416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الحريري‏..‏ وعملية تل أبيب

بقلم‏:‏ زياد عبدالفتاح


ينبغي أن نعتذر بشجاعة وجرأة عن كل ما يشيننا‏.‏ هذه العملية في تل أبيب أمام ملهي ليلي ليست مشينة فحسب‏,‏ وإنما هي مجانية وبلا أفق‏.‏ أكثر من ذلك أنها تقدم للإسرائيليين هدية ثمينة لا يقدرون علي تقديمها في هذه الأيام‏.‏
لقد فعلها الإسرائيليون حينما كانوا يصورون المنفي دولة والكارثة وطنا ففجروا السفينة بيهودهم علي مشارف المياه العميقة المبحرة إلي ميناء حيفا‏.‏ كانوا يستدرون عطف العالم‏.‏ للأسف لم ننجح نحن حتي اللحظة في استدرار العطف‏,‏ ليس بالحيلة ولا بالجريمة وإنما بالحق‏.‏
لا أستطيع التكهن بمن قام بالعملية الخرقاء‏,‏ العملية الإرهابية بكل المقاييس‏,‏ ولكن الذي خطط أو قام بالتوجيه أو إصدار الأمر ليس بريئا ولم تكن تهمه المصلحة العليا للشعب الفلسطيني‏,‏ ولربما قام بخدمة للإسرائيليين كانوا سيدفعون ثمنها أضعافا مضاعفة‏.‏
كل الفصائل والقوي الفلسطينية أصدرت بيانات وتصريحات تتبرأ من العملية‏.‏ هذه المرة لم تكن أية جهة تناور أو تتحدث بما ليس في قلبها أو داخلها‏,‏ ليس لأن الأطياف الفلسطينية تريد إعلان البراءة الشكلية وإنما الفعلية أولا وأخيرا‏,‏ لأنها التزمت داخل الحوار الوطني ومع الرئيس أبومازن ومع الأطراف المختلفة في لجنة الحوار‏,‏ وأخير ا وقبل كل شئ مع وأمام الشعب الفلسطيني المناضل الذي دمرت آدميته آلة الحرب الإسرائيلية الإرهابية‏.‏
بالسلام نقوي ونكسب نقاطا وبالسلام ننتصر‏,‏ الحق ينتصر بالقوة أيضا‏,‏ ولكن الحق الأعزل ينتصر بالسلام‏.‏ بهذا أحرجنا الإسرائيليين‏,‏ بالسلام ووقف العنف والتوقف عن كل ما يجرحنا ويجعل الإسرائيليين في موقف أعلي أمام الرأي العام العالمي‏.‏
عملية لا تنفع ولا تجدي ولا تؤثر في ميزان القوة‏.‏ هي مثل فقاعة ماذا إذا قتلت أربعة وجرحت خمسين أو أكثر؟ لم يستفد هؤلاء من تجاربهم‏,‏ بالنسبة للفصائل والأحزاب والمنظمات الفلسطينية نعتقد أنهم استفادوا‏.‏ لذلك هم أعلنوا البراءة‏,‏ في الماضي كانوا يتسابقون إلي إعلان المسئولية ويحدث أن يتبني أكثر من طرف معا عملية واحدة كل ينسبها إلي تنظيمه‏.‏
الآن هم يعلمون أنهم اتفقوا ويعلمون أن المصلحة العامة تقتضي احترام الاتفاق‏.‏ من الذي قام بهذه العملية المأفونة إذن في زمن يمتحن فيه العالم فرصة السلام فينا؟ لا أظن أن أحدا من الفلسطينيين فعلها‏,‏ حتي ولو كان المنفذ فلسطينيا‏.‏ القرار هو من خارجنا وليس منا‏,‏ التوقيت خطأ والهدف خطأ والمكان خطأ وكل الملابسات حول العملية مدانة ولا يجب التستر أو التواري أو الخوف من الإرهاب الفكري‏.‏
ولسوف لن يسدل الستار علي المشهد‏,‏ فلسوف يستغل الإسرائيليون كل تداعيات العملية وتفصيلاتها‏,‏ ولسوف يتنصلون من التزاماتهم‏,‏ ويواصلون حربهم علينا متذرعين بإرهابنا‏.‏ ولسوف يحملون السلطة ومحمود عباس وأحمد قريع وأي اسم آخر مسئولية العملية‏,‏ ولسوف يبنون مستوطنات أكبر ويماطلون في الانسحاب من قطاع غزة‏,‏ ويوقفون الإفراج القاصر عن الأسري‏,‏ ويذيعوننا في العالم علي أننا إرهابيون‏,‏ ولسوف يقصفون بطائراتهم ويمشطون الأرض بدباباتهم‏,‏ لماذا لم نجعلهم مثلما ظهروا بعد انتخاباتنا الرئاسية الديمقراطية وصورتنا العالية أمام العالم‏,‏ حاقدين وفي مأزق وينتظرون الخطأ وليس الخطيئة كي ينقضوا علينا‏.‏
ثمة ما يشير إلي أن العملية في تل أبيب أمام الملهي الليلي وعلي ذلك النحو وفي خضم المتغيرات والتوجهات الصادقة نحو السلام أن هناك من التقت أهدافهم بالأهداف الإسرائيلية‏,‏ أو أن هناك من مهدو ا الأرض للنيات الإسرائيلية المبيتة لإجهاض كل ما يمهد الطريق أمام السلام‏.‏ هذا ليس رأيا شخصيا ولا فرديا وإنما هو رأي كل الفصائل والمنظمات والأحزاب الفلسطينية التي اجتمعت علي البراءة من عملية تل أبيب‏.‏
لم تعد في عالم اليوم فواصل بين المسافات‏,‏ لذا فإن عبور الحدود من أقاصي الأرض لنسف رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في بيروت يماثل العبور إلي تل أبيب لنسف الأمل في السلام من جذوره‏.‏
هي دعوة للعنف والإرهاب ولتفجير الألغام الموقوتة وغير الموقوتة في استقرار وأمن المنطقة‏.‏ وإذا كنا لا نتهم أحدا لأننا لا نملك دليلا إلا أن الأكيد في مثل هذه الحالة أن المصلحة هي المؤشر‏,‏ وبدون شك فإن مصلحة الإسرائيليين في عملية عبثية مجنونة ودموية تعفيهم من استحقاقات داخلية وإقليمية ودولية‏.‏