408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مصر تدفع ثمن موقفها بإخلاء المنطقة
من أسلحة الدمار الشامل

حملة نووية مشبوهه

عبد القدير خان

‏ فيينا ـ الأهرام العربي


المفتشون عثروا علي بقايا بلوتونيوم بالقرب من منشأة نووية في مصر‏..‏ والخبراء الدوليون يدرسون جميع السيناريوهات التي من شأنها تفسير مصدر الجزيئات جزيئات البلوتونيوم‏..‏ انتظارا لاستكمال تحليل العينات البيئية‏.(‏ مصادر دبلوماسية نقلا عن خبراء دوليين في‏6‏ نوفمبر‏(2004‏
ما تناقلته وسائل الإعلام الأجنبية ليس سوي محاولة للضغط علي بعض الموظفين الدوليين بهدف عدم التجديد لهم‏..(‏ ماجد عبد الفتاح ـ المتحدث باسم الرئاسة المصرية‏7‏ نوفمبر‏(2004‏
أنا موجود هنا بوكالة الطاقة الذرية بصفتي مديرا عاما وليس كمصري وسوف نواصل تطبيق نفس معايير الشفافية والاحتراف ولن نخفي أية جزئية من المعلومات‏..‏ مصر ستلقي المعاملة الصارمة التي تتلقاها أية دولة أخري موقعة علي معاهدة حظر الانتشار النووي‏.(‏ البرادعي ـ في سلسلة من المقابلات الصحفية‏:5‏ يناير‏(2005‏ هذه التصريحات هي السبب المعلن الذي يروج له لتوتر دبلوماسي منضبط غير معلن بين وكالة الطاقة الذرية الدولية ومصر منذ زيارة وفد من المفتشين الدوليين لمصر في أوائل شهر أكتوبر الماضي‏.‏
غير أن الأزمة المرغوب في كتمها تجنبا للإثارة وتفضيلا فيما يبدو لأسلوب مصر في إدارة الأزمات لا تتعلق لا ببقايا بلوتونيوم أو بموظف دولي‏(‏ هو الدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية‏)‏ تريد الولايات المتحدة مؤيدة من إسرائيل عدم التجديد له‏.‏ فالمشكلة حسب معلومات مؤكدة حصلت عليها‏(‏ الأهرام العربي‏)‏ هي غير ذلك وإن كانت إسرائيل طرفا فيها سواء بالفعل أم بالتحريض‏.‏
فمنذ البداية لم يكن هناك أي سياق معقول أو مبرر نووي يفسر طلب مفتشي الوكالة الدولية لزيارة مصر للتفتيش‏.‏ فسجل مصر كما أقر مسئول بارز بالوكالة لـ الأهرام العربي نظيف وليس فيه أي انتهاك من أي نوع للالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات التي وقعت عليها مصر‏.‏
ولذلك فإن المسئولين السياسيين والفنيين المصريين اندهشوا من طلب الزيارة‏.‏ وعندما وصل المفتشون إلي القاهرة قال لهم الخبراء النوويون المصريون حسبما كشف مصدر وثيق الإطلاع علي تفاصيل الزيارة لقد جئتم متأخرين كثيرا فضلا عن أنكم تضيعون وقتكم وأنتم تعرفون جيدا بأن أنشطة مصر النووية سلمية وشفافة‏.‏ وأكد المصدر أنه لم يحدث أن وقعت أيدي المفتشين علي أية شيء مخالف ولهذا انتهت الزيارة بدون تسجيل أي مخالفة‏.‏
‏..‏ بعد عدة أسابيع من عودة المفتشين إلي فيينا مقر الوكالة الدولية قالت مصادر سمت نفسها دبلوماسية إن المفتشين عادوا بـ عينات تحتوي علي بقايا بلوتونيوم‏..‏ وهي مادة من المعروف أن تستخدم في تصنيع أسلحة نووية‏.‏ ورغم ثقة مصر الكاملة في أن ما حمله المفتشون لايقلقها بأي حال ومعلومات‏(‏ الأهرام العربي‏)‏ الموثوقة التي تؤكد أن العينات المأخوذة من مصر لم يثبت حتي الآن أنها بقايا بلوتونيوم فإن الوكالة الدولية لم تغلق الملف‏..‏ كما كشف مسئول مطلع علي سجل العلاقة بين الوكالة ومصر‏.‏ وكشف أيضا أن الوكالة سوف توفد خلال شهرين تقريبا وفدا آخر من المفتشين للحصول علي عينة أخري للتأكد من نتائج العينة الأولي‏,‏ عينة أكتوبر‏.‏
في الوقت نفسه لم يجب المسئول عن السؤال‏:‏ ماذا وراء زيارة الوفد من الأساس وهل تلقت الوكالة الدولية أية معلومات رأتها جديرة بتكليف مفتشين بزيارة مصر للتحقق منها خاصة أن مصر أكدت علي لسان مصادر مسئولة من قبل أن الزيارة تمت بناء علي طلب الوكالة مصادر الوكالة قالت إن‏:‏ ما جري هو‏(‏ أخذ العينات المثيرة للخلاف‏)‏ حادث عادي وتوضيح ملابساته سوف يستغرق وقتا‏.‏
فإلي أين وصلت هذه العينات حتي الآن؟
تؤكد المعلومات أنها موزعة الآن علي الأرجح بين معامل مختلفة في اليابان وأوروبا وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة فضلا عن معامل وكالة الطاقة الذرية الدولية في فيينا وقالت المصادر إن الهدف من توزيع هذه العينات هي الحصول علي نتائج قاطعة متسقة مع بعضها البعض للتأكد من طبيعة النتائج‏,‏ ووصفت المصادر التي طلبت عدم تعريفها عملية تحليل العينات بأنها معقدة ودقيقة للغاية ولذلك فإنها تجزم بما إذا كانت العينات لها علاقة بأن نشاط نووي عسكري‏.‏ وتشير معلومات حصلت عليها‏(‏ الأهرام العربي‏)‏ إلي أن الأمور ليست واضحة حتي الآن أمام الوكالة بشأن طبيعة العينات المصرية‏.‏
وكانت تقارير صحفية قد نقلت عما وصفته بمصادر دبلوماسية في فيينا قولها إن خبراء من وكالة الطاقة الذرية الدولية عثروا علي بقايا من مادة البلوتونيوم بالقرب من منشأة نووية مصرية‏..‏ وإن الخبراء يجرون تحقيقا الآن حول ما إذا كانت هذه البقايا لها علاقة بتصنيع أسلحة أم هي مجرد مادة من مخلفات أنشطة نووية سلمية تقوم بها مصر‏.‏
إلا أن المصادر وهي علي إطلاع واسع بملف العلاقة بين مصر والوكالة الدولية توضح أن هذه العينات هي عينات بيئية يمكن أن تكون عبارة حتي عن مناديل ورقية مهملة في منطقة ما ولكنها تحمل أي تلوث نووي‏..‏ وشددت علي أنه لم يتبين حتي الآن أنها بقايا مادة البلوتونيوم‏.‏
وكان ماجد عبد الفتاح المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية قد انتقد بشدة ما وصفه بالتكهنات التي تحيط ببرنامج مصر النووي مرجحا أنها تستهدف مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية‏.‏ وقال إن ما تناقلته بعض وسائل الإعلام الأجنبية ليس سوي محاولة للضغط علي بعض الموظفين الدوليين بهدف عدم التجديد لهم‏..‏ في إشارة إلي الدكتور محمد البرادعي ـ مدير عام الوكالة الدولية المصري الجنسية ـ ومن المعروف أن العلاقات بين البرادعي والولايات المتحدة تمر منذ فترة بحالة توتر بسبب اتهام المسئول الدولي لسياسات أمريكا الانتقائية بأنها تعمل علي الانتشار النووي وليس منعه‏.‏
غير أن مصادر الوكالة رفضت التلميحات المصرية‏.‏ وأكدت أن الوكالة تتعامل مع جميع الدول بمساواة وبنفس المعايير‏.‏
وكشفت عن أن نتائج تحليل العينات المصرية سوف تظهر بعد نحو شهرين‏.‏ ووصفت هذه النتائج بأنها ستكون حاسمة وقاطعة في تحديد مصدر التلوث النووي المحتمل‏,‏ ولم تستبعد المصادر نفسها أن يكون مصدر التلوث النووي غير ذي علاقة بأي نشاط نووي علي الإطلاق‏.‏
