416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص
كل سنة وأنت طيب

د‏.‏ ـ مبروك عطية


عاش الناس رمضان‏,‏ وقال بعضهم لبعض‏:‏كل سنة وأنت طيب وتعطلت بلاشك بسبب الصيام بعض الأعمال برغم عظة الواعظين الذين قالوا إن رمضان شهر العمل والجهاد‏,‏ وقد نصر الله ـ عز وعلا ـ المسلمين في بدر الكبري‏,‏ وكان ذلك في رمضان‏,‏ وفتح الله ـ عز وعلا ـ الفتح المبين للنبي الأمين والمسلمين مكة وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا‏,‏ وكان ذلك في رمضان‏,‏ واستمرت جهود المسلمين في رفع راية الإسلام حتي العاشر من رمضان‏,‏ حيث عبر جنودنا قناة السويس ورفعوا راية البلاد علي قطعة مسلوبة منها سيناء‏,‏ وغير ذلك من بيان منهج الله ـ تعالي ـ القائم علي استمرار العمل والعطاء وحركة الحياة في الحل والترحال‏,‏ في رجب وشعبان ورمضان وشوال وسائر الأشهر‏.‏
يقول بعض الناس دا شهر في السنة وقد تفكرت في هذه العبارة‏,‏ فوجدت أن مواسمنا الدينية علي مر السنة تفيض بها السنة‏,‏ أو لا تخلو منها أشهر السنة‏,‏ فإننا لو سلمنا بهذا القول‏,‏ وأخذنا به‏,‏ نظرنا في ميقات الحج الذي يبدأ من أول شوال‏,‏ أي بعد مضي رمضان بساعات معدودة‏,‏ ويشمل ميقات الحج الزماني شوال‏,‏ وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة‏,‏ فكل سنة وأنت طيب‏,‏ يستعد الحجيج في تلك الفترة‏,‏ ونهتم بهم وبشئونهم ووداعهم‏,‏ ومراقبتهم وتتبع أخبارهم‏,‏ وإذا كان لك عندنا حاجة أو كنت تخطب ابنتنا فبعد رجوع الحجاج بالسلامة من الحجاز‏,‏ وبعد ذي الحجة يأتي شهر الله المحرم‏,‏ وقد اتفق المسلمون علي أنه أول السنة الهجرية‏,‏ وفيه يحتفل المسلمون بهجرة المصطفي صلي الله عليه وسلم ـ من مكة إلي المدينة‏,‏ وتنشد الأشعار‏,‏ وتقام السرادقات‏,‏ وكل سنة وأنت طيب‏,‏ وفي يوم العاشر منه يكون احتفالنا بعاشوراء‏,‏ وكل سنة وأنت طيب وبعد شهر يأتي ربيع الأول وفيه يحتفل المسلمون بمولد النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وكل سنة وأنت طيب‏,‏ ولم يبق سوي ربيع الآخر وجمادي الأول وجمادي الآخر وفيهن يسأل الناس‏:‏فاضل علي رمضان أد إيه؟‏.‏
فإذا جاء رجب وخميسه الأول بالذات حيث يعتقد المسلمون أن له خصوصيته فيهرعون إلي المقابر‏,‏ لزيارة موتاهم والتصدق عليهم‏,‏ وفيه يكون الاحتفال بذكري الإسراء والمعراج‏,‏ وكل سنة وأنت طيب‏,‏ ويأتي شعبان شهر تجميع المستهلكات بالأطنان من أجل رمضان‏,‏ وياليلة النصف من شعبان وتحويل القبلة‏,‏ وكل سنة وأنت طيب‏,‏ ثم يأتي رمضان‏,‏ وكل سنة وأنت طيب فإذا أضفت إلي ذلك الأعياد والمناسبات القومية لكل محافظة يوم قومي‏,‏ وذكري انتصارنا‏,‏ وتحرير سينائنا وكل سنة وأنت طيب‏,‏ وغير ذلك من شم النسيم وعيد الحب وعيد الأم وعيد الخالة والعمة‏,‏ وكل سنة وأنت طيب فمتي يكون العمل؟
جميل أن تكون كل أيامنا أعيادا تشحذ عزائمنا‏,‏ وتستحث همتنا‏,‏ وتملأ حياتنا جديدا وإحساسا بالنصر‏,‏ وفضل الله علينا‏,‏ وعلي أمتنا‏,‏ وما شرعه لنا من عبادة تطهر نفوسنا‏,‏ وتزكي مسيرة حياتنا‏,‏ ولا تناقض بين ذلك وبين العمل وتحقيق المصلحة‏,‏ فإن للمسلمين عيدا يتجدد كل أسبوع‏,‏ هو يوم الجمعة‏,‏ وهو خير يوم طلعت عليه الشمس‏,‏ فيه خلق آدم‏,‏ وفيه تقوم الساعة‏,‏ وقد قال الله تعالي‏:‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وقبل ذلك قال الله ـ عز وجل ـ‏:‏ يأيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‏.‏
