408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

المستشار طارق البشري حول المواطنة وهموم الأقباط‏:‏

أرفعوا الوصاية عن أقبــاط مصر

المستشار طارق البشرى

‏ أجري الحديث ـ محمد عبد الغني علام


أثارت كلمات الأنبا بسنتي في حواره مع الأهرام العربي العديد من ردود الأفعال واسعة النطاق‏,‏ فالرجل أخرج ما في جعبته وطالب بوجود كنيسة في كل شارع‏,‏ طالب بوجود تمثيل نسبي للأقباط في الوظائف العامة وفي المجالس التشريعية‏,‏ ونظرا لخطورة هذه الكلمات وأثرها علي وحدة النسيج الوطني التقت الأهرام العربي بواحد من حكماء الأمة الذين يتمتعون بأمانة العرض وبشجاعة الموقف ودقة العبارة القاضي الفاضل الذي يزن الكلمات ـ بميزان العدل ـ المستشار طارق البشري أحد المتخصصين في دراسة شئون الأقليات وصاحب الكتاب المتميز المسلمون والأقباط‏.‏
الأهرام العربي التقت بالمستشار طارق البشري وناقشت معه كل القضايا التي أثارها الأنبا بسنتي وغيرها من هموم الوطن في هذه اللحظات الفارقة في تاريخ مصرنا‏,‏ وفي تاريخ أمتنا في هذه اللحظات التي تواجه فيها الأمة كثيرا من التحديات وكثيرا من الإرهاصات في ظل تداعيات دولية وإقليمية لا تخفي علي أحد وفي هذه اللحظة كان لابد من هذا الحوار الساخن‏.**‏ كمؤرخ وقاض تعاملت مع مواقف حرجة في أثناء موقعك السابق كنائب لمجلس الدولة كيف رأيت معالجة الأزمة الأخيرة التي أثيرت في موضوع وفاء قسطنطين؟
في تصوري أن إدارة الكنيسة أخطأت في معالجتها للأزمة‏,‏ وسياستها الأخيرة انعكست علي أقباط مصر أنفسم ويمكن تفسير هذا في علاج الأزمة الأخيرة والمتعقلة بالمواطنة الفاضلة وفاء قسطنطين‏,‏ أن إدارة الكنيسة صادرت بسلوكها الأخير مفهوم الوحدة الوطنية للصالح الكنسي وحده‏,‏ في محاولة ذاتية للمزج بين الصالح القبطي كما تراه الإدارة الكنسية‏,‏ وكما تروج له بين شبابها‏,‏ وبين الصالح الوطني العام لمصر بمسلميها ومسيحييها‏,‏ مستندين في ذلك إلي أنهم الطرف الثاني الفاعل في الوحدة الوطنية وماداموا كذلك‏,‏ فليكونوا هم الدليل أيضا علي وجودها وعدم وجودها‏,‏ واحتكار الوحدة الوطنية باعتبارهم هم المعيار وليس الدليل فحسب أن مؤسسة الكنيسة عندما تستغل فرصة الوهن فهي تكون قد استبدلت الذي هو أدني بالذي هو خير‏,‏ بانضواء المسيحيين في الجماعة الوطنية والواقع أن ما حدث ليس دليلا ولس معيارا وليست الإدارة الكنسية وحدها طرفا ثانيا في اتفاق ثنائي‏,‏ فالجماعة السياسية الوطنية العامة تفرض نفسها علي كل محتوياتها من أصحاب الأديان والطوائف والمذاهب والمهن والأقاليم‏,‏ مع مراعاة الأحجام والمقادير التي تتكون منها الجماعة الوطنية‏,‏ بهدف تحقيق العدالة وإلا اختلت الموازين‏.‏
إن الوحدة الوطنية إلزام وطني للأقباط والمسلمين أيضا بلا من أو تعال وبلا مزايدة‏.‏
