416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
المسألة السورية في لبنان‏!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


وقت كتابة هذه السطور كانت مسألة الخروج السوري من لبنان قد باتت حتمية خاصة بعد تصريحات الأمير عبدالله ولي العهد السعودي التي طالب فيها سوريا بالخروج من لبنان فورا‏.‏ وعندما يتم ذلك فإن بعضا من الساسة ورجل الأمن في سوريا سوف يعضون بنان الندم علي مجموعة من القرارات الخاطئة التي أدت إلي وصول سوريا إلي النقطة التي وصلت إليها في لبنان‏.‏ هؤلاء سوف يصبح عليهم مراجعة القرار الذي صدر في العام الماضي للتمديد لرئيس الجمهورية الحالي فيما لا ضرورة منه إلا لإثبات الهيمنة والسيطرة السورية علي الأقدار اللبنانية‏.‏ كما سيصبح عليهم مراجعة رد الفعل السوري علي قرار مجلس الأمن‏1559‏ والذي تصور إمكانية الاكتفاء بالتذكير بتجاهل إسرائيل لتطبيق القرار‏242‏ والتلويح بحالة عدم الاستقرار في لبنان‏.‏ وأخيرا جاء قرار اغتيال الحريري الذي لا يوجد دليل علي أن سوريا قامت به‏,‏ ولكن توجد أدلة عديدة إلي إساءة سوريا لتقدير نتائجه‏,‏ فقد كان الظن أنه مع النفي السريع‏,‏ واتهام إسرائيل بالجريمة‏,‏ والمشاركة في الحزن علي الحريري‏,‏ بل والتعاون مع الولايات المتحدة في القبض علي عدد من العناصر البعثية القيادية في العراق وفي مقدمتهم سبعاوي أخ صدام حسن‏,‏ كل ذلك سوف يرطب الأجواء ويعود بها إلي ما كانت عليه‏.‏
ولكن كل كما فعلته سوريا لم يعد كافيا لتغيير الموقف ومنعه من الوصول إلي نهايته المحتومة‏,‏ وحدث ذلك نتيجة مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية‏,‏ وكان الخطأ الإستراتيجي الأكبر أن سوريا أساءت فهم التاريخ فلسنوات وعقود كان الظن السوري دائما أن لبنان جزء من سوريا‏,‏ ولم يكن مفهوما أبدا لدي الحكام في دمشق لماذا يصر البعض علي الذات المستقلة للبنان بينما روابطها مع سوريا كافية لسد وجه الشمس‏,‏ ولكن لبنان مهما كان قريبا جغرافيا من سوريا إلا أنه كان بعيدا عنها بعد السماء السابعة‏,‏ فلم تكن مشاركة الطرفين في المقبلات والكباب والكبة كافيا لمواجهة الخلافات في النظام السياسي والاقتصادي بين البلدين ولا علاقاتهما مع العالم‏,‏ وإذا كان السوريون سعيدين للغاية بالجوار اللبناني بسبب سيادة الانغلاق لديهم والانفتاح لدي اللبنانيين‏,‏ فقد كان اللبنانيون غير سعداء إطلاقا بما يرونه من حالة سورية متخلفة في كل مناحي الحياة‏.‏ وإذا كان المكسيكيون يندبون حظهم لبعدهم جدا عن الله وقربهم في ذات الوقت من الولايات المتحدة حسب المقولة الذائعة‏,‏ فقد كان المثل منطبقا تماما علي اللبنانيين ولكن مع البعد عن الولايات المتحدة والقرب من سوريا؟‏!‏
وهنا جاء الخطأ الإستراتيجي الثاني الذي ارتكبته سوريا‏,‏ وهي أنها لم تدرك أن الولايات المتحدة التي كانت بعيدة جدا جدا في قارة أمريكا الشمالية قد أصبحت قريبة للغاية عندما احتلت العراق وصارت في الجوار الجغرافي المباشر‏,‏ وعندما تصبح دولة في الجوار الجغرافي المباشر فإن كل التوازنات الإقليمية تتغير‏,‏ ومن لا يراعيها تحترق أصابعه وربما يحترق جسده كله‏,‏ وفي وقت من الأوقات وفي زمن الرئيس حافظ الأسد أدركت سوريا عام‏1991‏ أن وفود أمريكا إلي الجوار القريب في الكويت سوف يرتب نتائج لابد من التعامل معها فكانت المشاركة في الحرب لتحرير الكويت‏,‏ ورغم أن سوريا لم تشارك في القتال‏,‏ إلا أن وجود قواتها إلي جوار القوات الأمريكية كان كافيا لإعطائها عقدا ونصف عقد من راحة البال بل والقبول بعملية تغيير السلطة في دمشق حسبما تغيرت عندما جاء موعد رحيل الزعيم القائد‏.‏
