
|
ست سنوات تحدد مصير البلد القارة
سلام السودان يبدأ من الصفر |
 | | كولن باول يتوسط جرنج وعلى عثمان طه نائب الرئيس السودانى |
أسماء الحسيني في حفل مشهود وبحضور دولي وإقليمي كبير تم توقيع الاتفاق النهائي للسلام في السودان بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان, الذي ينقل السودان إلي مرحلة انتقالية جديدة مدتها ست سنوات يصوت أبناء الجنوب في نهايتها عبر استفتاء علي الوحدة أو انفصال الجنوب, وتسبق تلك الفترة الانتقالية فترة تمهيدية بدأت منذ توقيع الاتفاق مدتها6 أشهر تستكمل فيها إقامة أجهزة الحكم الجديد التنفيذية والتشريعية.فهل من حق السودانيين اليوم أن يفرحوا ملء قلوبهم بتحقيق السلام بعد سنوات طويلة من القتال والدمار خلفت الكثير من المعاناة والمرارات والأحقاد أم تظل فرحتهم مشوبة بالخوف والقلق والهواجس.. وهل ينهي هذا الاتفاق أطول حرب في القارة الإفريقية إلي غير رجعة, وهل ينعكس ذلك إيجابا علي الوضع في دارفور وباقي أنحاء السودان.. وهل هو آخر الطريق أم بدايته؟ بتوقيع اتفاق السلام يكون طرفا الاتفاق الحكومة والحركة الشعبية قد أوفيا بعهدهما ووعودهما للمجتمع الدولي الذي ظل يضغط عليهما ويلاحقهما علي مدي أكثر من عامين للتوصل إلي اتفاق ولمجلس الأمن الدولي الذي انعقد أخيرا في نيروبي ومنحهما فرصة أخيرة للتوصل إلي اتفاق, وبقي علي هذين الطرفين أن يوفيا بعهدهما للشعب السوداني بتحقيق السلام وإرسائه بالفعل علي أرض الواقع, وهو المهمة الصعبة لأن السلام في السودان لن يتحقق بمجرد توقيع اتفاق فقط بين طرفين أو حتي عدة أطراف, وإنما هو بالفعل مهمة صعبة في ظل واقع شديد التعقيد يحتاج إلي جهود كبيرة من طرفي الاتفاق ومن المجتمع السوداني ومن محيط السودان العربي والإفريقي ومن المجتمع الدولي. واتفاق السلام الذي أصبح حقيقة الآن إذا لم يتم تنفيذه ستكون العواقب وخيمة, وإذا لم يتحلي طرفاه بالنوايا الطيبة والثقة يمكن التنبؤ بالعديد من المشكلات التي ستنجم عن تطبيقه. وستواجه الحكومة السودانية اختبارا صعبا خلال الفترة الانتقالية بشراكتها في الحكم مع الحركة الشعبية وبتخليها عن سلطتها القابضة, ويحتم عليها ذلك مواجهة تحديات من نوع آخر لم تعرفه طيلة سنوات حكمها, كما ستواجه معركة داخلية أخري لتقوية ذاتها كحركة إسلامية في ظل واقع جديد. كما ستواجه الحركة الشعبية ذات الاختبار الصعب في تحولها من حركة عسكرية إلي حركة سياسية مدنية تطمح في أن تمد جسورها إلي كل أنحاء السودان, وأيضا في إدارتها لدفة الأمور بالجنوب, الذي يعاني بالإضافة إلي أزماته التاريخية المستحكمة احتياجات حقيقية ومطالب هائلة تتعلق بتنمية وإعمار ما دمرته الحرب. وقد عبر جون جارانج زعيم الحركة الشعبية عن هذه التركة الثقيلة التي سيتسلمها بقوله سنبدأ تقريبا من الصفر. والأهم هنا هو كيف ستمضي الأمور بين الشريكين المختلفين, فالحكومة والحركة تقفان علي طرفي نقيض من حيث البعد الأيديولوجي والفكري.. فهل يستطيعان التغلب علي تلك الخلافات وبناء جسور من الثقة تدعم العمل المشترك في المرحلة المقبلة أم تكون العلاقة بينهما أشبه بزواج الإكراه كما يروق للمتوجسين من اتفاق السلام في شمال السودان وصفه.. وأولئك المتوجسون كثر وهم يرون أن الاتفاق فرض تحت سياط وأسنة ورماح المتدخلين الأجانب, وأن الاحتفال به يعني الاحتفال بوداع جزء عزيز من الوطن في الجنوب واحتفال بالتجزئة المؤجلة للسودان إلي حين, وهم يرون أن الحركة قبلت الاتفاق لشراء الوقت التأسيس دولتها القادمة وتدريب كوادرها وإنجاز بنيتها خلال السنوات الست الانتقالية, وأن الحكومة قبلت ذلك مقابل شراء بضع سنوات في الحكم وأنها لو تصالحت مع شعبها ما وصلت إلي ذلك الوضع. بينما يري مؤيدو الاتفاق أن من حق قادة الإنقاذ الحاكمة بالسودان أن يفخروا بإنجازهم التاريخي الذي صنعوه لوطنهم وأن من حقهم اليوم أن يعيشوا أسعد لحظات تاريخهم السياسي, وأن التاريخ سيذكر لهم أنهم حققوا سلاما صعبا بل مستحيلا عجزت عنه كل الحكومات السابقة. إلا أن اتفاق السلام في السودان سيواجه بعقبات كبيرة لابد من العمل علي تذليلها, وإلا أصبح الاتفاق مهددا أو منقوصا, وفي مقدمة تلك العقبات الوضع في دارفور الذي يزداد تفاقما بعد تعثر مفاوضات أبوجا بين الحكومة السودانية وحركتي التمرد الرئيسيتين بدارفور تحرير السودان والعدل والمساواة وقد رأي متمردو دارفور أن اتفاقية السلام هي مجرد اتفاق ثنائي وطالبوا بتدخل الأمم المتحدة في أية مفاوضات, كما أن الوضع في شرق السودان لا يقل خطورة وكذلك في كردفان. كما يواجه اتفاق السلام بقوي أخري خطيرة في مقدمتها حزب المؤتمر الشعبي الذي ألقت الحكومة بزعيمه الدكتور حسن الترابي في السجن بعد اتهامه بالتدبير لعدة محاولات انقلابية, وهو الآن مهدد كبير للسلام المرتقب طالما بقي خارج إطاره. يأتي ذلك في ظل ضعف عام يعتري ا لبلد كله وأحزابه التي تعاني بغير استثناء من مشكلات تنظيمية وسياسية خطيرة, وكذلك من انشقاقات أو اضطرابات. والواقع أن السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي فإما أن ينعكس توقيع اتفاق السلام إيجابا علي مجمل أوضاعه وفي مقدمتها دارفور ويؤدي إلي مصالحة حقيقية مع باقي القوي السياسية والعسكرية وإلي التزام حقيقي بتنفيذ الاتفاق وبناء جسور الثقة المفقودة. وإما أن تنهار تلك الاتفاقية لأي سبب من الأسباب سواء بسبب تناقض الطرفين الشريكين والاختلافات والشكوك المتبادلة بينهما وتباين الرؤي والبرامج بين المشروع الحضاري الإسلامي الذي كانت تطرحه الإنقاذ والسودان الجديد الذي تطرحه الحركة, وقد تنهار الاتفاقية أيضا بسبب طرف ثالث غير راض عنها أو بسبب مشكلة من المشكلات الكبيرة التي تواجهها السودان, وعند الفشل سيكون السودان مواجها بخيارات صعبة ومواجهات دامية أو حرب شاملة, وقد يؤدي ذلك إلي الصوملة والتفكيك أو التدخل الدولي. السيناريو الأول هو الأرجح والدور العربي والمصري مهم في ترجيحه, بعد أن خبا أو غاب هذا الدور عن السودان طويلا*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|