416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

فتوي القلب لا تقدم علي فتوي الفقيه‏!‏

تعلم اللغات فرض كفاية علي المسلمين

إعداد د‏.:‏ حسن علي دبا


‏*‏ هل يمكن أن تلحق بالمساجد في عصرنا بعض الأبنية التي تساعدها علي أداء دورها في المجتمع؟ وما مدي شرعية ذلك وهل تعلم اللغات أمر واجب علي المسلمين وخاصة في ظل الأوضاع الحالية وتشويه صورة الإسلام؟ وكيف كان أمر تعلم تلك اللغات زمن الرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏ وكيف يتعامل المسلم المعاصر مع الفتوي التي يسأل عنها‏,‏ لكنها لا تسر قلبه في ضوء الحديث المشهور استفت قلبك هذه هي أسئلة القراء هذا الأسبوع التي يجيب عنها د‏0‏يوسف القرضاوي‏.‏
قال في شأن المساجد‏:‏ مما يحسن أن يلحق بالمساجد‏:‏ أشياء تشد من أزر المسجد وتساعده في أداء مهمته التعليمية والتوجيهية والاجتماعية والدعوية وقد عرفها المسلمون في العصور السابقة لا سيما في عصر العباسيين والفاطميين والأمويين والمماليك والعثمانيين وغيرهم من ذلك‏:‏ المدرسة ملحق بالمسجد وبعض المساجد كان يعتبر جامعة في ذاته مثل الأزهر في مصر والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب وبعضها ألحقت به مدرسة في رحابه وكأنها جزء من المسجد ومن المطلوب في عصرنا‏:‏ مدارس تحفيظ القرآن الكريم‏,‏ ومنها‏:‏ مساكن للطلاب كما في الأروقة التابعة للأزهر مثل رواق المغاربة ورواق الشوام ورواق الأتراك وغيرهم‏,‏ ومنها‏:‏ المكتبة وكثير من المكتبات الشهيرة اليوم والحافلة بالمخطوطات الثمينة في مختلف العلوم الإسلامية هي من مكتبات المساجد مثل
المكتبة السليمانية في مدينة استانبول وهي من ملاحق جامع السليمانية ومكتبة السلطان أحمد و‏(‏نور عثمانية‏(‏ ومكتبة الجامع الأزهر في القاهرة وغيرها‏,‏ ومنها‏:‏ الساحات الرياضية التي تغري الشباب بالصلاة في المسجد ثم يخرج منه إلي ممارسة هوايته الرياضية في كرة السلة أو الطائرة أو لعبة من ألعاب القوي أو غيرها‏,‏ والكنائس تتاح لها هذه الفرصة في عصرنا وتمارس فيها ألوان متعددة من الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والاجتماعية ولا يتاح للمسلمين في دار الإسلام بعض هذه الأنشطة‏,‏ ومنها‏:‏ قاعات للاجتماعات المختلفة لتنظيم بعض الأنشطة التي ذكرناها والإشراف عليها‏,‏ ومنها‏:‏ قاعات المناسبات وهذه موجودة في القاهرة وغيرها تابعة لبعض المساجد الكبيرة إلي غير ذلك مما يتجدد باستمرار ولا يجمد علي حال والمطلوب أن تواكب المساجد تطور المجتمع ولا تتخلف عنه بل تواجهه وتوجهه إلي الحق والخير كما ينبغي أبدا أن تكون‏.‏
‏*‏ هل تعلم اللغات أمر واجب علي المسلمين وخاصة في ظل الأوضاع الحالية وتشويه صورة الإسلام؟
من فروض الكفاية الواجبة علي مجموع الأمة‏:‏ تعلم لغات الآخرين عند الحاجة إليها وخصوصا إذا كان عندهم ما ليس عند المسلمين من علم يؤخذ أو حكمة تقتبس فلا سبيل إلي الانتفاع بما عند غيرك إذا جهلت لغته ولم يمنع الإسلام من تعلم لغات الآخرين بل دعا إليها باعتبارها وسيلة للتفاهم بين البشر كما أنها وسيلة لنشر دعوته في العالم فهي هنا فرض كفاية‏,‏ وذلك أن رسالته ـ صلي الله عليه وسلم ـ رسالة عالمية فهو ـ وإن كان عربيا والكتاب المنزل عليه عربي وقد أرسله الله بلسان قومه ليبين لهم ـ قد بعث للناس كافة‏(‏ ليكون للعالمين نذيرا‏)(‏ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين‏)(‏ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا‏)00‏ فلابد من ترجمة بينه وبين أرباب اللغات الأخري حتي يمكنه تبليغ الدعوة إليهم وتلقي الإجابة منهم‏.‏
‏*‏ كيف تعامل الرسول صلي الله عليه وسلم مع الصحابة الذين كانوا يعرفون مثل هذه اللغات؟
