416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

سيناريو الحل السحري أنقذ الوزارة

الأضواء المبهرة صنعــــت مشهد النهـاية السعيدة
في مؤتمر الرواية

‏ تقرير ــ سيد محمود حسن
تصوير ــ عبد الحميد عيد


النهاية التي انتهي إليها ملتقي القاهرة الثالث للإبداع الروائي الذي عقد في الأسبوع الماضي تشبه كثيرا النهايات السعيدة التي تنتهي إليها الأفلام العربية القديمة‏,‏ فالابتسامة التي علت وجه الجميع بعد أن أعلن عن فوز الروائي السوداني الكبير الطيب صالح بجائزة هذه الدورة لم تكن إلا شهادة اعتراف بقدرة صناع الملتقي علي محو الآثار السلبية التي نجمت عن قرار الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم برفض جائزة الدورة الماضية وهو الرفض الذي رأي فيه الكثيرون أنه يحمل في داخله شهادة باحتمال وأد فكرة الملتقي ذاته‏,‏ غير أن مشهد النهاية في دورة هذا العام صنع بقدر كبير من المهارة والحرفية التي جعلت فوز صاحب‏'‏ موسم الهجرة إلي الشمال‏'‏ بالجائزة‏'‏ ضربة معلم حقيقية‏'‏ فالاسم المختار لكاتب كبير بكل معاني الكلمة وروايته الفذة فتحت آفاقا للإبداع الروائي العربي في تناول الإشكاليات الحضارية في العلاقة مع الغرب وهي إشكاليات لاتزال مطروحة إلي الآن‏.‏ علي الرغم من مضي نحو‏35‏ عاما علي نشر الرواية وهو أمر يعطي لروايته قيمة استثنائية في الأدب العربي المعاصر والطيب صالح فوق ذلك ينتمي إلي الثقافة السودانية التي همشت علي نحو لافت للنظر علي الرغم من طاقتها الإبداعية والمؤكد أن فوزه بالجائزة في بداية الاحتفال بالخرطوم عاصمة للثقافة العربية هذا العام سيشكل كذلك مناسبة حقيقية لإعادة النظر في المشهد الإبداعي السوداني بأمل ضمه إلي لوحة الثقافة العربية التي شهدت في الربع قرن الأخير صعود عدد من المراكز الثقافية العربية من المحيط إلي الخليج التي عانت من هيمنة المراكز الثقافية المؤثرة في فترة صعود المد القومي ومن ثم فإنه من غير الجائز تغييب الدلالة السياسية لقرار فوزه بالجائزة لكن الملاحظة الأهم في هذا السياق تتعلق بالرهان الصائب للجنة التحكيم التي راهنت علي كاتب كبير ومقل في نفس الوقت إلا بأن اللجنة كانت تراهن في الوقت نفسه علي الانتصار للقيمة والنوع علي حساب الكم رغم أن هناك من انتقد توجه الجائزة لكاتب ليس له مشروع إبداعي متكامل بالقياس إلي الكم وبالمقارنة بالكاتب الليبي إبراهيم الكوني الذي كان المرشح الأبرز إلي جوار الطيب صالح لكن أصحاب هذا الاعتراض ينظرون إلي المشروع الإبداعي كقيمة قائمة علي التراكم الكمي وليس التراكم النوعي وهو الاتجاه الذي ينبغي أن يحكم زاوية النظر إلي المشروع الإبداعي للطيب صالح وهو ما يؤكد في الوقت نفسه سعي لجنة التحكيم إلي صبغ الجائزة بصبغة فنية وتحريرها من طابعها السياسي الذي اكتسبته حين ذهبت إلي الكاتبين الكبيرين عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم ومشروعهما الإبداعي كله يستند إلي خطابات سياسية مضمرة في نصوصهما الإبداعية‏.