416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش‏:‏
الخطاب الإصلاحي حول الدستور الأسباب والمبررات

بقلم‏:‏ نبيل عبدالفتاح


الخطابات حول ضرورات تعديل الدستور المصري الصادر عام‏1971‏ ـ وتعديلاته في عام‏1980‏ ـ برزت في عقدي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي‏,‏ وكانت من أبرز ملامح الخطابات النقدية للنظام السياسي المصري‏,‏ ولسياسات الصفوة الحاكمة‏,‏ ومن ثم يعد الجدل الراهن جزءا من تاريخ الخطابات الإصلاحية حول الدستور‏.‏
يمكن القول إن الخطابات الراهنة بشأن الإصلاح الدستوري هي الأكثر بروزا في السجالات السياسية الراهنة‏,‏ وذلك لأسباب عديدة يمكن طرح بعضها فيما يلي‏:‏
‏1‏ـ إنها تطرح في سياق مطالب داخلية‏,‏ ودولية تحض علي إعمال الحقوق والحريات العامة ـ وحقوق الإنسان بعامة ـ فضلا عن الاتجاه العولمي الجارف بضرورة تعزيز الحقوق‏,‏ وقواعد الديموقراطية‏,‏ ودولة القانون‏.‏
‏2‏ـ إن صيرورات وعمليات العولمة‏,‏ والمحكومية‏,‏ تشير إلي تراجع الدور التدخلي للدولة‏,‏ في السياسات العامة والتنموية لصالح دور المنظم للأسواق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية‏,‏ ومن ثم دخول أطراف أخري في العمليات السياسية والاجتماعية مع الحكومة‏,‏ كالقطاع الخاص ـ رجال الأعمال ـ والمنظمات غير الحكومية‏,‏ ناهيك عن فاعلين جدد‏,‏ ينهضون بأداء بعض الوظائف التي كانت تقع علي عاتق الدول والحكومات‏,‏ في عقود هيمنة الأيديولوجيات التدخلية‏,‏ ومن ثم تفرض التحولات الهيكلية الكبري في مجالات دور الدولة ظلها علي التنمية‏,‏ ومكافحة الفقر‏,‏ وإعمال الحقوق والحريات العامة‏,‏ وإصلاح أوضاع المرأة‏,‏ وتمكينها‏,‏ ومن ثم تتطلب إجراء تغييرات بنائية في النظام الدستوري المصري تستوعب المتغيرات الجديدة داخليا وعولميا حول الدولة‏.‏
‏3‏ـ إن هيكل القواعد الدستورية وتعديلاتها‏,‏ كانت تعبيرا أمينا عن الاختيارات الأيديولوجية‏,‏ والبيئة السياسية السائدة في أثناء مرحلة إعداده وإصداره‏,‏ حيث كانت تسيطر أيديولوجية الحزب الواحد‏,‏ والدولة التعبوية والشمولية والتدخلية‏,‏ وتنظيمات كوربوراتية‏,‏ تعتمد علي تحالف القوي والطبقات الاجتماعية والسياسية‏,‏ ومن ثم انعكس ذلك علي الهندسة الدستورية والسياسية والقانونية في البلاد‏,‏ أن التعديلات الدستورية ـ التي تمت نتيجة الاستفتاء علي تعديل الدستور الذي جري يوم‏22‏ من مايو سنة‏1980‏ ـ لم تواجه التحولات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمت في مرحلة حكم الرئيس السابق أنور السادات‏,‏ من ثم ظلت التعديلات الدستورية الجديدة أقرب إلي الجزئية رغما عن خطورتها لكنها لا تواجه جوهر اختلالات الهيكل الدستوري‏.‏
‏4‏ـ إن دستور‏1971‏ ـ رغما عن أن بعض مواده أكثر تطورا من دساتير الجمهورية المصرية ـ يمثل جزءا من الميراث الدستوري لنظام يوليو‏1952,‏ الذي ركز في مجال تنظيم السلطات الثلاث علي محورية ومركزية رئيس الجمهورية في إطار السلطة التنفيذية‏,‏ وفي العلاقة مع السلطتين التشريعية والقضائية‏,‏ أن إرث دمج السلطات في الدساتير السابقة علي دستور‏1971,‏ شكل ثقافة الدولة الدستورية‏,‏ بل وإدراك قادة النظام‏,‏ ورؤساء الجمهورية الثلاثة ـ باستثناء اللواء محمد نجيب ـ جمال عبدالناصر‏,‏ وأنور السادات‏,‏ وحسني مبارك‏,‏ إن إدراك موقع الرئيس المحوري في الإطار الدستوري يبدو جزءا من مواريث النظام الجمهوري المصري‏,‏ وتم تكريسه من ناحية الممارسة السياسية والدستورية طيلة العهود الثلاثة‏,‏ ومن ثم بات يمثل نمطا من الميراث الدستوري والواقعي الذي يشكل عقبة‏,‏ لأن كل رئيس حاول أن يحافظ علي صلاحياته الدستورية والواقعية معا‏,‏ وألا يتنازل عن بعض الصلاحيات الواقعية‏,‏ أو يعدل منها‏,‏ حتي يمكن إضفاء ديناميكية ما علي عمل السلطات الأخري‏,‏ أو الحكومة في إطار السلطة التنفيذية‏.‏
