
|
غواص كل سنة وأنت طيب |
د. ـ مبروك عطية عاش الناس رمضان, وقال بعضهم لبعض:كل سنة وأنت طيب وتعطلت بلاشك بسبب الصيام بعض الأعمال برغم عظة الواعظين الذين قالوا إن رمضان شهر العمل والجهاد, وقد نصر الله ـ عز وعلا ـ المسلمين في بدر الكبري, وكان ذلك في رمضان, وفتح الله ـ عز وعلا ـ الفتح المبين للنبي الأمين والمسلمين مكة وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا, وكان ذلك في رمضان, واستمرت جهود المسلمين في رفع راية الإسلام حتي العاشر من رمضان, حيث عبر جنودنا قناة السويس ورفعوا راية البلاد علي قطعة مسلوبة منها سيناء, وغير ذلك من بيان منهج الله ـ تعالي ـ القائم علي استمرار العمل والعطاء وحركة الحياة في الحل والترحال, في رجب وشعبان ورمضان وشوال وسائر الأشهر. يقول بعض الناس دا شهر في السنة وقد تفكرت في هذه العبارة, فوجدت أن مواسمنا الدينية علي مر السنة تفيض بها السنة, أو لا تخلو منها أشهر السنة, فإننا لو سلمنا بهذا القول, وأخذنا به, نظرنا في ميقات الحج الذي يبدأ من أول شوال, أي بعد مضي رمضان بساعات معدودة, ويشمل ميقات الحج الزماني شوال, وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة, فكل سنة وأنت طيب, يستعد الحجيج في تلك الفترة, ونهتم بهم وبشئونهم ووداعهم, ومراقبتهم وتتبع أخبارهم, وإذا كان لك عندنا حاجة أو كنت تخطب ابنتنا فبعد رجوع الحجاج بالسلامة من الحجاز, وبعد ذي الحجة يأتي شهر الله المحرم, وقد اتفق المسلمون علي أنه أول السنة الهجرية, وفيه يحتفل المسلمون بهجرة المصطفي صلي الله عليه وسلم ـ من مكة إلي المدينة, وتنشد الأشعار, وتقام السرادقات, وكل سنة وأنت طيب, وفي يوم العاشر منه يكون احتفالنا بعاشوراء, وكل سنة وأنت طيب وبعد شهر يأتي ربيع الأول وفيه يحتفل المسلمون بمولد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وكل سنة وأنت طيب, ولم يبق سوي ربيع الآخر وجمادي الأول وجمادي الآخر وفيهن يسأل الناس:فاضل علي رمضان أد إيه؟. فإذا جاء رجب وخميسه الأول بالذات حيث يعتقد المسلمون أن له خصوصيته فيهرعون إلي المقابر, لزيارة موتاهم والتصدق عليهم, وفيه يكون الاحتفال بذكري الإسراء والمعراج, وكل سنة وأنت طيب, ويأتي شعبان شهر تجميع المستهلكات بالأطنان من أجل رمضان, وياليلة النصف من شعبان وتحويل القبلة, وكل سنة وأنت طيب, ثم يأتي رمضان, وكل سنة وأنت طيب فإذا أضفت إلي ذلك الأعياد والمناسبات القومية لكل محافظة يوم قومي, وذكري انتصارنا, وتحرير سينائنا وكل سنة وأنت طيب, وغير ذلك من شم النسيم وعيد الحب وعيد الأم وعيد الخالة والعمة, وكل سنة وأنت طيب فمتي يكون العمل؟ جميل أن تكون كل أيامنا أعيادا تشحذ عزائمنا, وتستحث همتنا, وتملأ حياتنا جديدا وإحساسا بالنصر, وفضل الله علينا, وعلي أمتنا, وما شرعه لنا من عبادة تطهر نفوسنا, وتزكي مسيرة حياتنا, ولا تناقض بين ذلك وبين العمل وتحقيق المصلحة, فإن للمسلمين عيدا يتجدد كل أسبوع, هو يوم الجمعة, وهو خير يوم طلعت عليه الشمس, فيه خلق آدم, وفيه تقوم الساعة, وقد قال الله تعالي:فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وقبل ذلك قال الله ـ عز وجل ـ: يأيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. وقد وقفت