‏ ثمة من يري أن الحركة الإسلامية في السودان هي أكثر القوي التي ستدفع ثمنا باهظا لاتفاقية السلام باتجاه المزيد من تقليص نفوذها وحركتها لمصالح قوي أكثر ليبرالية هل توافق علي ذلك؟
هنالك قوي كثيرة ستتعدل أوضاعها بعد اتفاقية السلام ولا أستطيع بالطبع أن أستثني منها الحركة الإسلامية باعتبار أن هذه الحركة ذاتها لابد أن تتكيف مع النتائج التي ستفرزها الاتفاقية‏..‏ خاصة أن لديها مشكلات أخري عديدة‏.‏
ما أخلص إليه في هذا السياق أن كل القوي السياسية الشمالية بالذات وعلي رأسها القوي التقليدية بما فيها الحركة الإسلامية ستتعدل أوضاعها بعد اتفاقية السلام وهو ما يستدعي منها أن تسعي إلي تكييف نفسها مع مرحلة مابعد السلام‏..‏
‏**‏ بأي اتجاه‏..‏ ما الذي يتعين علي هذه القوي أن تفعله علي هذا الصعيد؟
‏-‏ ذلك يتطلب إجراء إصلاحات هيكلية قوية داخل بني هذه القوي‏..‏ وأن تجدد طرحها وتغير في رؤيتها في ظل واقع متغير وسياق مختلف تماما ضمن لنا في الستينيات والسبعينيات فالأطروحة العربية لابد أن تتعدل والأطروحة الإسلامية لابد أن تتكيف مع نفسها مع الأوضاع الجديدة باختصار إن كل الأطروحات التي كانت تشكل مضامين الفكر السياسي في السودان هي في حاجة إلي تجديد وإعادة نظر وفي الآن ذاته ثمة ضرورة لإجراء تعديل علي مستوي التنظيم أيضا إلي جانب الفكر‏..‏ وهو ما يستدعي من الحركة الإسلامية والأحزاب والقوي التقليدية‏.‏ أن تعدل من هياكلها وتعيد تشكيل تنظيماتها بحيث تستوعب القوي والتيارات الفاعلة والمتجددة خاصة أن تركيبة المجتمع السوداني تخضع للتغيير باستمرار ولم يعد مجتمعا مغلقا بحيث يمكن إرسال مرشحين للفوز بدوائر مغلقة كما كان الحال في السابق‏..‏ فهناك اتساع في حركة التعليم والوعي بالمطالب وضرورة تحقيق العدالة وبالنسبة لقسمة الثروة وتوزيعها والسلطة كذلك‏.‏
‏**‏ كيف تقرأ توزيع السلطة بين الشمال والجنوب بعد اتفاقية السلام‏..‏ صحيح أن ثمة اتفاقا أو بروتوكولا خاصا بتوزيع السلطة لكن السؤال هو إلي أي مدي يمكن أن يصمد ميدانيا علي الأرض خاصة أن ثمة مشروعا خاصا لدي جون جارانج وحركته؟
هذه واحدة من المعضلات الأساسية وهي ليست متعلقة بقسمة السلطة فقط ولكنها مرتبطة بأن جون قرنق لديه رؤية قد تكون متباعدة أو أحيانا متناقضة مع رؤية الحكومة القائمة وبعض القوي السياسية التقليدية وأحسب أن تلك قضية قائمة بذاتها‏..‏ لكن علي أية حال فإن القرار الذي توصلت إليه هذه القوي يتمثل في أنها عازمة علي أن تتعايش مع بعضها البعض بل تريد أن تشارك في عملية السلام‏.‏
أما فيما يتعلق بقسمة السلطة وفق المعادلات التي تم التوافق عليها في اتفاقية السلام فهو في اعتقادي موضوع يتسم بالبساطة والمباشرة فقد قسمت السلطة علي أساس نسب ولكن إعادة ترتيب أوضاع السلطة وعلاقات القوي وفق ما أشرت إليه في بداية هذا الحوار ستحدث في مرحلة تالية‏.‏
‏**‏ هل تقصد بعد المرحلة الانتقالية؟
لا‏..‏ وإنما في المرحلة التي ستلي إجراء الانتخابات وهذه ستكون بعد الثلاث سنوات الأولي من تطبيق الاتفاقية وقبل ذلك أي بعد التوقيع علي الاتفاقية مباشرة سيتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ذات القاعدة العريضة والتي ستجلب عناصر كانت في المعارضة تجلس جنبا إلي جنب عناصر كانت تعاديها تاريخيا وهو ما يشكل واقعا جديدا في السودان غير أنه بعد السنوات الثلاث الأولي سيكون أمام كل هذه القوي جميعها سواء أكانت الحركة الشعبية والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والقوي التقليدية تحدي الانتخابات وهنا‏..‏ سيحدث إعادة ترتيب لموازين القوي والفائز في تقديري سيكون من امتلك القدرة علي التكيف مع الأوضاع الجديدة سواء علي المستوي الفكري أم علي المستوي التنظيمي‏.‏
‏**‏ لعل ثمة تخوفا من تداعيات الاتفاقية والبروتوكول الأمني والذي لم يحسم مسألة دمج قوات الحركة الشعبية مع الجيش الحكومي وهو الأمر الذي يقود عمليا إلي وجود جيشين في دولة واحدة‏..‏ ألا يشكل ذلك خطرا من وجهة نظرك؟
من وجهة نظري ووفقا لرؤيتي الشخصية فإن هذه المسألة تشكل العقدة الرئيسية‏..‏ في الاتفاقية ولا أعلم كيف سيتم تطبيقها ولكن علي أي حال إذا طبقت فهي ستكرس مفهوم الجيشين وفي اعتقادي أري أن أكبر ضمانات الوحدة‏.‏ هي قيام جيش موحد‏..‏ علي أسس متفق عليها‏.‏
‏**‏ هل ذلك قابل للتحقق عمليا؟
لو استشرت في هذه المسألة فسأقول إننا إذا قبلنا الاتفاقية الأمنية بوضعيتها الحالية وهي وضعية خلافية فإنها ستظل خلافية أيضا في التطبيق‏..‏ وبالتالي ينبغي أن يتم التركيز علي القوات المشتركة من الجانبين‏.‏ بحيث يتم استنادا إلي وجود القوات المشتركة إنشاء جيش وطني واحد‏.‏
ولكن بقاء جيوش لها مرتبة واحدة ومساواة في المعاملة يمثل في تقديري أكبر مهددات الاتفاقية‏.‏
‏**‏ أين تري موقع الدكتور حسن الترابي في المعادلة السياسية في المرحلة القادمة التي تعقب التوقيع علي اتفاقية السلام؟
أتصور أنه سيكون بالضرورة فاعلا في المعادلة السياسية القادمة علي مستوي الشخص أو مستوي الحزب فليس بوسع أحد منع أي طرف من ممارسة دوره وحركته في المرحلة القادمة لأن اتفاقية السلام ذاتها تنص علي ضرورة فتح أبواب الحريات كاملة أمام الجميع وبالتالي‏..‏ سيعود الدكتور الترابي والصادق المهدي والميرغني وغيرهم إلي ممارسة نشاطهم السياسي‏.‏
أما إذا كان السؤال‏..‏ عن مدي نجاح الدكتور الترابي وحزبه فقد أشرت في ذلك خلال إجابتي العامة عن سؤال التغييرات المتوقعة في الواقع السياسي ومرة أخري أقول إن كل الشعوب السياسية ستكون مواجهة بضرورة الإجابة عن أسئلة صعبة بإجراء التكييفات اللازمة في نظمها وهياكلها وخطابها السياسي وفكرها حتي يكون بمقدورها أن تمتلك القدرة علي الاستمرار مع متطلبات المرحلة في الآونة الأخيرة واجه اتهام من جناح حزب الأمة الذي يرأسه مبارك الفاضل بأنه من يحكم السودان هم فئة محدودة تهيمن علي السلطة من رموز الحركة الإسلامية كيف تقرأ المشهد وأنت من داخله‏.‏؟
هو لم يتوجه بالانتقاد إلي الحركة الإسلامية وأنما للحكومة أي الجهاز التنفيذي‏..‏ هذا رأيه بالطبع ولكن بصورة عامة فإن خروج مبارك المهدي ورموز حزبه من السلطة شيء مؤسف وضار بالحركة السياسية بغض النظر عن المسؤول عن ذلك‏!‏ وفي حقيقة الأمر هو لم يتقدم باستقالته وإنما أقيل وفي رأيي أن العائد الكلي لهذا التطور ليس إيجابيا‏..‏ وبالتالي كان من الأفضل والأصلح أن يبقي في السلطة وأن توجد معادلة للسماع لمطالبه علي نحو عادل ومنصف وأحسب أن ذلك كان بوسعه أن يستبقي التماسك لأن السودان أحوج مايكون إلي التماسك الوطني‏.‏
‏**‏ ما قصة الكيان الخاص في الحركة الإسلامية والذي قيل إنك رشحت لرئاسته في مواجهة النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان طه وكنت قاب قوسين أو أدني للفوز برئاسته‏..‏ لكن حدث تدخل ما‏..‏أتي بالنائب الأول
‏-‏ الكيان الخاص‏..‏ مسمي أطلق علي الحركة الإسلامية لكنه في حقيقة الأمر لا يمثل الحركة الإسلامية السابقة بكاملها وإن كان يتضمن تمثيلا جزئيا لها وهو موجود باسم الحركة الإسلامية غير أن وظائفه ومهامه محدودة للغاية وما يهمني الحديث عنه هو صف الحركة الإسلامية التاريخي الذي ليس منتظما الآن في كيان واحد ووعاء واحد وقناعتي أن هذا الصف موحد بأكثر مما يظن الناس إذا تم تجاوز النخبة السياسية العليا‏.‏
‏**‏ ألم يوثر غياب الترابي عن السلطة علي وحدة الحركة الإسلامية؟
‏-‏ بالتأكيد أية حركة تتعرض للانشقاق لابد أن تدفع ضريبة ذلك فلا يمكن إنكار أن انشقاق الحركة الإسلامية في السودان انعكس سلبا علي صورتها وفي مقدرتها وفي تماسكها الداخلي وفي ثقتها بنفسها‏,‏ إن الانشقاق ليس تطورا حميدا علي أية حال وبالضرورة لابد أن يقود إلي تداعيات سلبية غير أنه يتعين ألا يفهم البعض أن خروج الدكتور الترابي هو الذي أفضي إلي هذه التداعيات لكن الانشقاق في حد ذاته ضار بأية حركة سياسية‏.‏
ورأيي الشخصي أنه كان ينبغي الحرص علي وحدة الحركة السياسية السودانية بما في ذلك الأحزاب الأخري التي نعتبرها في موقع المنافسة أو الخصومة السياسية ففي اعتقادي أن انقسامها هو في المحصلة النهائية ضعف في البنية الوطنية‏.‏
‏**‏ أخيرا‏..‏ كيف تقرأ ملف أزمة دارفور بعد كل هذه التطورات والمعطيات التي واجهتها الأزمة وطنيا وإقليميا ودوليا؟
‏-‏ من الواضح أن ثمة مشكلة قديمة في دارفور ولا يمكن القول إنها قد أنشئت بواسطة القوي الغربية غير أن معالجة المشكلة هي التي سمحت بتدخل القوي الغربية التي هي بالأساس متربصة بنا‏.‏
والقوي الغربية تدفع باستمرار إلي سحب السجادة تدريجيا من الحكومة الوطنية في دارفور وهذا ما تفعله من خلال قرارات مجلس الأمن والمساعدات الإنسانية أن مشكلة دارفور تتطلب منا جميعا وقفة جديدة ورؤية جديدة للأشياء لأنها فاجأت النخب السياسية في السودان وفي المقدمة الحكومة وبالتالي فهي تتطلب معالجة جذرية لأنها بدأت في الآونة الأخيرة تمضي باتجاه مقلق للغاية‏.‏
لقد ظلت دارفور رصيدا ضخما للعالم الإسلامي وللثقافة العربية الإسلامية وبكل أجناسها‏..‏ وما يقال عن تصنيف سكانها بين عرب وغير عرب هو غير صحيح فكلهم ينتمون للإسلام ويتحدثون العربية بدرجة من الدرجات وليس لديهم أي عداء أو خصومة مع الثقافة العربية‏,‏ بيد أن الغرب يحاول أن يوجه هذه القضية باتجاه عرقي من خلال الحديث عما يسميه بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية ولا ينبغي في هذا السياق أن يدهشنا السلوك الغربي فهذا سلوك مفهوم وغريزي لأنه يجسد الحالة الاستعمارية وتبقي المشكلة في الأخطاء التي نرتكبها نحن هي التي تسمح للغرب بأن يتدخل علي هذا النحو‏*‏