408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

اول الكلام
بذور الأمل في فلسطين والسودان ومخاوف المستقبل من التاريخ

أبومازن والبشير وجارانج‏..‏ يفتحون أبواب المستقبل للمنطقة

أسامة سرايا


علي عكس الروح التشاؤمية التي قدم بها المعلقون والسياسيون عام‏2004,‏ ولدت روح جديدة مع عام‏2005,‏ فقد انتخب الفلسطينيون محمود عباس أبومازن‏,‏ رئيسا للسلطة الفلسطينية بتفويض ديمقراطي‏,‏ وتنافس حر‏,‏ أكدا قدرة مجتمعاتنا العربية علي دخول عصر الانتخابات والديمقراطية‏,‏ إذا صدقت الإرادة والعزيمة‏.‏
وتحسب هذه الخطوة إنجازا للفلسطينيين‏,‏ وهم تحت الاحتلال منذ أكثر من‏50‏ عاما‏,‏ وقد تمت عشية خروجهم من انتفاضة شعبية رافضة للاحتلال‏,‏ مكنت الإسرائيليين من تصفية رموز الشعب المقاوم‏,‏ وسط عمليات متتابعة‏,‏ أنهكت الفلسطينيين حتي النخاع‏,‏ ودمرت مخيماتهم ومنازلهم‏,‏ واقتلعت ما تبقي من أشجار الزيتون‏,‏ فترملت النساء‏,‏ وتيتم الأطفال‏,‏ ومات الشباب‏,‏ وما تبقي منهم فهم عاطلون عن العمل‏,‏ وفي حالة عوز وفقر مجتمعي شامل‏.‏
الانتخابات تحت الاحتلال‏,‏ وفي ظل هذا المناخ غير الملائم‏,‏ تعتبر تجربة قاسية وصعبة‏,‏ لكنها خرجت بمعدلات أرضت الشعب‏,‏ واعترف بها المراقبون الدوليون‏,‏ يتقدمهم رئيس أمريكي أسبق هو كارتر‏,‏ ومرشح كان منافسا للرئيس بوش‏,‏ وأثبت وجوده في الانتخابات الأمريكية هو السيناتور جون كيري ومئات من المراقبين من أمريكا والاتحاد الأوروبي ومصر‏,‏ ومراسلون صحفيون من كل مكان‏.‏
وقد ذهب الشعب إلي صناديق الاقتراع بهدوء وبدون شغب أو ضجيج‏..‏ ولينتخب من؟ ينتخب محمود عباس‏,‏ الذي هو رمز للاعتدال‏,‏ والسياسي غير الديماجوجي‏,‏ والشخصية البراجماتية‏,‏ لم يزايد أو يتزيد‏,‏ و طرح قضيته أمام الشعب في وسط هذه الظروف الصعبة بكل صراحة‏,‏ وطالبهم جميعا بالتوحد ضد الاحتلال‏,‏ والاتجاه إلي حل القضية بالسياسة والتفاوض مع الخصم‏,‏ وحتي عندما سماه العدو الصهيوني‏,‏ كما هو دارج‏,‏ عاد وقرر بكل وضوح أمام صحافة بلاده‏,‏ والصحافة الإسرائيلية أنها زلة لسان‏,‏ وأنه يتجه إلي حل الصراع‏,‏ وليس عسكرته‏,‏ وكشف للفلسطينيين عن أنه يتجه إلي بناء مؤسسات وسلطة حقيقية بما فيها الأمن‏,‏ وأنه سيقف ضد الفوضي‏,‏ فالرجل لم يحاول أن يرضي سامعيه أو ناخبيه فقط‏,‏ بل لم ينافق أحدا‏.‏
إنه شخصية غير عادية في ظروف صعبة‏,‏ لشعب غير عادي في صموده وإصراره علي المقاومة‏,‏ التي وصلت لدي البعض حد الانتحار‏,‏ إلي أن جاء أبومازن‏(‏ محمود عباس‏)‏ بحل آخر هو الصمود السياسي و التفاوض‏,‏ وطالب الفلسطينيين بالاعتدال والتنظيم‏,‏ ووجد في هذه السياسة حلا يستطيع به هزيمة الإسرائيليين والحصول علي اعترافهم بحقوق شعبه‏,‏ وانسحابهم من أرضه‏.‏
ما حدث في فلسطين ليس سهلا‏,‏ وكثيرون كانوا لا يريدونه‏,‏ ولكن هذا النجاح لا يقلل من الصعوبات القادمة‏,‏ وما أعنيه هنا ليس الأطراف الأخري‏,‏ فالإسرائيليون ستصبح مسئوليتهم جسيمة‏,‏ فهم أمام رئيس هو السهل الممتنع‏,‏ لا يمكن ابتلاعه‏,‏ فهو لا يمثل رمزية يكرهونها‏,‏ حيث لا يتحداهم بزي كاسترو‏,‏ أو بالهتافات والشعارات‏,‏ ولكنه يتكلم بلغة عملية محددة‏,‏ وصعوبته وقوته ليستا في الدولة التي تحت يديه أو في المؤسسات التي يملكها إنما في المنطق‏,‏ فالرجل ورث مؤسسات وبنية ضعيفة للغاية‏,‏ ومن الضعف يمكن أن تصنع القوة بالحجة‏,‏ إذا أراد المجتمع الدولي سلاما‏,‏ وإذا أرادت أمريكا وإسرائيل حلا لأزمة العصر‏,‏ فليس أمامهما حل أو نموذج للاتفاق مثل محمود عباس‏.‏
فهو يطرح أمام الفلسطينيين‏,‏ وأمام العالم الحل الأخير‏,‏ إما أن تصلوا معه إلي حل وسلام واتفاق يرضي الشعب‏,‏ ولا يحرق محمود عباس أمام مواطنيه‏,‏ وإما ستكون النهاية وسيترك الرجل عجلة القيادة إلي التطرف والإرهاب اللذين سيسودان فلسطين وينتقلان منها إلي العالم كله‏,‏ وقد تتحول الطموحات والآمال العظيمة التي فجرها انتخابه وغياب عرفات إلي كابوس فظيع للمنطقة وللعالم أيضا‏.‏
وعلي الجانب الآخر‏,‏ فالاتفاق السوداني علي إنهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب‏,‏ حدث مهم ومؤثر علي مستقبل المنطقة وكل إفريقيا‏,‏ ولكن إذا دخلت بذور الفرقة سيحدث الانهيار الكامل‏,‏ إذا تصور الموقعون علي الاتفاق أنهم أصحابه‏,‏ وأنهم وصلوا إلي الحل الجوهري بتقسيم السلطة والثروة بينهما كفريق وليس لصالح كل السودان‏,‏ ولأنهم لا يمثلون شخوصهم أو مؤسساتهم‏,‏ بل يمثلون السودان ككل‏,‏ فعليهم تقع مسئوليات جسيمة لبناء سودان حر ديمقراطي للجميع‏,‏ وليس لأصحاب السلطة‏,‏ وإلا تمزقوا ودب الخلاف والنزاع ليس في الشمال أو الجنوب مرة ثانية بل فيهما وفي الشرق والغرب كذلك‏,‏ وسوف يعود التمرد والثورة بين الجميع‏..‏ فالسودان الديمقراطي الحر مسئولية الحكومة وجبهة جارانج‏,‏ حيث يجب أن تنتقل المسئولية للشعب‏,‏ وتبني الدولة السودانية بعد أن حققت استقلالها الثاني بنجاح‏.‏
إنها تطورات إيجابية في داخلها بذور خوف من فشل كبير‏,‏ فهل يملك العرافون لا أقصد العارفين‏,‏ أن يقرأوا لنا ماذا بعد؟
الخوف يدفعنا إلي أن نضع أيدينا علي قلوبنا‏,‏ فنحن بلاد الفرص الضائعة‏,‏ والزمن الجميل الذي لا يأتي‏,‏ وشعوبنا وقادتنا يبكون دائما علي الماضي‏..‏ فهل نتغير مرة واحدة لندخل المستقبل؟‏!‏