كان عنده ـ صلي الله عليه وسلم ـ من أصحابه من يعرف الفارسية والرومية والحبشية ويكفيه هم الترجمة منها وإليها ولكن لم يكن عنده من يعرف اللغة السريانية التي يكتب بها يهود‏,‏ فأمر بذلك كاتب وحيه الأنصاري النابغة‏:‏ ـ زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ليتقنها قراءة وكتابة ويستغني بها عن الوسطاء من اليهود في ذلك وبخاصة أنهم غير مأمونين‏.‏ قال زيد‏:‏ أمرني رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فتعلمت له كتاب يهود بالسريانية وقال‏:‏ إني والله ما آمن يهود علي كتابي فما مر لي نصف شهر حتي تعلمته وحذقته فكنت أكتب له إليهم وأقرأ له كتبهم‏,(‏ رواه البخاري وأبو داود والترمذي‏)‏ ولعله كان علي شيء من المعرفة بها من قبل‏(‏ لمجاورة الأنصار لليهود‏)‏ حتي أمكنه أن يحذقها في هذه المدة القصيرة‏,‏ ومن هنا حرص كثير من المسلمين ـ في عصور ازدهار حضارتهم ـ علي معرفة اللغات فترجموا منها وإليها‏0‏
‏*‏ ما معني حديث استفت قلبك فقد يسأل السائل سؤالا فيفاجأ بجواب العالم بحكم يتنافي مع ما يحسه بقلبه فبأي الرأيين يأخذ؟
هذا حديث وابصة‏:'‏ استفت قلبك وإن أفتاك المفتون‏'(‏ رواه الإمام أحمد وغيره وحسنه النووي في‏'‏ رياض الصالحين‏'‏ وتبعه السيوطي فرمز له بالحسن في جامعه الصغير وحسنه الألباني في صحيح الجامع‏).‏ وما في معناه‏(‏ مثل حديث أبي ثعلبة الخشني‏:‏ قلت يا رسول الله أخبرني ما يحل لي وما يحرم علي فقال‏:'‏ البر ما سكنت إليه
النفس واطمأن إليه القلب‏.‏ والإثم‏:‏ ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون‏'‏ رواه الإمام أحمد‏'4/194'‏ وجود إسناده ابن رجب في الجامع‏'2/95'.‏ ومثل حديث أبي أمامة قال‏:‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله ما الإثم قال‏:'‏ إذا حاك في صدرك شيء فدعه‏'‏ قال ابن رجب‏:‏ خرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وإسناده جيد علي شرط مسلم‏.‏ وأقوي من ذلك كله‏:‏ حديث النواس بن سمعان عند مسلم‏'2553'‏ وفيه‏:'‏ والإثم‏:‏ ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس‏).‏ والاستدلال به علي أن فتوي القلب مقدمة علي فتوي المفتي بحكم الشرع استدلال مردود وتحريف للكلم عن مواضعه للآتي‏:‏
أولا‏:‏ لأن الحديث ـ كما نقل المناوي عن حجة الإسلام ـ لم يرد كل أحد لفتوي نفسه وإنما ذلك لـ وابصة في واقعة تخصه‏,(‏ فيض القدير‏:1/495)‏ أي‏:‏ أن الحديث لم يجئ بلفظ عام بحيث تؤخذ منه قاعدة عامة بل جاء في واقعة معينة لشخص معين ووقائع الأعيان لا عموم لها كما هو مقرر في الأصول‏.‏
ثانيا‏:‏ علي فرض العموم فموضع هذا فيما لا نص فيه ولا حجة شرعية وإلا وجب اتباع الشرع قال ـ تعالي ـ‏:(‏ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء‏)(‏ الأعراف‏:3)‏ وقال ـ سبحانه ـ‏:(‏ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‏)(‏ النحل‏:43)‏ فكيف يوجب الله ـ تعالي ـ سؤالهم ثم نترك أجوبتهم وفتاويهم إلي فتاوي قلوبنا وقال تعالي‏:(‏ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول‏)(‏ النساء‏:59)‏ ولم يقل‏:‏ ردوه إلي خواطركم وأحاديث قلوبكم‏.‏ ثالثا‏:‏ أن المفتي يبني فتواه علي ظاهر الحال كما يعرضه له السائل وقد تكون هناك أمور خفية لا يطلع عليها لعله لو عرفها لغير فتواه‏.‏ والمستفتي هو الذي يعرفها ولذلك تظل نفسه قلقة غير مطمئنة بما ألقي إليه من فتوي ففتوي المفتي ـ هنا ـ مثل قضاء القاضي الذي يحكم بالظاهر ويقضي علي نحو ما يسمع ولكنه لا يجعل الحرام حلالا لمن استقضاه إذا كان ألحن بحجته من خصمه صاحب الحق‏.‏ وبهذا يكون الاستدلال بالحديث علي حجية الخواطر والإلهامات في مواجهة أدلة الشرع استدلالا باطلا‏.‏