وقد وقفت جهود المتحدثين معظمهم عند الآية التي تتحدث عن الانتشار في الأرض عقب الصلاة‏,‏ ولم يشيروا إلي الآية التي تتحدث عن البيع وهو اسم جامع لحركة الحياة قبل صلاة الجمعة‏,‏ فالصلاة بين حياتين‏,‏ حياة قبلية‏,‏ قبل الصلاة‏,‏ وحياة بعدية‏,‏ أي بعد الصلاة‏,‏ ومعظم المسلمين لا يعرفون البيع قبل الصلاة إلا قليلا منهم فهم ينامون حتي صلاة الجمعة‏,‏ والحق تعالي حين نادانا لم يقل‏:‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاصحوا من النوم وإنما يخاطب أمة بكرت‏,‏ وقامت من الفجر مع أول شعاع للنهار تعمل وتتحرك وتزرع وتصنع وتبني وتعمر وتطلب العلم‏,‏ وتمارس كل نشاطات الحياة‏,‏ فإذا حان وقت الصلاة تركت ذلك كله‏,‏ وسعت إلي سماع الخطبة وأداء الركعتين‏,‏ وعقب الصلاة مباشرة هرعت إلي الانتشار وطلب الرزق والجد في العمل وطلبه والابتكار فيه‏,‏ فكأن صلاة الجمعة زادت من قوتها‏,‏ وألهبت من حماستها‏,‏ وأزاحت عنها كسلها‏,‏ لكننا جعلناه إجازة‏,‏ واخترناه يوم راحة‏,‏ فلا بيع لنا قبل الصلاة‏,‏ ولا ابتغاء عندنا لفضل الله فيه ومن عجب أننا مولعون باستنطاق الأسرار‏,‏ خير من خاض في الأسرار‏,‏ نشمها من بعيد‏,‏ نؤلها تأويلا‏,‏ ونتمحلها تمحلا‏,‏ ولم نفكر في سر هذه الآية‏:‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله والصلاة المتحدث عنها هي صلاة الجمعة‏,‏ وأمر الله عز وعلا ـ لنا بالابتغاء من فضله وسعة رزقه وواسع رحمته زمانه يوم الجمعة وكل يوم‏,‏ لكنه خص يوم الجمعة‏,‏ فلماذا لم يقل أحد منا إن في ذلك سرا؟ لماذا لم يقل أحد إن هذا‏(‏ الصنايعي‏)‏ الذي فتح ورشته يوم الجمعة ويوم الأحد قد قصد فضل الله ورزقه الله ووسع عليه لأنه نوي أن يصيب من فضل الله‏,‏ فلم يحرمه الله‏!‏ وفي موسم الحج يقول الله ـ عز وعلا ـ‏:‏ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم وإجماع الأمة علي أنه يجوز البيع والشراء بعد أداء مناسك الحج‏,‏ فإن ذلك لا يتعارض مع أداء الشعائر‏,‏ لقول الله ـ تعالي ـ‏:‏ ليشهدوا منافع لهم وإذا كان القرآن الكريم يقول‏:‏يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا فإن المسلمين أولي بهذا التعارف‏,‏ وما كان التعارف مقصودا لذاته بأن يعرف الناس بعضهم أسماء بعض‏,‏ وإنما يقتضي التعارف مصالح بين العباد‏,‏ وقد قال تعالي الذين يخوضون في آيات الله سخرية وكفرا‏:‏فلا تقعدوا معهم حتي يخوضوا في حديث غيره قال العلامة السمين في تفسيره ومعني ذلك أنه يجوز القعود معهم بعد هذا الخوض وذلك من أجل المصالح المشتركة بين الناس‏,‏ وحين صلي أبو برزة الأسلمي وهو صحابي بعد انتقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي الرفيق الأعلي علي نهر بعيد في بلاد الهند‏,‏ وقطع فرسه الحبل‏,‏ قطع الصحابي صلاته وأدرك فرسه وعاد فصلي من جديد‏,‏ وبكي رضي الله عنه ـ حين قال قائل‏:‏لقد ترك هذا الرجل صلاته من أجل فرس وقال والله ما عنفني أحد فقد تركت مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إنني لو تركت فرسي شاردا فلن أعود إلي أهلي إلا بليل‏,‏ وفي الوقت اتساع‏,‏ والوقت عند المسلمين غال‏,‏ قدره زيد بن ثابت وقد تسحر مع النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وصلي معه الفجر حين سئل عنه بقدر قراءة خمسين آية‏,‏ وكل سنة وأنت طيب‏.‏