
|
هامش: الخطاب الإصلاحي حول الدستور الأسباب والمبررات |
 | |
بقلم: نبيل عبدالفتاح الخطابات حول ضرورات تعديل الدستور المصري الصادر عام1971 ـ وتعديلاته في عام1980 ـ برزت في عقدي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي, وكانت من أبرز ملامح الخطابات النقدية للنظام السياسي المصري, ولسياسات الصفوة الحاكمة, ومن ثم يعد الجدل الراهن جزءا من تاريخ الخطابات الإصلاحية حول الدستور. يمكن القول إن الخطابات الراهنة بشأن الإصلاح الدستوري هي الأكثر بروزا في السجالات السياسية الراهنة, وذلك لأسباب عديدة يمكن طرح بعضها فيما يلي: 1ـ إنها تطرح في سياق مطالب داخلية, ودولية تحض علي إعمال الحقوق والحريات العامة ـ وحقوق الإنسان بعامة ـ فضلا عن الاتجاه العولمي الجارف بضرورة تعزيز الحقوق, وقواعد الديموقراطية, ودولة القانون. 2ـ إن صيرورات وعمليات العولمة, والمحكومية, تشير إلي تراجع الدور التدخلي للدولة, في السياسات العامة والتنموية لصالح دور المنظم للأسواق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, ومن ثم دخول أطراف أخري في العمليات السياسية والاجتماعية مع الحكومة, كالقطاع الخاص ـ رجال الأعمال ـ والمنظمات غير الحكومية, ناهيك عن فاعلين جدد, ينهضون بأداء بعض الوظائف التي كانت تقع علي عاتق الدول والحكومات, في عقود هيمنة الأيديولوجيات التدخلية, ومن ثم تفرض التحولات الهيكلية الكبري في مجالات دور الدولة ظلها علي التنمية, ومكافحة الفقر, وإعمال الحقوق والحريات العامة, وإصلاح أوضاع المرأة, وتمكينها, ومن ثم تتطلب إجراء تغييرات بنائية في النظام الدستوري المصري تستوعب المتغيرات الجديدة داخليا وعولميا حول الدولة. 3ـ إن هيكل القواعد الدستورية وتعديلاتها, كانت تعبيرا أمينا عن الاختيارات الأيديولوجية, والبيئة السياسية السائدة في أثناء مرحلة إعداده وإصداره, حيث كانت تسيطر أيديولوجية الحزب الواحد, والدولة التعبوية والشمولية والتدخلية, وتنظيمات كوربوراتية, تعتمد علي تحالف القوي والطبقات الاجتماعية والسياسية, ومن ثم انعكس ذلك علي الهندسة الدستورية والسياسية والقانونية في البلاد, أن التعديلات الدستورية ـ التي تمت نتيجة الاستفتاء علي تعديل الدستور الذي جري يوم22 من مايو سنة1980 ـ لم تواجه التحولات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمت في مرحلة حكم الرئيس السابق أنور السادات, من ثم ظلت التعديلات الدستورية الجديدة أقرب إلي الجزئية رغما عن خطورتها لكنها لا تواجه جوهر اختلالات الهيكل الدستوري. 4ـ إن دستور1971 ـ رغما عن أن بعض مواده أكثر تطورا من دساتير الجمهورية المصرية ـ يمثل جزءا من الميراث الدستوري لنظام يوليو1952, الذي ركز في مجال تنظيم السلطات الثلاث علي محورية ومركزية رئيس الجمهورية في إطار السلطة التنفيذية, وفي العلاقة مع السلطتين التشريعية والقضائية, أن إرث دمج السلطات في الدساتير السابقة علي دستور1971, شكل ثقافة الدولة الدستورية, بل وإدراك قادة النظام, ورؤساء الجمهورية الثلاثة ـ باستثناء اللواء محمد نجيب ـ جمال عبدالناصر, وأنور السادات, وحسني مبارك, إن إدراك موقع الرئيس المحوري في الإطار الدستوري يبدو جزءا من مواريث النظام الجمهوري المصري, وتم تكريسه من ناحية الممارسة السياسية والدستورية طيلة العهود الثلاثة, ومن ثم بات يمثل نمطا من الميراث الدستوري والواقعي الذي يشكل عقبة, لأن كل رئيس حاول أن يحافظ علي صلاحياته الدستورية والواقعية معا, وألا يتنازل عن بعض الصلاحيات الواقعية, أو يعدل منها, حتي يمكن إضفاء ديناميكية ما علي عمل السلطات الأخري, أو الحكومة في إطار السلطة التنفيذية. 