
|
جاءته جائزة الرواية وهو منقطع عن الإبـداع
الطيب صالح.. الهارب من فتنة الكتابة |
 | |
عزمي عبد الوهاب كان عمر الطيب صالح وهو يصعد منصة التكريم في دار الأوبرا المصرية منذ عشرة أيام حوالي76 عاما, فهل تغير الرجل كثيرا؟ لقد حمد الله لأنه لم تغوه فتنة الكتابة, وهو الخطاب ذاته الذي طرحه منذ أن أمسك بالقلم ليكتب أولي قصصه, فهو لم يرغب في أن يكون كاتبا في يوم من الأيام, مثلما لم تكن لديه رغبة في نشر ما كتبه, عموما لم يحب الطيب صالح أن يقال عنه إنه كاتب, وظل هاربا باستمرار من غواية الكتابة, عندما قرر الالتحاق بكلية العلوم, وعندما مزق محاولتين في القصة القصيرة قبل أن يغادر السودان إلي لندن وإمعانا في الهرب كان الطيب صالح يندهش من رأي أصدقائه فيما يكتبه, فقد كان الجميع يقارنونه بأدباء عالميين كبار, في حين كان هو مندهشا مما يسمع, وستظل تلك حال الطيب صالح, في مواجهة الكتابة, فهو المراوغ دائما الهارب أبدا. لا تختلف الحال كثيرا مع السياسة, فالرجل لم ينضم إلي أي من الأحزاب السياسية, وإن ظل طوال الوقت منشغلا بالأوضاع في السودان, فسؤاله من أين أتي هؤلاء؟ حين صعد رجال جبهة الإنقاذ إلي السلطة, يعد إجابة علي خطابه الأخير في دار الأوبرا المصرية, حين أشار:تمر القوافل أمام السودان ولا تتوقف, رغم أننا كرماء, وأننا الدرع الواقي لمصر. كان السؤال دائما هو عدة المحارب الطيب صالح, فعندما ذهب إلي لندن, مغادرا قريته في شمال السودان, همس لنفسه:لماذا جئت أصلا إلي هذه البلاد؟ وما المصيبة التي ساقتني إليها؟ لقد كان قادما من قرية ظل الحمار فيها هو وسيلة المواصلات الوحيدة إلي بيته, بعد أن ركب الباخرة والطائرة وجاب العالم شرقه وغربه. في مسيرة الطيب صالح جانب كبير من الحظ, لا ينفي كونه مبدعا كبيرا, ورائدا من رواد الرواية العربية, رغم بضاعته القليلة فيها, وفي ظني أن ذلك يعود إلي أمرين: عدم رغبته في احتراف الكتابة, إضافة إلي أنه ذهب إلي الكتابة من فضاءات التصوف, وعلاقته بالتراث الشعري. وما أعنيه بالحظ هنا هو أنه حين كتب دومة ود حامد نشرها دينيس جونسون ديفيز في مجلته أصوات التي كانت تصدر بالعربية, ثم ترجمها إلي الإنجليزية لتنشر في أهم مجلة أدبية تصدر في إنجلترا آنذاك, وحين كتب روايته الشهيرة موسم الهجرة إلي الشمال كان يسلم جونسون ما يكتبه فصلا بفصل, ليترجمه, ثم تصدر الرواية بعد ذلك بالإنجليزية عن دار هاينمان. وتبدو موسم الهجرة إلي الشمال بيضة الديك بالنسبة للطيب صالح, فهذه الرواية أول ما نشرت1966 كان ذلك في مجلة حوار التي كان يترأس تحريرها الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ, الذي مات محبطا, حين أذيعت أسرار هذه المجلة, وتمويل المخابرات المركزية الأمريكية لها, في إطار الحرب الباردة, وقصة فوز يوسف إدريس بجائزة حوار معروفة, ورفضه لها نتيجة إملاءات سياسية معروفة أيضا, ولم يصب غبار هذه الأزمة الطيب صالح بسوء, مثلما لم يصب علاقته بيوسف الخال فيروس الاتهام بتخريب اللغة والعمالة أحيانا. وذاع اسم الطيب صالح مقرونا بهذه الرواية حين نشرها الناقد المصري رجاء النقاش في سلسلة روايات الهلال, وقدمها للقاريء المصري والعربي في صيغة احتفالية كبيرة, لم يحظ بها الكاتب الكبير حين نشرت مجلة الإذاعة والتليفزيون روايته عرس الزين في سلسلة حلقات. وبعد36 عاما من صدور موسم الهجرة إلي الشمال طاردت الطيب صالح لعنة مصطفي سعيد بطل الرواية, فحين نشرت في مكتبة الأسرة بمصر, في طبعة شعبية, أصدرت جبهة علماء الأزهر بيانا يصف الرواية بـالبشاعة والقبح, وفي الخرطوم أصدرت الحكومة قرارا بمصادرة الرواية ومنع تدريسها. ورغم أن أعمال الطيب صالح ترجمت إلي أكثر من19 لغة, إلا أن أيا من أعماله لم ينل جانبا من نصيب روايته موسم الهجرة إلي الشمال, التي طبعت أكثر من20 طبعة, وبين أعماله الإبداعية الأخري. والطيب صالح الذي لا تنفتح شهيته للحوارات الصحفية إلا قليلا, كثيرا ما يقفز علي المحطات الأساسية في حياته, حتي وإن كانت مثيرة للجدل, فالكاتب السوداني الكبير, المولود في العام1929, انتقل إلي لندن في العام1953 ليعمل في هيئة الإذاعة البريطانية, وفي ذلك التوقيت كان موقف هذه الإذاعة معروفا من حركات التحرر التي اشتعلت في دول العالم الثالث, كما كانت أداة استعمارية في أيدي الدول التي قادت عدوانا علي مصر في العام.1956 سيرة الطيب صالح حافلة بالكثير, ولأنه ـ كما يصفه أحد أصدقائه ـ لديه قدرة عجيبة علي أن يغلق أبواب دماغه إن لم يعجبه الحديث, فتراه ينظر إليك ولا يراك, ويستمع إليك ولا يسمع. فاز الطيب صالح قبل ثلاثة أعوام بجائزة محمد زفزاف في الرواية العربية( المغرب) استنادا إلي نجاحه في معظم رواياته في ترسيخ الهوية المنفتحة علي آفاق كونية رحبة هذا بينما كانت حيثيات لجنة التحكيم في مصر تقول إن كتاباته أثرت في أجيال وهذا لم يحدث ولم يكن ليفرح الرجل, الذي قابل إعلان فوزه بجائزة( القاهرة) بنوع من الاستعلاء*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|