408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

محاولة للتعقيب دون الوقوع في المحظور

بالوطنية‏..‏ يا نيافة الأنبا بسنتي‏!‏

‏ نـبـيل عـمـر


أشد ما أعجبني في حوار الأنبا بسنتي هو هذا القدر الهائل من الصراحة‏,‏ فالشفافية والوضوح والتعبير بحرية عن الأفكار المعتملة في النفس والعقل هي مبضع الجراح الماهر لاستئصال أي ورم في الجسد المصري‏,‏ سواء كان مجرد كيس دهني أم خلايا خبيثة‏,‏ وفي المقابل سنجد الصمت والسكوت والابتسامات المحايدة هي أخصب تربة تنمو فيها الفيروسات القاتلة وتتكاثر وتتوحش في غفلة منا‏,‏ وحين ننتبه إليها قد يكون وقت العلاج قد فات ولا يبق لنا سوي الدعاء بالرحمة والصبر علي المكاره‏!‏لكن بعض الأفكار التي طرحها الأنبا بسنتي لم أرتح إليها‏,‏ وشعرت‏-‏ وقد أكون مخطئا‏-‏ بأنها تحمل في بنيتها الأساسية‏'‏ مطالب طائفية‏',‏ وهذا النوع من المطالب هو الذي يقسم الوطن إلي مسلم ومسيحي‏,‏ وهذا لا يعني أنني أنكر أن المصريين المسيحيين يعانون قدرا غير قليل من المشكلات‏,‏ لكن البحث عن حلول لها لا بد أن يخرج من الدائرة الدينية إلي الدائرة الوطنية‏,‏ من كونهم مسيحيين إلي الكيان المصري ككل‏,‏ وكما قلت مرارا وأكرر إن المصريين المسيحيين لا ينطبق عليهم لفظ‏'‏ الأقلية‏'‏ بمعناها المتعارف عليه في المجتمعات الغربية أو الأسيوية‏,‏ فالأقلية في الغالب هي أقلية جنس أو عرق‏,‏ كالأقلية الأمريكية من أصول إفريقية أو لاتينية‏,‏ أو الأقلية البيضاء أو الأرمن في صربيا أو البيض في زيمبابوي‏..‏أو التاميل في سيرلانكا‏..‏الخ‏!‏
لكن الأمر مختلف في مصر تماما‏,‏ فنحن جنس وعرق واحد‏,‏ وأغلب جدودنا من الأقباط‏,‏ عدا قلة جاءت مع الفتح الإسلامي كما يقول المسلمون أو مع الغزو الإسلامي كما يقول الأقباط‏,‏ وكانت القوات القادمة مع عمرو بن العاص لا تتعدي بضعة آلاف‏,‏ كما أن مصر بلد مفتوح تعرض لغزوات وهجرات دائمة من المحيط القريب أو من الدائرة البحر متوسطية‏,‏ ولا يمكن أن نكون جنسا مصريا نقيا مائة في المائة‏,‏ فنحن خليط من دماء مصرية قديمة وعربية ورومانية وليبية وفارسية وهكسوس وبطالمة وشركسية وتركية وأوروبية‏,‏ بحكم مئات السنين وليس عشرات السنين التي عاشها هؤلاء في مصر‏,‏ تزوجوا منها وأنجبوا وذابوا فيها وشكلوا هذه الخلطة السحرية المسماة‏'‏ المصرية‏',‏ التي تمكنت حتي من تمصير المسيحية والإسلام‏!‏
والصحيح أننا جميعا أقباط‏:‏ مسلمين ومسيحيين‏,‏ فالقبطية أي المصرية في التاريخ المكتوب تسبق ميلاد المسيح بأكثر من ألفي سنة‏..‏
هذه بديهية لهؤلاء الذين يودون أن يقسموا مصر بين غزاة ومواطنين ويكتبون كلاما فارغا علي الإنترنت وفي مواقع مصريين مهاجرين في أمريكا وكندا وأوروبا‏,‏ وأحيانا أسمعها هنا من بعض‏'‏ الكبار‏'‏ في المقام الذين يخاصمون التفكير العلمي السليم‏,‏ وانتساب المصريين المحدثين إلي الإسلام لا يقطع تاريخهم بجذورهم من قدماء المصريين لمجرد أنهم لم يبقوا علي مسيحيتهم أيا كانت الأسباب التي دفعت أجدادهم إلي الإسلام خلال القرون الثلاثة الأولي من‏'‏ غزو‏'‏ عمرو بن العاص لمصر أو فتحها‏!‏
ولا أتصور أن مشكلات المصريين المسيحيين المحدثين الذين احتفظوا بلقب‏'‏ الأقباط‏'‏ لتنتسب مسيحيتهم المتميزة إلي مصر ترجع إلي أسباب دينية أو إلي غياب التسامح الذي عاشت به مصر تاريخها كله‏,‏ وكان الكيمياء السرية التي هضمت بها كل من جاءها غازيا‏,‏ ولكن لأسباب سياسية خاصة بضعف التطور الديمقراطي وحقوق الإنسان في المجتمع المصري‏!‏
وإذا كان الأنبا بسنتي يعرف عشرات الحالات من مسيحيين يعتقدون أنهم تعرضوا لظلم ما في وظائفهم أو حياتهم العملية والمهنية‏,‏ فأستطيع أن أعدد له عشرات الآلاف من الحالات لمسلمين يعتقدون أيضا أنهم‏'‏ مضطهدون‏'‏ في لقمة عيشهم وترقياتهم وعملهم‏,‏ بل أنا شخصيا عانيت من تمييز ضدي لا أود أن أعدده وحرمت من حقوق ينالها من هم أقل كفاءة ومقدرة‏..‏ أو علي الأقل هذا ما أتصوره لنفسي ولم ينفعني إسلامي‏!‏
وحكاية الأستاذة المساعدة المسيحية التي‏'‏ كان يجب‏'‏ أن ترقي إلي درجة الأستاذية ووضعت أمامها العراقيل فأنصفها الدكتور عمرو سلامة‏,‏ أعرف مثلها مئات الحكايات في جميع جامعات مصر‏,‏ ولن تجد وزير التعليم ينصفها لأن لا شيخ الأزهر يتدخل ولا يستطيع ولا مفتي الديار المصرية يتوسط ولا يستطيع‏!‏
وإذا تابع الأنبا بسنتي حوادث الانتحار من شظف العيش والفقر أو القضايا المرفوعة في المحاكم المدنية ضد الدولة سيجد أغلبها إن لم يكن كلها لمسلمين لم يحمهم إسلامهم من‏'‏ ظلم المجتمع لهم‏',‏ وكلنا نعرف وتأثرنا بحكاية الخريج المتميز‏'‏ عبدالحميد شتا‏'‏ الذي اجتاز كل اختبارات التقدم للعمل بوزارة الخارجية بتفوق جعله الأول‏,‏ لكنه لم يعين واستبعد بسبب أصوله الاجتماعية المتواضعة‏,‏ بالرغم من إسلامه‏,‏ فانتحر بإلقاء نفسه في النيل‏..‏هل هذا له علاقة بدينه أم بنظام من القيم والتقاليد والعادات والواسطة والمحسوبية؟‏!‏
صورة زنكوغرافية للحوار الذى أجرته الأهرام العربى مع الأنبا بسنتى فى الأسبوع الماضى
أما حكاية أن ثورة يوليو فكرت في قوانين التأميم لتسلب المصريين المسيحيين ثرواتهم‏,‏ وأن ثمة دراسة حديثة تثبت أن‏60%‏ من أموال التأميم كانت مسيحية‏..‏فهذا كلام يصعب تصديقه‏,‏ ويبدو أن الأنبا بسنتي دون أن يقصد قد بين أن مصر كانت تعاني تمييزا في الملكية والثروة ضد المصريين المسلمين‏,‏ مما سمح لعدد أقل من المصريين أن يمتلك أكثر من نصف الثروة التي خضعت للتأميم‏!‏
وهذه بدوره قد يفتح علينا باب جهنم من تساؤلات مشروعة‏:‏ ما هو نوع النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أتاح كل هذه الثروة في يد أعداد قليلة من المصريين؟‏!..‏خاصة إذا علمنا أن مصر ليست لها تاريخ كبير في الإقطاع والرأسمالية‏,‏ مثلا كان محمد علي يفرض في الزراعة نظام الالتزام ولم يكن المصريون يملكون مساحات كبيرة من الأرض الزراعية إلا بعد أن بدأت أسرة محمد علي توزيع الإقطاعيات علي حاشيتها والمقربين منها‏..‏ والحال نفسه في التصنيع البسيط الذي حدث في القرن التاسع عشر إلي منتصف القرن العشرين‏..‏هذا خلاف الثروات التي صنعت من التعامل مع الجيش البريطاني في منطقة القناة أو في معسكراته بالقاهرة والإسكندرية بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر‏..‏ وكان التعليم أساسا هو وسيلة تكوين الثروة والصعود الطبقي وليس الوراثة الطبقية لفترة طويلة‏!‏
لكن الأعجب فيما ذكره الأنبا بسنتي هو‏'‏ ظاهرة الثأر في أوساط المزارعين المسلمين ضد الأقباط بعد الثورة باعتبارهم ملاكا إقطاعيين‏,‏ ولا سبيل أمام نيافة الأنبا لإثبات صحة نظريته إلا أن يرصد لنا بدقة حجم الأراضي الإقطاعية التي طبق عليها قانون الإصلاح الزراعي وكان ملاكها من المصريين المسيحيين‏,‏ لنحدد حجم هذه الظاهرة التي لم تعبر عن نفسها في الخمسينيات والستينيات علي الإطلاق‏,‏ ولم تطف علي سطح الحياة مع ظهور الجماعات الإسلامية في أواخر السبعينيات وإلي الآن‏,‏ وكيف حدث هذا بالرغم من التغيير الهائل الذي أصاب المجتمع الزراعي المصري بعد أن تعلم أولاد الفلاحين وهجروا قراهم إلي المدن والوظائف أو بعد أن هجرت أعداد كبيرة من الفلاحين أنفسهم إلي بلاد النفط‏!‏
ولأنني لا أميل إلي اعتبار ما قاله نيافة الأنبا من الحقائق المسلم بها‏,‏ وعندي من المراجع والكتب ما يؤكد أن الأجانب واليهود هما أكثر الفئات تضررا من التمصير ثم التأميم‏..‏ وأن حكاية الثأر الاجتماعي هذه مبالغ فيها‏,‏ لأن أغلب الملكيات التي أممت كانت في الدلتا وليس في الصعيد الفقير في المساحة الزراعية‏,‏ وأعداد المصريين المسيحيين في الدلتا أقل جدا من أعدادهم في الصعيد‏..‏فلن أتوقف أبدا عند تلك الأسئلة التي يمكن أن تفتح باب جهنم‏,‏ ولكن لا أستطيع أن أتجاوز تعبير‏'‏ النشاط الاقتصادي القبطي‏'‏ الذي ورد علي لسان نيافة الأنبا دون أن أصاب بالدوار والهلع والاضطراب الشديد‏,‏ فالتعبير مليء حتي الثمالة بالطائفية‏,‏ وهذه أول مرة في حياتي أسمع تعبير النشاط الاقتصادي القبطي الذي بالطبع يقابله النشاط الاقتصادي المسلم‏,‏ وربما يكون لدينا نشاط سياسي قبطي ونشاط سياسي مسلم‏,‏ وقد نكون في الطريق إلي ثقافة وعادات وقيم وتقاليد وشوارع ومدن قبطية مقابل مثيلتها مسلمة‏,‏ هل هناك تقسيم لمصر أسوأ من هذا؟‏!‏
صحيح أن الأقباط شطار جدا في بعض المهن وأنواع من التجارة‏,‏ لكن داخل منظومة النشاط المصري وليسوا منفصلين عنه‏,‏ مندمجين فيه وليسوا جزيرة منعزلة عنه‏,‏ وإلا اعتبرنا موبينيل نشاطا قبطيا وفودافون نشاطا مسلما وهكذا‏..‏هل هذا معقول؟‏!‏
وأتفق تماما مع مطلب الأنبا بسنتي بأن بناء الكنائس والجوامع لابد أن يخضع لقانون واحد‏,‏ ولا تجب أبدا التفرقة في المعاملة بأي حال من الأحوال‏,‏ حتي نتخلص من العشوائية في بناء دور العبادة والتنافس الغبي الذي يشبه التنافس العصبي بين جماهير الأهلي والزمالك‏,‏ وأتصور أننا في الطريق إلي هذا القانون بعد أن وضعت وزارة الأوقاف شروطا صارمة لبناء المساجد‏!‏
وأتفق معه أيضا في الوظائف العامة التي ليس من بينها محافظ أو عضو مجلس شعب لأنها وظائف سياسية لها ترتيبات مختلفة عن الوظائف المدنية‏,‏ لكن ليس من المقبول ألا يكون في مصر مدير أمن مسيحي أو سكرتير عام محافظة مسيحي أو رئيس مدينة مسيحي أو رئيس جامعة مسيحي‏!‏
لكن حين سأله الأستاذ خالد صلاح في حواره المتميز عن الفريق الراحل‏'‏ فؤاد عزيز غالي قائد الجيش الثاني في أعظم الحروب المصرية في العصر الحديث‏'‏ أكتوبر‏1973',‏ قال إجابة مؤلمة للغاية‏,‏ وبالنص‏:'‏ هذا يجري فقط في زمن المشكلات والأزمات‏,‏ لماذا لا يظهر القبطي إلا في زمن الكرب ولماذا تكون انتصارات القبطي في الأزمة فقط وليست في زمن السلم والرخاء‏'!‏
وقد بذلت جهدا هائلا لأبحث عن كلمات أرد بها دون أن أقع في المحظور‏,‏ فلم أجد‏,‏ ولهذا لن أعلق عليها‏,‏ إذ بها من‏'‏ طائفية‏'‏ ما يكفيها ويزيد‏,‏ والتعليق قد يدخلنا في متاهات نحن في غني عنها‏,‏ لكن لي سؤال لـ‏'‏نيافة الأنبا‏':‏ هل نحن فعلا في زمن السلم والرخاء؟‏!..‏وما هي الدلائل التي يمكن أن يبرر بها هذا الوصف؟‏!..‏أو ما هي المعايير التي طبقها فأثمرت سلما ورخاء؟‏!‏
وقد تحضرني معلومة بسيطة قاطعة نشرت في الأهرام قبل شهرين أو ثلاثة وهي أن مصر تحتل رقم‏122‏ في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة‏..‏فهل هذا هو الرخاء الذي يقصده؟‏!‏
وأيضا أتفق مع الأنبا بسنتي في دهشته من قلة أعداد المصريين المسيحيين في مجلس الشعب‏,‏ لكن أختلف معه في التحليل‏,‏ وسؤالي له‏:‏ كم قبطيا عضوا فاعلا في الحزب الوطني وأحزاب المعارضة؟‏!‏
صحيح أن أغلب المصريين سلبيون يقاطعون الحياة السياسية ترشيحا وانتخابا لعدم ثقتهم فيها‏,‏ وتكاد تكون عضوية البرلمان في مصر حكرا علي أشخاص بعينهم أو عائلات بعينها‏,‏ لكن أيضا المصريين المسيحيين أكثر سلبية‏,‏ وقد ذكر الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء وعضو مجلس الشعب عن دائرة مصر الجديدة أنه يتردد في كل دورة انتخابية علي الكنائس‏,‏ لكن عدد الناخبين من الأقباط الذين يصوتون لا يزيدون علي العشرين أو الثلاثين‏,‏ بالرغم من وجودهم الكبير بالدائرة‏!‏
أرجو يا قداسة الأنبا ألا تتصور أنني أنكر مشكلات أهلي من الأقباط وما يسببه لهم المتعصبون من آلام نفسية ومعاناة‏,‏ لكني أود أن نحل هذه المشكلات بروح وطنية مصرية غير طائفية‏,‏ نعلي فيها من قيم حقوق الإنسان أيا كانت ديانته‏..‏
ودامت لنا مصر وطنا يسكننا قبل أن نسكنه‏,‏ وطن لا تعلو فيه أية هتافات ضده ولا تستعدي عليه احد مهما كانت مشكلاتنا‏!*‏
موضوعات الملف

المستشار طارق البشرى
أرفعوا الوصاية عن أقباط مصر

!الكنيسة .. عندما تصنع سينما