‏ ويلفت النظر كذلك في مشهد النهاية في ملتقي الرواية نجاح الدكتور جابر عصفور أمين المجلس الأعلي للثقافة في تشكيل لجنة تحكيم علي رأسها المرشح المصري الأول للجائزة وهو إدوارد الخراط وتشكيل لجنة إعداد للملتقي يرأسها كاتب مصري آخر كان كذلك علي رأس المرشحين للجائزة وهو الكاتب خيري شلبي ولا شك أن صيغة تشكيل اللجنتين كانت تحمل إشارة ضمنية إلي رغبة المجلس في منح جائزة هذه الدورة لكاتب عربي تجنبا لتكرار مأزق صنع الله إبراهيم ورغبة في عدم توريط كاتب مصري في حرج قبول الجائزة والمؤكد أن الخطة نجحت بامتياز يحسب لصالح من وقف وراء صياغة خطوطها سواء قرئت في سياق نظرية المؤامرة أم خارجها‏.‏
وبعيدا عن مشهد النهاية وبعودة إلي أيام الملتقي الذي عقد تحت عنوان‏'‏ الرواية والتاريخ‏'‏ وعلي طريقة الفلاش باك يمكن التوقف أمام عدة ملاحظات أولاها أن ثمة حاجة إلي تغيير الصيغة التنظيمية التي تقوم عليها مؤتمرات المجلس الأعلي للثقافة وهي صيغة تقوم علي حشد أكبر عدد من المشاركين بغض النظر عن اعتبارات القيمة والنوع وهي صيغة تؤكد سقوط المجلس نفسه في فخاخ نظرية‏'‏ الأرقام القياسية‏'‏ التي تعتمدها وزارة الثقافة المصرية كمعيار وحيد لتقييم فعالياتها الثقافية التي تنتهج في الوقت نفسه بما أسماه الوزير فاروق حسني يوما ما‏'‏ الضوضاء الثقافية‏'‏ وفي سياق الأرقام نكتفي هنا بالإشارة إلي أن البيانات الرسمية عن المؤتمر تشير إلي أنه شهد ما يقرب من‏35‏ جلسة بحثية إضافة إلي‏60‏ شهادة قدمها روائيون من أقطار وأعمار مختلفة إلي جانب سبع موائد مستديرة خلال خمسة أيام هي عمر المؤتمر وهذه الأرقام أكبر من طاقات البشر علي الاستيعاب وبطبيعة الحال كان من الممكن استبعاد أكثر من نصف المشاركين بضمير مطمئن إلي عدم وجود خسارة من وراء هذا الاستبعاد‏,‏ ولولا أن المجلس يعبر عن نفسه بمشروع ثقافي كبير كالمشروع القومي للترجمة لاتهمت أنشطته الأخري بأنها روافد أساسية في نهر الضجيج الثقافي‏.‏ ويلفت النظر كذلك إلي أن اختيار محور‏'‏ الرواية والتاريخ‏'‏ كعنوان أساسي للمؤتمر دفع عددا من الباحثين إلي تكرار المساهمات التي قدمت في مؤتمرات سابقة عالجت نفس الموضوع والحالة الدالة هنا تكمن في ورقة المؤرخ الصديق محمد عفيفي الذي تقدم للملتقي بالورقة ذاتها التي قدمها في مؤتمر الرواية والتاريخ الذي أشرف علي إعداده مع المركز الثقافي الفرنسي قبل نحو شهرين وما يجعل هذه الملاحظة مهمة وسابقة عن أية ملاحظات ايجابية يمكن تسجيلها هنا أنها تأخذ من القيم الإيجابية في المؤتمر علي نحو لاحظه جميع من تابعوا المؤتمر فوجدوا عددا كبيرا من الأسماء التي أعادت إنتاج ذات المقولات المدرسية عن جدل الروائي والمؤرخ وعن إمكانية النظر إلي كل نص أدبي باعتباره نصا تاريخيا وإلي كل نص تاريخي باعتباره سردية روائية ناهيك عن أن معظم من شاركوا في الجلسات التي كرست للشهادات لم تكن لهم مساهمات نوعية في مجال الروايات المستندة إلي التاريخ بجميع صوره باستثناء أمثال بنسالم حميش ورشيد الضعيف ونجوي شعبان ومن ثم لجأوا إلي سرد سير شخصية وثقافية تشير إلي تأثرهم بنوع من الروايات التاريخية بداية من أعمال جورجي زيدان وصولا إلي أعمال جمال الغيطاني وبنسالم حميش‏.‏