غير أنه حتي في حالة ما أثبتت نتائج مختلف المعامل النووية عدم وجود بقايا بلوتونيوم أو يورانيوم فإن هذا لن يكون نهاية المطاف حسب نفس المصادر التي كشفت عن أن الوكالة سوف توفد فريقا آخر من المفتشين النوويين الدوليين إلي مصر للحصول علي عينات من مواقع أخري ومن نفس الموقع الذي أخذت من العينة الأولي لتحليلها مرة أخري‏.‏ واعتبرت المصادر أن هذه الخطوة تهدف إلي التأكد التام من النتائج والتيقن من عدم وجود أي احتمال لوجود برامج نووية عسكرية‏.‏
وردا علي إصرار الوكالة الإبقاء علي الملف مفتوحا قال خبير مصري بارز في الشئون النووية إنه لا يتوقع أن تمانع القاهرة في استقبال أي مفتشين دوليين مرة أخري‏.‏ إلا أنه أبدي دهشته من إثارة مسألة الأنشطة النووية المصرية‏.‏ وفسر موقف الوكالة بأن وراءه ضغوطا لحمل مصر علي التخلي عن شرط إخلاء الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل من أسلحة الدمار الشامل قبل توقيعها علي البروتوكولات النووية الإضافية حتي تنشغل بزيارات المفتشين القادمين والذاهبين في زيارات تفتيشية لها مثلما حدث مع إيران‏.‏
ورد مصدر مسئول بالوكالة الدولية بأن الوكالة تبذل محاولات مع كل الدول وليس مصر وحدها لتشجيعها علي توقيع هذا البروتوكولات‏.‏
ومن المعروف أن البروتوكول يعطي الوكالة حق إرسال مفتشين في زيارات تفتيشية مفاجئة للمواقع النووية بالدول الموقعة عليها‏.‏ وتقول تقديرات إنه منذ وقعت إيران في الثامن عشر من شهر ديسمبر عام‏2003‏ تحت الضغوط الدولية والتهديد بإحالة ملفها النووي لمجلس الأمن أرسلت الوكالة الدولية أكثر من‏800‏ مفتش لإيران خلال عام واحد بمعدل‏67‏ مفتشا شهريا‏.‏ وهذا رغم أن التوقيع لايعني رسميا دخوله حيز التنفيذ لأن هذا يحتاج إلي خطوة قانونية وإجرائية أخري‏.‏
وأكد مصدر وثيق العلم بأنشطة مصر النووية أن القيادة المصرية‏(‏ لن ترضخ لأية ضغوط وسوف تظل تصر علي شرطها‏.‏
ورغم موقف إدارة البيت الأبيض التي حاولت أن تنأي بنفسها عما يتردد في فيينا وواشنطن فإن الخارجية اختارت بعناية فائقة تعبيراتها عندما طلب منها تحديد موقفها فقالت‏:‏ نحن علي ثقة من أن المصريين سوف يبحثون الأمر‏..‏ وهذا التصريح يعني أن واشنطن تريد أن تقدم القاهرة أدلة براءتها قبيل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية يوم الثامن والعشرين من الشهر القادم‏.‏
ويقول مصدر الوكالة‏(‏ حتي قبل المزاعم الأخيرة لم تكن هناك نية لطرح الموضوع المصري علي أنه ملف يحتاح إلي نظرة خاصة بمجلس المحافظين‏.‏ غير أن الأمر لم يعد مستبعدا الآن‏.‏
ولو وضعنا في الاعتبار مادار خلال اجتماع المجلس الأخير‏(‏ في الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي‏)‏ فإنه يبدو أن الملف المصري سيكون مطروحا ليس فقط لبحث‏(‏ مزاعم التجارب النووية‏,‏ ولكن لمناقشة البروتوكولات الإضافية‏,‏ ففي معرض كلامه عن وسائل التحقق من عدم الانتشار النووي قال البرادعي‏:‏ بعد أكثر من سبع سنوات علي موافقة المجلس علي البروتوكول الإضافي النموذجي لم يتم تطبيق البرتوكولات الإضافية إلا في‏63‏ دولة فقط‏..‏ وبالنسبة للدول التي لايجري تطبيق أي بروتوكول إضافي فيها فإن قدرتنا علي تقديم ضمانات موثوقة حول عدم وجود مواد وأنشطة نووية غير معلن عنها محدودة‏.‏ ونظرا لأن مصر من دول الفئة الثانية غير الموقعة علي البروتوكولات فإنه ليس من المستبعد أن يضغط عليها في هذا الاتجاه ويبدو مرجحا أن تكون الشائعات الأخيرة تمهيدا لذلك كي تخلق أجهزة الاستخبارات التي ألمح إليها مصدر الوكالة الدولية سياقا مواتيا لذلك‏.‏ وللمساعدة في الإعداد استبعد خبراء أمريكيون أن يكون لدي مصر نية أو طموح رسمي لإمتلاك أسلحة نووية غير أنهم ركزوا علي زيارة قيل إن البروفيسور عبد القدير خان أبو القنبلة النووية الباكستانية قد زار مصر في وقت ما لم يحددوه‏.‏ وجري تفسير هذه الزيارة إن كانت قد حدثت حقا علي أنها‏(‏ معلومة مثيرة‏).‏ وربما تشير إلي سلوك نووي شخصي من جانب علماء مصريين علي غرار سلوك خان نفسه المعروف والذي دفع به لبيع معدات نووية لدول أخري‏.‏ وكأن الرسالة الأمريكية غير الرسمية هي أنه رغم وضوح الموقف الرسمي المصري فإن مثل هذه الزيارة تشير إلي ثغرة ما لن تسد إلا بأن توقع مصر علي البروتوكولات الإضافية ومن ثم يمكن تفتيش أي موقع رسمي أو بحثي أكاديمي نووي‏.‏
ووفقا لسجلات الوكالة أيضا فإن مصر وافقت في التاسع عشر من أغسطس عام‏1965‏ ثم أودعت في الخامس من نوفمبر من نفس العام وثائق التصديق علي معاهدة فيينا حول المسئولية المدنية للأضرار النووية‏.‏ وكان سريان مفعول هذه المعاهدة في الثاني عشر من نوفمبر عام‏1977‏ أما إسرائيل فلم توقع مبدئيا علي المعاهدة إلا في التاسع عشر من أغسطس عام‏1995‏ وحتي عندما أعلنت الحكومة الإسرائيلية موافقتها علي المعاهدة ألحقتها بتحفظ قد تستخدمه في الانسحاب منها‏.‏ وتقول سجلات الوكالة الدولية إن التحفظ يقول‏(‏ تحتفظ حكومة إسرائيل بحقها في التعبير عن أية إعلانات وتحفظات تراها ملائمة وقت إيداع وثيقتها للتصديق علي المعاهدة‏.‏
وحسب المداولات الحالية في الوكالة الدولية فإن الشرق الأوسط باستثناء إيران التي بات ملفها النووي محور التناطح مع الولايات المتحدة قضية ملحة‏.‏ فقد عاودت مصر طرح مبادرتها المقدمة رسميا في عام‏1990‏ بإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل بما فيها النووية في وقت تتجمع فيه خيوط ملف آخر يتعلق بالأضرار المحتملة لمفاعل ديمونة الإسرائيلي في صحراء النقب‏..‏ وتلزم معاهدة فيينا إسرائيل باتباع بعض المعايير الدنيا لتوفير الحماية المالية ضد الأضرار الناجمة عن استخدامات سلمية معينة للطاقة النووية السلمية فما بالنا بالأنشطة النووية العسكرية‏.‏
وقد زاد حرج الموقف الإسرائيلي عندما نشر مشروع البرادعي‏/‏ روتبلات علنا في وسائل الإعلام ومن بينهما صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية المرموقة‏.‏
‏...‏ تاريخيا فإن هذا المشروع هو لبنة جديدة في البناء الذي تتصوره مصر لأسلوب إخلاء المنطقة من أسلحة الموت والتدمير الجماعي‏.‏ فمنذ تسع سنوات في شهر ديسمبر عام‏1995‏ شرحت مصر بوضوح في المؤتمر العام للوكالة الدولية موقفها بأنه‏(‏ لا يقوم علي المعارضة لأية دولة بعينها بل علي قناعة بأن إزالة أسلحة الدمار الشامل هي في صالح جميع شعوب المنطقة‏.‏ وفي نفس المؤتمر نقل الدكتور مصطفي الفقي سفير مصر لدي النمسا والوكالة الدولية في ذلك الوقت الرسالة التالية‏:‏ مصر مستعدة للاستجابة للخطوات المبدئية التي تتخذها إسرائيل لو مهدت هذه الخطوات الطريق لانضمام إسرائيل لمعاهدة منع الانتشار النووي وإقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل‏*‏