يقول العلامة ابن رجب الحنبلي في شرح حديث وابصة‏:'‏ استفت قلبك‏':‏ فدل حديث وابصة وما في معناه علي الرجوع إلي القلوب عند الاشتباه فما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر والحلال وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام وقوله في حديث النواس بن سمعان‏:'‏ الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس‏'‏ إشارة إلي أن الإثم ما أثر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه وهذا أعلي مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه وهو ما استنكره الناس علي فاعله وغير فاعله‏.‏ ومن هذا المعني قول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح‏.(‏أورده الهيثمي في الحج‏'1781/177'‏ وقال‏:‏ رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون‏.‏ وصححه الحاكم‏'793/78'‏ ووافقه الذهبي‏).‏
وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة‏:‏ وإن أفتاك المفتون‏':‏ يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره وقد جعله ـ أيضا ـ إثما وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلي هوي من غير دليل شرعي‏0‏
‏*‏ وإذا كان المفتي يعطي فتواه بدليل شرعي لكن صدر المستفتي لم ينشرح للفتوي؟
ما كان مع المفتي به دليل شرعي‏,‏ فالواجب علي المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخص الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به‏.‏ وقد كان النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من فعله فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلي العمرة‏(‏ روي ذلك عنه ـ صلي الله عليه وسلم ـ أربعة عشر من أصحابه ذكرهم في‏'‏ زاد المعاد‏'‏ وخرج أحاديثهم محققه ـ حفظه الله ـ فانظره‏.'2/186178'‏ ط الرسالة بيروت‏)‏ فكرهه من كره منهم وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه وكرهوا مفاوضته لقريش علي أن يرجع من عامه وعلي من أتاه منهم يرده إليهم‏.(‏ انظر الخبر مطولا في صحيح البخاري مع الفتح‏'27322731').‏ وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال ـ تعالي ـ‏(‏ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏)(‏ سورة الأحزاب‏:36).‏ وينبغي أن يتلقي ذلك بانشراح الصدر والرضا فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال ـ تعالي ـ‏:(‏ فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما‏)(‏ سورة النساء‏:65).‏ وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدي بقوله من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان والمنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء وحك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوي فهنا يرجع المؤمن إلي ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون وقد نص الإمام أحمد علي مثل هذا ـ أيضا‏.(‏ جامع العلوم والحكم جـ‏101/2‏ ـ‏103‏ ط الرسالة‏).‏ أ‏.‏هـ‏.‏ والخلاصة‏:‏ أن استفتاء القلب إنما يطلب حيث لا يوجد مفت ثقة يستند إلي دليل شرعي معتبر يثق المسلم بعلمه ودينه معا‏,‏ وأضاف العلامة الشوكاني معني آخر في حديث‏'‏ استفت قلبك‏'‏ وهو‏:‏ أن ذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة‏.‏
‏*‏ ومالعمل حين تتعارض الأدلة؟
حين تتعارض الأدلة ولا يوجد مرجح واضح يرجح أحدها علي الآخر‏.‏ يكون قلب المؤمن وما يفتي به مرجحا من المرجحات‏.‏ أقول‏:‏ ومثله تعارض أجوبة أهل الفتوي بالنسبة للعامي المقلد ولم يكن لديه مرجح لأحدهم علي الآخر أو الآخرين فينبغي أن يرجع إلي من يطمئن إليه قلبه‏.‏
‏*‏ ولكن متي يؤخذ بفتوي القلب‏:‏ في الإباحة أم التحريم أم فيهما معا؟
هنا يقول الإمام الغزالي‏:‏ واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتي أما حيث حرم فيجب الامتناع‏.‏ وهذا مقبول إذا كان تحريم المفتي بدليل مقنع‏.‏ ولكن أي قلب يعتمد عليه في الفتوي هنا يذكر الغزالي أنه لا يعول علي كل قلب فرب قلب موسوس ينفي كل شيء ورب متساهل يطير إلي كل شيء فلا اعتبار بهذين القلبين وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق لدقائق الأحوال فهو المحك الذي يمتحن به حقائق الأمور وما أعز هذا القلب‏.‏