5ـ إن الخلل في الهندسة الدستورية, ولا سيما من حيث توزيع هيكل القوة الدستورية والسياسية, لصالح صلاحيات رئيس الجمهورية, جعلت من التنظيمات السياسية الواحدية, ثم الحزب الحكم ـ مصر أو الوطني الديمقراطي فيما بعد ـ جزءا لا يتجزأ من التركيبة السياسية, التي تساعد رئيس الجمهورية ـ مع بعض المراكز السياسية الأخري ـ في استمرارية شغل موقعه عن طريق نظام الترشيح الأحادي, والاستفتاء عليه, ومن ثم غياب أية منافسة جادة في الإطار المرسوم دستوريا للترشيح لشغل موقع رئيس الجمهورية, عبر نظام الاستفتاء. 6ـ الثقافة العسكريتارية ـ أي تلك القيم والقواعد والإدراكات التي تتشكل داخل الانخراط في الأطر والأنظمة العسكرية ـ تشكل المكون الرئيسي لثقافة القادة السياسيين للنظام ـ فيما عدا التكنوبيروقراط المساعدين لهم ـ ورؤساء الجمهورية الثلاثة, ومن ثم تشكل ظاهرة هرمية القيادة, وتركز السلطات عند القمة والانفراد باتخاذ القرارات أبرز معالم الممارسة السياسية التي أثرت علي الهندسة السياسية لسلطات الدولة في دساتير نظام يوليو علي اختلافها, هذا النمط من القيم والقواعد والمدركات لدي قادة يوليو ورؤساء الجمهوريات علي اختلافهم, كان أكثر تأثيرا وأهمية في عمل الدولة, وأجهزة النظام, وسلطاته من الاختيارات الإيديولوجية, وشعاراتها الكبري, فضلا عن تنافي هذا الإرث من الثقافة العسكرية ـ المدنية بعدئذ مع عمليات التحول إلي نظام التعددية المقيدة, فضلا عن إنه يشكل أحد أبرز عوائق الإصلاح السياسي, أو مقرطة النظام وأجهزته وثقافة الصفوة السياسية والدولة. 7ـ إن أي إصلاح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني... إلخ, يتطلب إحداث إصلاح للهيكل الدستوري, والعلاقة بين السلطات الثلاث, في ضوء الخيارات المطروحة, جمهورية برلمانية, أم استمرارية النظام البرلماني والسلطات الرئاسية لرئيس الجمهورية ـ علي نسق دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية دونما ضوابطه وتوازناته وقيوده ـ وهو الأمر الذي يبدو في بعض الأحيان غامضا في أطروحات الخطابات المعارضة, أو القوي المحجوبة عن الشرعية القانونية والسياسية, أو بعض المستقلين, أو تلميحات بعض قادة الحزب الوطني الحاكم حول إمكانية لتعديل جزئي في الدستور. مما سبق يبدو جليا أن ثمة حاجة ملحة لإحداث تعديل في الهيكل الدستوري, ويختلف حجم وطبيعة التعديلات من خطاب إلي آخر في الساحة السياسية, إن صلاحيات رئيس الجمهورية, تبدو في صدارة الجدل العام حول الإصلاح الدستوري, من حيث هيمنة موقع الرئيس وصلاحياته الدستورية علي السلطات الثلاث, وعلي النظام السياسي, بحيث يبدو في قمة النظام, ومركز القوة الأكبر داخله, حيث تتركز السلطات جميعها في يده, وبحيث تغدو مشيئته وفق دستور الواقع ـ إذا جاز التعبير وساغ مجازيا ـ هي الدستور والقانون...إلخ. إن موقع رئيس الجمهورية رفيع المكانة والمقام في مصر, ومن ثم يبدو الأكثر أهمية وأولوية في قائمة أولويات الجدل والحوار العام في مصر, في حين أن السلطة التشريعية, علي أهمية دورها في النطام البرلماني النيابي, تتعرض لانتقادات وشكوك عديدة حول شرعية تمثيلها لإرادة الجماعة الناخبة علي اختلاف تكوينها واتجاهاتها السياسية والتصويتية, أن مسألة أزمة شرعية البرلمان, تعود إلي الطعون العديدة علي القانون الانتخابي التي فصل فيها مرتين بعدم الدستورية, وطعون المرشحين علي صحة نتائج الانتخابات في الدوائر المختلفة أمام محكمة النقض, والقضاء علي بعضها بالبطلان, ودعاوي التعويض التي رفعت علي الحكومة وقضي فيها بالتضمين, كلها تشير إلي أزمة شرعية البرلمان.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|