‏**‏ هل أفهم من تعبيرك أن الإدارة الكنسية هي التي دفعت في هذا الاتجاه والأمر يحتاج إلي مراجعة الإدارة الكنسية لسياستها حتي لا يتكرر ما حدث؟
المعروف أخيرا أن الإدارة الكنسية استوعبت كل المؤسسات والتكوينات الخاصة بالنشاط الاجتماعي بين الأقباط في مصر حتي المجلس الملي المختص بإدارة شئون المال‏,‏ أصبح مستوعبا هو الآخر داخل الإدارة الكنسية بعد أن كان مستقلا في هذا الشأن‏,‏ وبذلك سيطرت الكنيسة علي كل الشئون المتعلقة بالنشاط الاجتماعي‏,‏ وأصبح مرتبطا بالكنيسة‏,‏ وصيرت الإدارة الكنسية نفسها بذلك واسطة بين الأقباط والدولة وهذا الأمر يتنافي وولاية الدولة علي مواطنيها وهي بذلك عزلت نفسها عن الجماعة الوطنية‏,‏ وعن المواطنين الأقباط أيضا باعتبارهم نسيجا ممتزجا في الجماعة الوطنية‏.‏
‏**‏ إذن هل تطالب بإعمال التعددية في اتخاذ القرارات داخل الإدارة الكنسية وأن ذلك قد يحول دون تكرار تلك الأزمات بما يخدم صالح الأقباط والجماعة الوطنية معا؟
نعم وبكل صدق أقول إنه وكما تطالب الإدارة الكنسية بالتعددية في مؤسسات الدولة‏,‏ والمجتمع المدني‏,‏ فهي مطالبة أيضا بإعمال التعددية في معالجة شئون الأقباط علي أن يكون الشأن الديني من اختصاص الكنيسة أما إدارة الشأن الدنيوي فيجب أن يكون مستقلا ومنفصلا عن الإدارة الكنسية‏,‏ يقوم عليه رجاله من الأقباط القادرين علي التعاون في الشأن بما يخدم قضايا مواطنيهم ووطنهم‏.‏
وبذلك لا تعزل الإدارة الكنسية نفسها عن أقباط مصر ولا الجماعة الوطنية‏(‏ مسلمين وأقباط‏)‏ ولا تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع الرسمي والمدني بما يجنب مصر أخطاء القرارات الفردية‏.‏
‏**‏ هل صحيح أن غلق الأبواب أمام وصول شكوي تلك الحالات الفردية التي تتعرض لظلم وظيفي مثلا هي التي تدفعها إلي اللجوء لإدارة الكنسية للحصول علي حقها؟
هذا غير حقيقي وغير مطلوب فمن المفروض أن القبطي هو مواطن مصري بالدرجة الأولي‏,‏ وعندما يواجه بظلم في عمله أو غبن في حق من حقوقه عليه أن يلجأ للسلطة الوطنية فهي المسئولة عن كل مشاكل مواطنيها‏,‏ وهي تضم مسلمين ومسيحيين في نفس الوقت‏.‏
أنا أطالب الأقباط أن يستنصروا بإخوانهم في الوطنية وليس المسيحية فقط ممثلة في الكنيسة وعلي الإدارة الكنسية أن تردهم إلي هذا الطريق لأنه أفضل وأصون للسياج الوطني للمجتمع‏.‏
‏**‏ كمفكر إسلامي وصاحب بحث عن الولاية العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية كيف تري تقلد الأقباط للمناصب القيادية لهيئات ومؤسسات تضم أغلبية مسلمة؟
لا يوجد أي مانع من تولي الأقباط للمناصب القيادية ولكن في إطار ضوابط تولي المناصب في الدولة‏,‏ وأن تكون القرارات التي تتخذ بالأغلبية مسلمين وأقباط داخل الهيئة أو المؤسسة بما يحقق صالح الوطن‏.‏
فالولاية العامة تحولت في مصر الآن من ولاية فردية إلي ولاية هيئات‏,‏ والهيئة تشتمل علي تعدد الاختصاصات وإصدار القرارات الجماعية‏,‏ ولم تعد الولاية العامة منوطة بأفراد وإنما بهيئات ذات وجود موضوعي يضم نخبة من الأشخاص القائمين عليها‏,‏ هذا يحدث في المجالس التشريعية فالأفراد لا يملكون اتخاذ القرار ولكن أغلبية الهيئة التشريعية وفي الهيئات القضائية تتخذ الأحكام في القضايا بإجماع عدد من القضاة سواء كانوا ثلاثة أم خمسة أحيانا ولا يضير في ذلك أن يكون رئيس الجلسة مستشارا قبطيا وكثيرا ما يحدث ذلك‏.‏
إذن لا ضير من اشتراك الأقباط مع المسلمين في هذا الأمر باعتبار أن الهيئة هي صاحبة الولاية وليس الأفراد‏,‏ وأن القرار يصدر بالأغلبية‏.‏
‏**‏ في ضوء ما تقدم هل تري أن الأقباط يأخذون حقهم في تولي تلك المناصب أم أن هناك تراجعا ملحوظا في ذلك كما يردد البعض في الأحاديث الهامسة؟
لا‏..‏ لا‏..‏ من يقول بتراجع تولي الأقباط للمناصب القيادية في مختلف الهيئات يجافي الحقيقة‏,‏ وإخواننا الأقباط كجزء من نسيج المجتمع وشركاء في العمل الوطني ممثلون في جميع الهيئات والمؤسسات السيادية والعامة فهم زملاء نعتز بهم في القضاء بمختلف درجاته‏,‏ وفي المجالس التشريعية‏,‏ وفي الجامعة وفي المناصب الوزارية‏.‏
وهذه المشاركة في المناصب يقرها الدستور ويحفظها القانون‏,‏ ويطبقها الواقع‏,‏ كحق من حقوق المواطنة والمساواة‏.‏
‏**‏ إذن كيف تفسر توجهات من يدقون جرس التفرقة مستندين إلي بعض الحالات الفردية التي تعبر عن ظلم وقع أو حال دون الحصول علي حق مشروع؟
فليحذر من يدقون جرس التفرقة من هذا الأمر من خلال تحويل الحالات الفردية إلي مواقف عامة فأي موضوع يتعلق بالغبن في تولي منصب مستحق لشخص ما‏,‏ يجب أن يبحث في إطاره كحالة فردية‏,‏ ويعالج من خلال الجماعة الوطنية المسئولة عن هذه الهيئة سواء كانت تضم مسلمين أو أقباطا لأن هذه هي مسئوليتهم‏,‏ وأتصور أن ما قد يحدث لشخص قبطي يتعرض لظلم في عمله يماثله مئات الأشخاص من المسلمين والحل في كل هذه الحالات الفردية هو تحقيق حق المساواة والعدالة في تولي الكفاءات من خلال تقييم عملي وموضوعي يخدم الصالح العام دون أخذها بحساسية وتحويلها إلي موقف عام وهذا غير حقيقي وغير مبرر‏.‏
‏**‏ تطالب النخبة المسيحية بإحداث توازنات متعمدة في التمثيل الانتخابي للمجالس التشريعية كيف تري قانونية ذلك؟
التمثيل حسب التعداد السكاني الديني مرفوض‏,‏ ولا يتفق والقانون وحق المساواة‏,‏ فالانتخاب يكون بموجب المواطنة وليس الدين فالأصل في هذه القضية وحسب التجربة المصرية هو تحقيق التكامل الخاص بالجماعة الوطنية‏,‏ فالأقباط قد ينتخبون مسلما يحقق أمالهم‏,‏ والمسلمون قد ينحازون لقبطي لأسباب موضوعية لا يرونها في مسلم‏.‏ حدث هذا في التاريخ القريب والمعاصر دون تدخل متعمد سواء عن طريق القائمة أو الانتخاب الفردي‏.‏