وإذا كان البعض قد أشار إلي أن الملتقي فقد جانبا كبيرا من بريقه وحيويته بفضل مقاطعة عدد كبير من الروائيين المصريين لأنشطته في إشارة إلي غياب جمال الغيطاني ومحمد البساطي ورضوي عاشور عن فعالياته إلا أن المجلس الأعلي للثقافة أكد أنه وجه الدعوة للجميع وقد اعتذرت رضوي عاشور تحديدا بسبب مرضها بعد مكالمة شخصية مع جابر عصفور فيما تردد اسم الغيطاني بقوة سواء كمرشح للجائزة أم عبر الأوراق النقدية التي قدمت قراءات نقدية في منجزه الإبداعي ومنها دراسات ماري تريز عبد المسيح ومحمود طرشونة وعفاف عبد المعطي وفرص الغيطاني في الاهتمام النقدي لا تقل عن فرص رضوي عاشور التي نالت ثلاثيتها الشهيرة غرناطة حظا كبيرا من الاهتمام النقدي تجسد علي سبيل المثال في ورقة الباحث الأردني نزيه أبو نضال‏.‏
وبعيدا عن الملاحظات السلبية تحسب للمجلس الأعلي للثقافة مجموعة من النقاط الإيجابية في مقدمتها إعادة الاعتبار لرواية‏'‏ السائرون نياما‏'‏ للكاتب الراحل سعد مكاوي بعد طبعها في طبعة جديدة وإتاحتها للباحثين والكتاب العرب المشاركين في المؤتمر وهو جهد لا يمكن أن يقرأ إلا كصدي لاهتمام مهم بدأته‏'‏ الزميلة‏'‏ أخبار الأدب‏'‏ في الحفاوة بإبداع مكاوي وتسليط الضوء عليه مجددا وقد كان الاهتمام النقدي في المؤتمر برواية السائرون نياما التي تتناول فترة مهمة من عصر المماليك كبيرا سواء في الشهادات أم المداخلات النقدية ومنها ورقة فتحي إمبابي أو شوقي بدر يوسف ونبيل حداد‏.‏
ومما يحسب للملتقي كذلك نجاحه في تقديمه العديد من الأسماء النقدية المبشرة من جيل الشباب مصريا وعربيا ونشير هنا إلي مساهمات جادة قدمت من محمد البنكي ونادر كاظم من البحرين وحسام نايل ومحمد الشحات ووائل فاروق من مصر كذلك اتاح الملتقي فرصة تسليط الضوء النقدي علي اعمال مصرية مهمة ومنها رواية‏'‏ نوة الكرم‏'‏ للكاتبة نجوي شعبان والتي نالت اهتماما نقديا لافتا في المؤتمر ومعها روايات أيام القبوطي‏'‏ لسهام بيومي‏'‏ وأن تري الآن‏'‏ لمنتصر القفاش‏'‏ سودان كوكو باشي‏'‏ لسلوي بكر‏'‏ وهي كتابات قرأها المشاركون باستخدام مناهج جديدة كذلك منحنا المؤتمر التعرف البانورامي إلي اتجاهات الكتابة الروائية في بعض البلدان المهمشة في مشهدنا الأدبي عربيا ومنها اليمن والجزائر إلي جانب دعوة كتاب عرب للمشاركة في المؤتمر لأول مرة علي الرغم من منجزهم الإبداعي الكبير ونشير هنا إلي مشاركة العراقي فاضل العزاوي في أول ظهور له في القاهرة ولاشك أن هذه الفرص وغيرها تؤكد علي أهمية الملتقي الذي يحاول صناعه إقامته سنويا بدلا من كل عامين وهو أمل سنقف مع تحقيقه بشرط وحيد وهو القدرة علي إعادة النظر في صيغته القائمة لتحريره من قوائم المجاملات و إمكانية البناء علي ما تحقق من نجاحات لعلها تكون الحافز باتجاه التفكير جديا في تحقيق أمل الشعراء العرب في إقامة ملتقي للشعر العربي إن لم يكن استجابة لنداءات الشعراء فعلي الأقل استجابة لرغبة نجيب محفوظ عميد الرواية العربية في حفل الافتتاح‏*‏