جهود المتحدثين معظمهم عند الآية التي تتحدث عن الانتشار في الأرض عقب الصلاة, ولم يشيروا إلي الآية التي تتحدث عن البيع وهو اسم جامع لحركة الحياة قبل صلاة الجمعة, فالصلاة بين حياتين, حياة قبلية, قبل الصلاة, وحياة بعدية, أي بعد الصلاة, ومعظم المسلمين لا يعرفون البيع قبل الصلاة إلا قليلا منهم فهم ينامون حتي صلاة الجمعة, والحق تعالي حين نادانا لم يقل:إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاصحوا من النوم وإنما يخاطب أمة بكرت, وقامت من الفجر مع أول شعاع للنهار تعمل وتتحرك وتزرع وتصنع وتبني وتعمر وتطلب العلم, وتمارس كل نشاطات الحياة, فإذا حان وقت الصلاة تركت ذلك كله, وسعت إلي سماع الخطبة وأداء الركعتين, وعقب الصلاة مباشرة هرعت إلي الانتشار وطلب الرزق والجد في العمل وطلبه والابتكار فيه, فكأن صلاة الجمعة زادت من قوتها, وألهبت من حماستها, وأزاحت عنها كسلها, لكننا جعلناه إجازة, واخترناه يوم راحة, فلا بيع لنا قبل الصلاة, ولا ابتغاء عندنا لفضل الله فيه ومن عجب أننا مولعون باستنطاق الأسرار, خير من خاض في الأسرار, نشمها من بعيد, نؤلها تأويلا, ونتمحلها تمحلا, ولم نفكر في سر هذه الآية:فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله والصلاة المتحدث عنها هي صلاة الجمعة, وأمر الله عز وعلا ـ لنا بالابتغاء من فضله وسعة رزقه وواسع رحمته زمانه يوم الجمعة وكل يوم, لكنه خص يوم الجمعة, فلماذا لم يقل أحد منا إن في ذلك سرا؟ لماذا لم يقل أحد إن هذا( الصنايعي) الذي فتح ورشته يوم الجمعة ويوم الأحد قد قصد فضل الله ورزقه الله ووسع عليه لأنه نوي أن يصيب من فضل الله, فلم يحرمه الله! وفي موسم الحج يقول الله ـ عز وعلا ـ: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم وإجماع الأمة علي أنه يجوز البيع والشراء بعد أداء مناسك الحج, فإن ذلك لا يتعارض مع أداء الشعائر, لقول الله ـ تعالي ـ: ليشهدوا منافع لهم وإذا كان القرآن الكريم يقول:يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا فإن المسلمين أولي بهذا التعارف, وما كان التعارف مقصودا لذاته بأن يعرف الناس بعضهم أسماء بعض, وإنما يقتضي التعارف مصالح بين العباد, وقد قال تعالي الذين يخوضون في آيات الله سخرية وكفرا:فلا تقعدوا معهم حتي يخوضوا في حديث غيره قال العلامة السمين في تفسيره ومعني ذلك أنه يجوز القعود معهم بعد هذا الخوض وذلك من أجل المصالح المشتركة بين الناس, وحين صلي أبو برزة الأسلمي وهو صحابي بعد انتقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي الرفيق الأعلي علي نهر بعيد في بلاد الهند, وقطع فرسه الحبل, قطع الصحابي صلاته وأدرك فرسه وعاد فصلي من جديد, وبكي رضي الله عنه ـ حين قال قائل:لقد ترك هذا الرجل صلاته من أجل فرس وقال والله ما عنفني أحد فقد تركت مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إنني لو تركت فرسي شاردا فلن أعود إلي أهلي إلا بليل, وفي الوقت اتساع, والوقت عند المسلمين غال, قدره زيد بن ثابت وقد تسحر مع النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وصلي معه الفجر حين سئل عنه بقدر قراءة خمسين آية, وكل سنة وأنت طيب.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|