كل هذا يؤكد القاعدة القانونية وهي أن الانتخاب يكون بموجب المواطنة وليس الدين‏,‏ وهذا لصالح الوطن والمواطنين‏.‏
‏**‏ حق العبادة مكفول بنص الدستور في هذا الإطار هل تتفق مع مطالبة أحد القيادات القبطية بالتوسع في بناء الكنائس؟
بناء الكنائس والمساجد أيضا لها ضوابط قانونية وإدارية تحكمها ولا مانع من دراسة كل حالة علي حده حسب الاحتياج لدور العبادة والكثافة السكانية‏,‏ وفي حدود علمي أن الضوابط علي بناء المساجد من وزارة الأوقاف أكثر تشددا منها في بناء الكنائس من حيث مواعيد فتحها وغلقها‏,‏ فالكنائس مفتوحة دائما‏.‏
وبالنسبة لتحديد الكثافة السكانية والإحصائيات للأقباط فهي متوافرة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ولا توجد معوقات أمام الاطلاع عليها‏,‏ وفي ضوئها تلبي احتياجات الأخوة الأقباط حسب احتياجاتهم الفعلية لدور العبادة‏.‏
‏**‏ كيف ترد علي من يتصورون أن هذه الإرهاصات تنذر بما هو أبعد من ذلك مهددة نسيج المجتمع بالفرقة؟
هذا ليس صحيحا فمصر ليست كالسودان علي سبيل المثال فمصر فريدة في جماعاتها الدينية والقبلية‏,‏ فهي ممتزجة ومتداخلة في جماعاتها بحيث إن أحدا منها أو جماعة إذا رمي بسهمه أصابه نفس السهم مرة أخري‏.‏
ومصر كدولة تختلف عن السودان كدولة‏,‏ فالسودان كدولة أصغر من حجم السودان نفسه لذلك فهي غير قادرة عليه لسعة انتشار وترامي أطرافه وقلة كثافته السكانية أما مصر كدولة‏,‏ فهي أكبر من جماعتها السياسية رغم أن جماعتها سبعون مليونا من البشر‏,‏ وذلك لتمركز سكانها وانتشار الدولة في كل ربوع مصر‏.‏
ومصر وإن أصابها تراجع وجمود مؤقت فهما طارئان إلي زوال إن شاء الله وتبقي القوة والحجم والخبرة والتجارب الجاهزة لاستعادة دورها كاملا‏.‏
فتلك الأزمات مهما بالغ البعض في تصويرها لن تنال مصر الوطن ولا مصر المواطنة‏.‏
‏**‏ هذا يأتي في إطار الرد الدبلوماسي وهو غير معهود في أحكام القضاة فهل تتفق مع ما يقولون إن ما حدث هو استغلال فردي لوهن اللحظة والتغيرات الدولية التي تعيشها المنطقة؟
قد يكون ذلك صحيحا ففي أوضاع ما‏,‏ وظروف راهنة‏,‏ بناء علي ضغوط واعتبارات خارجية قد يكون من غير المقبول تحقيق مكاسب وقتية لا تحتملها التوازنات الاجتماعية والثقافية‏,‏ وقد يؤدي هذا إلي الإخلال بتلك التوازنات وكما قلت فإن الوحدة الوطنية إلزام وطني للأقباط والمسلمين بلامن أو تعال بمعني آخر أقول‏:‏ إن هذه المكاسب إذا كانت تستند إلي ضغوط خارجية فسوف تكون قصيرة العمر وليست في صالح الأقباط علي المدي البعيد فالضمانة الحقيقية للعلاقات الداخلية بين المصريين بعضهم البعض وبينهم وبين الدولة هي تماسك الجماعة الوطنية واللجوء إليها في الأزمات وتلك هي التوازنات الصحيحة التي يقوم عليها وطن في حجم مصر‏*‏