ولكن سوريا هذه المرة لم تكن قادرة علي اتخاذ قرار مشابه‏,‏ وعلي العكس فإنها رفضت الغزوة الأمريكية للعراق‏,‏ وفي نفس الوقت فإنها لم تفعل شيئا لمنعها‏,‏ بينما أدواتها الدعائية تدينها في كل يوم‏,‏ وهي في ذات اللحظة تفتح أنواعا كثيرة من التعاون الأمني الذي تضمن تسليم عناصر عراقية مقاومة‏,‏ هذه الحالة من التردد لم تشفع لسوريا بل جعلتها موضع الشك والاعتقاد الشديد في الضعف‏,‏ فلم تعد سوريا من حيث المناعة قادرة علي الإطاحة بالوجود الأمريكي كما حدث في لبنان خلال الثمانينيات بل صار الأمر بالعكس وهو أن الولايات المتحدة هي القادرة علي الإطاحة بالوجود السوري في لبنان‏.‏
وهنا يأتي الخطأ الإستراتيجي السوري الثالث فقد كانت دمشق تعتقد اعتقادا جازما أنها متمكنة ومسيطرة في لبنان لأسباب شتي منها وجود جماعات مسلحة تابعة لها‏,‏ ولأنها نجحت في ربط الصراع العربي ـ الإسرائيلي بالحياة اللبنانية عندما تنازلت للبنان فجأة عن مزارع شبعا‏,‏ ولأنها اعتقدت أن اللبنانيين لم يعد لديهم خيار إما القبول بالوجود العسكري والأمني السوري في لبنان أو عودة الحرب الأهلية مرة أخري‏,‏ كل ذلك ثبت خطؤه‏,‏ فالحقيقة أن اللبنانيين ساد بينهم اعتقاد أنه بعد تنفيذ إسرائيل للقرار‏425‏ فإنه لم تعد لديها قضية مباشرة مع إسرائيل سوي قضية العرب المركزية الفلسطينية‏,‏ ولم يفهم اللبنانيون أبدا لماذا يتحملون دون غيرهم أعباء القضية الكبري من خلال مقاومة لبنانية مستمرة تعطي حزب الله وحده حق حمل السلاح‏,‏ بينما سوريا ذاتها تحافظ علي حالة من الاستقرار والأمن في الجولان السوري المحتل‏.‏
وتغيرت لبنان أيضا لأن الأغلبية فيها باتت تعتقد بفساد الاختيار المطروح عليها بين سوريا والفوضي‏,‏ فخلال عملية إعادة بناء لبنان بعد الحرب الأهلية اندماج اللبنانيون جميعا في عملية مشتركة للإنعاش الاقتصادي‏,‏ وفي لحظات كثيرة شعرت طوائف لبنانية متنوعة أنه بوسعها المشاركة معا في مشروع للمستقبل‏,‏ بل إنها لأسباب شتي لم تعد تخجل من النموذج اللبناني ورأت ـ علي العكس أن هذا النموذج قابل للتصدير إلي العراق والسودان وغيرها من دول المنطقة حيث يمكن اقتسام السلطة بين الطوائف والجماعات وبقاء الوحدة بينها علي أسس تطوعية‏,‏ والأخطر من ذلك أنه لم يكن مفهوما لدي اللبنانيين لماذا يقبلون السيطرة من دولة هي بكل المعايير والمؤشرات الاقتصادية أقل تقدما من لبنان‏,‏ بل إن سوريا وجدت في السوق اللبنانية المجال لتصدير مليون عامل سوري لم يجد فرصة للعمل داخل الدولة البعثية‏.‏
وربما كان رفيق الحريري هو الممثل الحي لكل التغيرات التي جرت في لبنان‏,‏ فهو كان من البنائين العظام‏,‏ وهو الرجل الذي ارتفع فوق الطائفية‏,‏ وهو النموذج لمشروع مستقبلي قائم علي التنمية والرفاهية‏,‏ وعندما تم اغتياله فلم يكن الاغتيال متعلقا بشخص بل بفكرة واتجاه لم تكن سوريا قادرة علي استيعابه في دولة تقوم علي الحزب الواحد والرجل الواحد والتوجه الواحد‏.‏ وهنا تحديدا كان الخطأ الإستراتيجي السوري الرابع وهو من الأخطاء الإستراتيجية التي تقع فيها عادة الدول الشموية أحادية النظرة والاتجاه‏,‏ والعاجزة تماما عن فهم ما يدور حولها من تطورات وتغيرات‏,‏ وعندما تدور الأمور بطريقة لا تتوقعها فإنها لا تعرف كيف تركب الموجة أو تعلو فوق المنحني فتتصور أن تقديم عدد من التحسينات الجزئية في موقفها مثل القبول بالتحقيق الدولي أو الموافقة علي إعادة الانتشار فإن الأيام سوف تعود أخري إلي سيرتها الطيبة الأولي‏,‏ ولكن الأيام لا تعود أبدا إلي سيرتها الطيبة الأولي لأنها لم تكن أبدا طيبة في وقت من الأوقات‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا