
|
تل أبيب تحرك خيوط القضية
البرادعي كلمة السر |
 | | محمد البرادعى |
أشرف العشري في كل عام وفي مثل هذا التوقيت, تفتح أمريكا وإسرائيل المزاد الإعلامي ضد مصر, بتسريب أكاذيب ومغالطات وأوهام لضرب أي تحرك مصري لإنعاش الاستقرار وضبط الأمن أو انهاء سباق التسلح النووي الذي تقوده إسرائيل وطرح البدائل لاستئناف عملية السلام. ففي العامين الماضيين كانت التسريبات الأمريكية ـ الإسرائيلية تصب في خانة تهريب مصر أسلحة للمقاومة الفلسطينية, ودعم ياسر عرفات بشتي الطرق, وغض الطرف عن مرور المسلحين وبعض فرق المقاومة, وقبلها كانت أكاذيب إساءة معاملة الأقباط والزج بالأغلبية منهم في السجون المصرية, وأخيرا ادعوا أن هناك تجاوزات في مسألة حقوق الإنسان في مصر وسعوا إلي فرض لجنة تحقيق معظم أعضائها من اللوبي الإسرائيلي في أمريكا للضغط علي مصر لزيارة السجون ولقاء أقطاب الحركات الدينية بحجة ممارسة التمييز.ومع فشل كل هذه المحاولات للنيل من مواقف وسياسات مصر, قرر أصحاب المزاد الأمريكي ـ الإسرائيلي نقل أجواء المعركة من اتهامات دينية ـ سياسية إلي اتهام مصر بإجراء تجارب نووية, في محاولة لامتلاك أسلحة دمار شامل. وهو الأمر الذي تكذبه وتنفيه تقارير ولجان الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تزور مصر بشكل مستمر منذ عام1968, وحتي اليوم ناهيك عن تقارير الاستخبارات والمراكز الإستراتيجية التابعة للبيت الأبيض والبنتاجون الأمريكي نفسها والتي تصب كلها في خانة التزام مصر قولا وعملا بالتوقيع علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وذلك منذ عام1982, أي منذ أكثر من23 عاما. وطبقا لنتائج التقارير السنوية والنصف سنوية, التي تقدمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلي الأمين العام للأمم المتحدة ولجانها المتعددة لم يثبت أن مصر قد خرقت التوقيع أو خالفت شروط معاهدة منع الانتشار النووي حيث يثبت أكثر من61 تقريرا مقدما للأمم المتحدة من الوكالة الدولية بتوقيع رؤسائها السابقين وآخرهم د. محمد البرادعي, أن مصر من أكثر الدول التزاما وتعاونا مع لجان الوكالة, حيث دعا تقرير الأمم المتحدة الشامل والذي صدر مع الألفية الثالثة إلي ضرورة الحذو من قبل دول الشرق الأوسط قاطبة بالموقف المصري في تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية, ومعدلات الشفافية التي تسعي مصر لتوفيرها بشكل دوري بجانب ضرورة الالتزام بالانضمام سريعا إلي نص المبادرة التي طرحها الرئيس حسني مبارك في إبريل عام1990, بضرورة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل. وكل هذا الكلام مدون ومسجل حرفيا بتقارير الأمم المتحدة الصادرة بأكثر من خمس لغات أبرزها الإنجليزية ـ الفرنسية ـ العربية, وتتصدر أرفف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجمعية العامة للأمم المتحدة ناهيك عن وثائق وزارتي الخارجية الأمريكية والإسرائيلية اللتين تقفان وراء هذه الحملة المشبوهة في تفاصيلها وتوقيتها. ولكن ما الأسباب الحقيقية لوقوف أمريكا وإسرائيل وراء هذه الحملة ولجوء الدبلوماسيين الأمريكيين في مقر الوكالة الدولية في جنيف دون غيرهم إلي تسريب هذه المعلومات المغلوطة لوكالة الأشوسيتد برس الأمريكية؟ وفقا لتأكيدات رئاسة الوفد المصري في الوكالة الدولية للطاقة الذرية, فإن الخلافات بشأن موضوع أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط كانت ولاتزال قائمة بين مصر وإسرائيل, وكانت هذه الخلافات قد شهدت تصاعدا في منتصف التسعينيات حينما قاد وزير الخارجية الأسبق عمرو موسي حملة سياسية ضد إسرائيل وطالب بضرورة انضمامها لمعاهدة حظر الانتشار النووي وطالب بتوقيعها علي هذه المعاهد, وطالب في ذلك الوقت بأن تكون عملية السلام والمفاوضات العربية ـ الإسرائيلية قائمة جنبا إلي جنب مع مفاوضات إنهاء البرنامج النووي الإسرائيلي, وكانت الخارجية قد قادت في ذلك الوقت موقفا شبه جماعي مع دول عربية وشرق أوسطية برفض التوقيع علي التجديد للمعاهدة الدولية واعتبرت أمريكا وإسرائيل يومها أن مصر تقود حركة عصيان دولي وشرق أوسطي لإسقاط المعاهدة وتضيق الخناق علي إسرائيل, فتدخلت أمريكا وافترض فتح موضوع إنهاء برامج الأسلحة النووية الإسرائيلية بعد إنهاء عملية السلام وتوقيع اتفاقيات مع الدول العربية المعنية بعملية السلام. ووفقا لتأكيدات مصادر الجانب المصري في الوكالة الدولية, فإن حالة من المد والجزر استمرت بين مصر وإسرائيل طيلة هذه السنوات خاصة مع فشل وتعثر عملية السلام, الأمر الذي جعل الوفود المصرية تتخذ مواقف متشددة في العامين الماضيين من الأمم المتحدة ولجانها المتخصصة, وكذلك من الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث إنه مع كل مؤتمر ولقاء دولي وآخره في يوليو الماضي بمقر الوكالة بشأن مراجعات مواقف الدول وتقويمات التي تملك أسلحة نووية, اتخذ الجانب المصري موقفا مناهضا لإسرائيل رافضا الضغوط الدولية التي تقودها أمريكا وإسرائيل ضد إيران وهنا وقعت الواقعة حيث ظهرت النيات الحقيقية لأمريكا وإسرائيل فحدث التنسيق والتعاون بينهما حيث برز جليا من الموقف العدائي الأخير ضد مصر والوقوف وراء التسريبات المغلوطة لوكالة أنباء أمريكا بعينها في نفس يوم صدور تقارير صحفية في ذات السياق تحمل نفس الاتهامات وتفرد تلك هذه الإدعاءات والأكاذيب كما جاء في الواشنطن بوست الأمر الذي يثبت أن مصدر كل هذه التقارير واحد. ويبدو أن حرب الانتقام وتصفية الحسابات التي لجأت إليها الإدارة الأمريكية الحالية لخلع البرادعي وفشلها في الحصول علي تأييد14 دولة علي الأقل في الوكالة وقيام البرادعي في أكثر من مرة بفضح الغزو الأمريكي للعراق وتأكيده زيف وخرافة الاتهامات الأمريكية بامتلاك نظام صدام لأسلحة الدمار الشامل ناهيك عن الحملة الإسرائيلية ضد شخصه أيضا بسبب تمسكه بزيارة إسرائيل كما حدث في مايو الماضي وتصميمه علي ضرورة فتح ملف أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلي وضرورة زيارته لمفاعل ديمونة خلال زيارته الأخيرة لتل أبيب التي كانت سببا في نقل المعركة إلي بلد البرادعي نفسه وهي مصر, لأنها تتمسك بترشيحه وتوفير الدعم الدولي بين دول الوكالة والأمم المتحدة للإبقاء عليه وهو ما يمثل ضربة لكل من واشنطن وتل أبيب وشرا لا داعي له في المرحلة القادمة خاصة أن البلدين قد ادعيا في الأيام الأخيرة أن البرادعي قد خضع خلال زيارته الأخيرة للقاهرة لضغوط مصرية مضاعفة بعقد مؤتمر دولي في مقر الوكالة خلال الشهرين القادمين لبحث إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها إسرائيل وهو ما يجري التحضير له حاليا بشكل مباشر وأساسي من البرادعي, ولذا فقد تضاعفت هذه الأيام الحملة الأمريكية ـ الإسرائيلية علي شخص البرادعي, وامتدت حاليا لتشمل مصر التي تدعمه أملا في تراجع البرادعي عن مواقفه المتشددة ضد البلدين واشنطن و تل أبيب أو دفعه لاتخاذ مواقف عدائية ضد إيران وقصة برنامجها النووي التي تصب في خانة ترضية الولايات المتحدة, وإنهاء إصراره في العام الجديد علي فتح الملف الإسرائيلي من ناحية ومن ناحية أخري ممارسة الضغوط علي مصر لتراجعها عبر الطلب من البرادعي لتأجيل عقد المؤتمر الدولي الجديد لأسلحة دمار الشرق الأوسط في مقر الوكالة بجنيف, والتراجع عن تسليط الأضواء من جديد علي البرنامج النووي الإسرائيلي. وإذا كان لافتا أن كلا من أمريكا وإسرائيل يتحملان النصيب الأكبر من ترويج حملة الشائعات وتصفية الحسابات مع مصر بسبب قضية البرادعي وقيام القاهرة من حين إلي آخر بفتح ملف برامج أسلحة الدمار الإسرائيلية, فإن هناك جهات مصرية عديدة تتحمل مسؤولية التقصير في نواح عديدة إذ يجب علي هذه الجهات وفي مقدمتها الوفد المصري في الوكالة الدولية ووزارة الخارجية والوكالة المصرية للطاقة الذرية أن يعدوا ملفا مصريا, يدحض كل كل هذه الادعاءات, ويكون مدعما بالحقائق والأرقام والوقائع وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والمالية التي توجهها الحكومة لمشاريع التنمية والإصلاح الاقتصادي فضلا عن تعارض مثل هذه المشروعات النووية مع خطط الإستراتيجيات المصرية الداعية إلي إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وكذلك فقدان مصر لأي صناعة نووية متقدمة الآن أو في المستقبل فضلا عن تراجع إمكاناتها لإقامة برامج مفاعلات نووية أو معامل لتخصيب اليورانيوم نظرا للتكلفة العالية ماديا وتقنيا, ناهيك عن خروج مصر منذ الستينيات من منظومة عملية إنتاج السلاح النووي, مع التمسك والدعوة عبر جلسة خاصة أو طارئه للوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراجعات تقارير فرق التفتيش ودعوتها للحضور إلي مصر مجددا وذلك لوقف المزايدات والابتزاز الأمريكي ـ الإسرائيلي في كل ساعة وفي تقديري أن الفرصة مازالت قائمة أمام مصر في الأسابيع القادمة قبل عقد الاجتماع الدوري للوكالة الدولية للطاقة في مارس القادم لقطع الطريق علي أعداء الشر في أمريكا وإسرائيل وإثبات أن برنامج مصر محدد وأغراضه بحثية وطبية بحتة مع ضرورة قيام وزير الخارجية أحمد أبوالغيط بخطوة مهمة وعاجلة تصب في خانة عودة إدارة أسلحة الدمار والتفتيش النووي والتي كان قد أنشئها عمرو موسي, وزير الخارجية الأسبق, وأغلقها سلفه أحمد ماهر, بدون أسباب معلومة أو مفهومة حيث إن عودة هذه الإدارة من شأنها التصدي لمثل هذه الحملات والأكاذيب الأمريكية ـ الإسرائيلية من ناحية, والتنسيق والتعاون مع الوكالة الدولية في نفس الوقت ناهيك عن مخاطبة دول العالم لكشف وإحباط المؤامرات الإسرائيلية طيلة الوقت بغطاء أمريكي خالص. فهل تفعلها مصر وتخاطب الوكالة الدولية عبر التقارير الرسمية لدحض مثل هذه الأكاذيب ويقرر أبوالغيط عودة إدارة أسلحة الدمار قبل فوات الأوان؟*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|