‏5‏ـ إن الخلل في الهندسة الدستورية‏,‏ ولا سيما من حيث توزيع هيكل القوة الدستورية والسياسية‏,‏ لصالح صلاحيات رئيس الجمهورية‏,‏ جعلت من التنظيمات السياسية الواحدية‏,‏ ثم الحزب الحكم ـ مصر أو الوطني الديمقراطي فيما بعد ـ جزءا لا يتجزأ من التركيبة السياسية‏,‏ التي تساعد رئيس الجمهورية ـ مع بعض المراكز السياسية الأخري ـ في استمرارية شغل موقعه عن طريق نظام الترشيح الأحادي‏,‏ والاستفتاء عليه‏,‏ ومن ثم غياب أية منافسة جادة في الإطار المرسوم دستوريا للترشيح لشغل موقع رئيس الجمهورية‏,‏ عبر نظام الاستفتاء‏.‏
‏6‏ـ الثقافة العسكريتارية ـ أي تلك القيم والقواعد والإدراكات التي تتشكل داخل الانخراط في الأطر والأنظمة العسكرية ـ تشكل المكون الرئيسي لثقافة القادة السياسيين للنظام ـ فيما عدا التكنوبيروقراط المساعدين لهم ـ ورؤساء الجمهورية الثلاثة‏,‏ ومن ثم تشكل ظاهرة هرمية القيادة‏,‏ وتركز السلطات عند القمة والانفراد باتخاذ القرارات أبرز معالم الممارسة السياسية التي أثرت علي الهندسة السياسية لسلطات الدولة في دساتير نظام يوليو علي اختلافها‏,‏ هذا النمط من القيم والقواعد والمدركات لدي قادة يوليو ورؤساء الجمهوريات علي اختلافهم‏,‏ كان أكثر تأثيرا وأهمية في عمل الدولة‏,‏ وأجهزة النظام‏,‏ وسلطاته من الاختيارات الإيديولوجية‏,‏ وشعاراتها الكبري‏,‏ فضلا عن تنافي هذا الإرث من الثقافة العسكرية ـ المدنية بعدئذ مع عمليات التحول إلي نظام التعددية المقيدة‏,‏ فضلا عن إنه يشكل أحد أبرز عوائق الإصلاح السياسي‏,‏ أو مقرطة النظام وأجهزته وثقافة الصفوة السياسية والدولة‏.‏
‏7‏ـ إن أي إصلاح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني‏...‏ إلخ‏,‏ يتطلب إحداث إصلاح للهيكل الدستوري‏,‏ والعلاقة بين السلطات الثلاث‏,‏ في ضوء الخيارات المطروحة‏,‏ جمهورية برلمانية‏,‏ أم استمرارية النظام البرلماني والسلطات الرئاسية لرئيس الجمهورية ـ علي نسق دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية دونما ضوابطه وتوازناته وقيوده ـ وهو الأمر الذي يبدو في بعض الأحيان غامضا في أطروحات الخطابات المعارضة‏,‏ أو القوي المحجوبة عن الشرعية القانونية والسياسية‏,‏ أو بعض المستقلين‏,‏ أو تلميحات بعض قادة الحزب الوطني الحاكم حول إمكانية لتعديل جزئي في الدستور‏.‏
مما سبق يبدو جليا أن ثمة حاجة ملحة لإحداث تعديل في الهيكل الدستوري‏,‏ ويختلف حجم وطبيعة التعديلات من خطاب إلي آخر في الساحة السياسية‏,‏ إن صلاحيات رئيس الجمهورية‏,‏ تبدو في صدارة الجدل العام حول الإصلاح الدستوري‏,‏ من حيث هيمنة موقع الرئيس وصلاحياته الدستورية علي السلطات الثلاث‏,‏ وعلي النظام السياسي‏,‏ بحيث يبدو في قمة النظام‏,‏ ومركز القوة الأكبر داخله‏,‏ حيث تتركز السلطات جميعها في يده‏,‏ وبحيث تغدو مشيئته وفق دستور الواقع ـ إذا جاز التعبير وساغ مجازيا ـ هي الدستور والقانون‏...‏إلخ‏.‏
إن موقع رئيس الجمهورية رفيع المكانة والمقام في مصر‏,‏ ومن ثم يبدو الأكثر أهمية وأولوية في قائمة أولويات الجدل والحوار العام في مصر‏,‏ في حين أن السلطة التشريعية‏,‏ علي أهمية دورها في النطام البرلماني النيابي‏,‏ تتعرض لانتقادات وشكوك عديدة حول شرعية تمثيلها لإرادة الجماعة الناخبة علي اختلاف تكوينها واتجاهاتها السياسية والتصويتية‏,‏ أن مسألة أزمة شرعية البرلمان‏,‏ تعود إلي الطعون العديدة علي القانون الانتخابي التي فصل فيها مرتين بعدم الدستورية‏,‏ وطعون المرشحين علي صحة نتائج الانتخابات في الدوائر المختلفة أمام محكمة النقض‏,‏ والقضاء علي بعضها بالبطلان‏,‏ ودعاوي التعويض التي رفعت علي الحكومة وقضي فيها بالتضمين‏,‏ كلها تشير إلي أزمة شرعية البرلمان‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا