416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

ألغام مابعد الانسحاب السوري

لبنان‏..‏ حريــــة الغضب

‏ بيروت ـ فتحي محمود


حدث الانسحاب السوري من لبنان بعد‏29‏ عاما‏,‏ لكن الجميع دخلوا مأزقا من نوع خاص‏,‏ فمعظم القيادات اللبنانية موالاة ومعارضة الذين يرفعون الآن لواء اتفاق الطائف‏,‏ لم يقرأ أي منهم هذا الاتفاق‏,‏ أو قرأه منذ مدة ونسي مافيه أو تناسي‏,‏ لأن تطبيق هذا الاتفاق الآن وبعد الإنسحاب السوري يثير مشاكل عديدة ويحمل في طياته ألغاما يمكن أن تنفجر في وجه كل من يرفعون لواء تطبيق هذا الاتفاق الآن‏.‏ وقراءة سريعة لاتفاق الطائف توضح مدي الألغام الموجودة به‏,‏ وتوضح أيضا أن كل الأطراف التي تنادي بتطبيقه‏,‏ هي أول من يعلم أنه لن يطبق‏,‏ وأن الحديث عنه للاستهلاك المحلي فقط‏,‏ أو ستار لمشروعات سياسية أخري يحتفظ كل منهم بها لنفسه وللوقت المناسب‏.‏
فتحت عنوان‏'‏ بسط سيادة الدولة اللبنانية علي كامل الأراضي اللبنانية‏',‏ يقول اتفاق الطائف‏:‏ بما أنه تم الاتفاق بين الأطراف اللبنانية علي قيام الدولة القوية القادرة المبنية علي أساس الوفاق الوطني‏,‏ تقوم حكومة الوفاق الوطني بوضع خطة أمنية متصلة مدتها سنة هدفها بسط سياسة الدولة اللبنانية تدريجيا علي كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية‏,‏ وتتضمن الإعلان عن حل جميع المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلي الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق علي وثيقة الوفاق الوطني‏,‏ وانتخاب رئيس الجمهورية‏,‏ وتشكيل حكومة الوفاق الوطني‏,‏ وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية‏,‏ واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة علي جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دوليا‏.‏
هذا النص يعني صراحة نزع سلاح حزب الله‏,‏ لأن الاتفاق لم يستثنه ويسمح له بالاستمرار في حمل السلاح‏,‏ ولا يمكن القول هنا بأن حزب الله مقاومة وليس مليشيا‏,‏ لأن اتفاق الطائف تم توقيعه عام‏1989,‏ وحزب الله موجود منذ عام‏1984,‏ ولو أن الطائف كان يريد السماح له بحمل السلاح لنص علي ذلك بشكل صريح‏.‏
كما أن هذا النص يؤكد بشكل لا لبس فيه علي ضرورة وجود الجيش اللبناني علي كل الأراضي اللبنانية بما في ذلك الجنوب حتي خط الحدود‏.‏
وهذا يعني بشكل صريح أنه لا يوجد أي فارق بين اتفاق الطائف الذي يتمسك به الجميع والقرار‏1559‏ الذي يرفضه معظم اللبنانيين‏,‏ ويثير علامات استفهام أمام إعلان السيد حسن نصر الله‏,‏ الأمين العام لحزب الله وكل قيادات الحزب بالتمسك بالطائف ورفض القرار‏1559‏ ؟
ويوضح هذا اللبس لـ لأهرام العربي الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله‏,‏ فيقول إنه تم بالفعل نزع أسلحة المليشيات وتسليمها للدولة‏,‏ وهذا الاتفاق ينص علي أن تقوم الدولة اللبنانية باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ والمقاومة هي جزء من هذه الإجراءات لأنها تعمل بالتنسيق مع الدولة وتتكامل مع الجيش اللبناني في الدفاع عن السيادة اللبنانية‏,‏ ولم يحدث أن تم استخدام سلاح حزب الله في الداخل اللبناني في أي وقت وتحت أي ظرف‏,‏ وهذا يؤكد أنه ليس سلاح مليشيا‏,‏ وإنما سلاح مقاومة للدفاع عن سيادة لبنان‏,‏ كما أن القوي الأمنية ـ ومنها الجيش ـ توجد في الجنوب‏,‏ وهي التي تقوم بالمهام الأمنية هناك وليس حزب الله‏,‏ ولا توجد أي بقعة لبنانية معينة خارج سيطرة القوي الأمنية اللبنانية‏,‏ وتقتصر مهمة المقاومة فقط علي المساعدة في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية‏,‏ والعمليات التي تستهدف قوات الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا‏,‏ ولذلك نحن لا نري أي مشكلة في هذا الجزء من اتفاق الطائف‏.‏
ونعود إلي ألغام الطائف‏,‏ فنجد أن الاتفاق ينص في مكان آخر علي‏:‏ أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل علي تحقيقه وفق خطة مرحلية‏,‏ وعلي مجلس النواب المنتخب علي أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين‏,‏ اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلي رئيس مجلس النواب‏,‏ ورئيس الحكومة شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية‏,‏ ومهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلي مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية‏.‏
وهذا النص يتضمن ألغاما عديدة‏,‏ فلو تم تطبيقه ستخسر الطوائف المسيحية كلها المواقع الرئيسية التي تحتلها في الدولة الآن بما في ذلك موقع رئيس الجمهورية‏,‏ لأن تطبيقه يعني ديمقراطية الأغلبية ـ بغض النظر عن الانتماء الطائفي ـ ورغم عدم وجود إحصاء رسمي للسكان إلا أن كل الإحصاءات غير الرسمية تشير إلي أن نسبة المسيحيين في لبنان لا تتعدي الآن خمسة وثلاثين بالمائة فقط من عدد السكان‏,‏ بينما تصل نسبة المسلمين إلي‏65‏ في المائة علي الأقل‏,‏ تتوزع مناصفة بين السنة والشيعة‏,‏ ويقول البعض إن الشيعة أكثر‏,‏ وفي كل الأحوال يثير هذا الأمر هواجس عدة لدي بعض المسيحيين‏,‏ ويشرح الشيخ نعيم قاسم موقف حزب الله من هذا الموضوع بقوله‏:‏ إننا نري أن يتم تشكيل الهيئة المنصوص عليها في الاتفاق وتجلس كل الأطراف معا لتناقش كيف نهيئ لبنان لإلغاء الطائفية‏,‏ وبصراحة لماذا تظل بعض المناصب حكرا علي طائفة معينة بغض النظر عن الكفاءة‏,‏ وفي نفس الوقت نحن مع مراعاة الهواجس المسيحية ويمكن معالجتها بأن يتم تقسيم مجلس النواب مثلا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين ومراعاة ذلك في بعض الأمور العامة‏,‏ فهناك حلول وتصورات كثيرة المهم أن تجلس كل الأطراف معا وتناقش الموضوع بصراحة وموضوعية ولتأخذ وقتها في المناقشة كما تشاء حتي يتم الاتفاق علي أسس إلغاء الطائفية‏.‏
وإذا كانت تلك إلغام الطائف‏,‏ فإن ألغام مابعد الانسحاب السوري من لبنان لا تقل أهمية عنها‏,‏ وخاصة بعد أن ألقي حزب الله بكل ثقله مع الموالاة‏,‏ وخرجت حشوده إلي الشارع في رسالة مهمة إلي كل من يعنيهم الأمر داخليا وخارجيا‏,‏ بأن الأغلبية في لبنان ليست هي الموجودة في ساحة الشهداء والتي تظهر علي كل شاشات التليفزيون منذ اغتيال رفيق الحريري لتتحدث باسم كل لبنان‏,‏ وأن الأغلبية الحقيقية لها رأي آخر وصوت آخر‏.‏
لكن أغلبية المعارضة تلقت بإيجابية دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله‏,‏ للحوار الوطني وتمسكه بالسلم الأهلي وتأكيده علي مرجعية الدولة‏,‏ وأكدت انفتاحها علي سائر القوي السياسية ذات التمثيل الشعبي الحقيقي والإرادة الحرة وغير الخاضعة لأجهزة المخابرات‏,‏ وردا علي سؤال حول ما إذا كان احتكام المعارضة والموالاة إلي الشارع سيؤدي إلي توتر‏,‏ قالت مصادر المعارضة إن دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لا تندرج في إطار هذا الأمر‏,‏ وخطابه كان إيجابيا لدرجة أنه امتص نقمة كان من الممكن أن تنشأ نتيجة الانسحاب السوري من لبنان‏,‏ لا سيما عندما شدد علي ضبط الشارع وعدم السماح بتعكير السلم الأهلي‏,‏ وقد استطاع احتواء لغة عاصم قانصوه أمين حزب البعث في لبنان والذي خرج إلي الشارع مع بعض أنصاره يهدد بجز رؤوس المعارضين‏.‏
لكن مصادر المعارضة اعتبرت أن الدعوة إلي حوار من دون شروط يعني أننا نغض الطرف عن اغتيال الشهيد رفيق الحريري‏,‏ مشيرة إلي أن الشعب اللبناني يريد الاطمئنان إلي دولته‏,‏ لا سيما أن الضياع هو السمة في موضوع التحقيقات الجارية في عملية الاغتيال‏,‏ وأكدت أنه لن يكون هناك حوار قبل الكشف علي الأقل عن الآلية التي استخدمت في عملية التفجير‏,‏ مشيرة إلي أنه لو جري الكشف عن قضية محاولة اغتيال النائب مروان حمادة وجري التعامل معها كما يجب لما كانت وقعت جريمة اغتيال الحريري‏.‏
وأشارت إلي وجود تناغم بين كلام السيد نصر الله وبين خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في اتهام بعض المعارضة بالتحضير لاتفاق‏17‏ أيار‏,‏ علما بأن جميع قادة المعارضة والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير كان واضحا بالقول إن لبنان لن يوقع السلام مع إسرائيل إلا آخر دولة عربية‏,‏ وعندما دعا السيد نصرالله إلي رفع العلم اللبناني‏,‏ والمناداة بالسيادة والاستقلال أسوة بالمعارضة‏,‏ فلا شك أنه صادق لكنه أراد في الوقت نفسه أن يرسل للمعارضة إشارة مفادها أن السيادة لا تتجزأ والسيادة تتطلب مواجهة التدخلات الأمريكية والأجنبية في شئون لبنان الداخلية‏.‏
ويرد النائب المعارض روبير غانم بصراحة علي اتهام بعض المعارضة بالتعامل مع إسرائيل بتأكيده علي أن تجربة بعض اللبنانيين في التعامل مع إسرائيل كانت تجربة مريرة‏,‏ وهذه العمالة لم يكن لها طائفة معينة‏,‏ ففي جيش لحد كان هناك أفراد من جميع الطوائف‏.‏
أضاف أن الأمين العام لـ‏'‏حزب الله‏'‏ اعتبر أن اتفاق الهدنة لا يشكل ضمانة للبنان‏,‏ بل إن المقاومة هي الضمانة‏,‏ وهنا قد تكون نقطة للحوار‏.‏
وأكد أن رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط وجميع قوي المعارضة يقولون بحماية المقاومة ولن يسمحوا علي الإطلاق بنزع سلاحها طالما أن مزارع شبعا محتلة‏,‏ أما إذا حدث انسحاب إسرائيلي‏,‏ سلما أم حربا من هذه المزارع‏,‏ فأعتقد أن المقاومة تفقد علي صعيد الوطن والدولة أي مبرر لبقاء السلاح بأيديها‏,‏ ونحن نكون انطلاقا من موقعنا كلبنانيين متضامنين مع موقفنا الأساسي ومنسجمين مع‏'‏ حزب الله‏'‏ لهذه الجهة‏'.‏
أما عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي وائل أبو فاعور‏,‏ فأشار إلي توافق تام مع معظم القضايا التي طرحها السيد حسن نصرالله‏,‏ بدءا من اتخاذ‏'‏ الطائف‏'‏ مرجعية بين اللبنانيين من جهة وبينهم وبين سوريا من جهة أخري‏,‏ والرفض للقرار‏1559‏ وحماية المقاومة والدفاع عنها‏,‏ وحماية السلم الأهلي والمؤسسات والاعتراف بتضحيات سوريا في لبنان وعدم إذلالها‏.‏
ومن الألغام الموجودة قضية التحقيق في اغتيال الشهيد رفيق الحريري‏,‏ وإصرار المعارضة علي لجنة تحقيق دولية مستقلة‏,‏ وعندما سألنا قطب المعارضة النائب بطرس حرب‏,‏ عن لجنة التحقيق الدولية التي يرأسها الضابط الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد‏,‏ قال‏:‏ إن مهمة السيد فيتزجيرالد ليست ما نطالب به كمعارضة حول لجنة التحقيق الدولية للإشراف علي التحقيقات في اغتيال الحريري‏,‏ فمهمة السيد فيتزجيرالد هي استقصاء معلومات لرفع تقرير إلي الأمين العام للأمم المتحدة‏,‏ وليس إجراء التحقيق القضائي لمعرفة وتحديد أسباب وظروف وهوية مرتكبي الجرم‏,‏ وعلينا التفريق بين الأمرين‏,‏ فالمهمة تنحصر في رفع تقرير إلي الأمين العام للأمم المتحدة لمعرفة كيفية التعامل مع المسألة‏,‏ ومطلبنا تعيين لجنة تحقيق دولية تواكب القضاء اللبناني بصلاحيات واسعة لكي تتمكن بالتعاون مع القضاء اللبناني وبإشراف المجتمع الدولي من كشف حقيقة الاغتيال‏.‏
وهو ما أكدته النائب بهية الحريري‏,‏ وقالت لقد حددنا منذ البداية كيفية التحقيق الذي نثق به وطلبنا ولا نزال مصرين ولن نتراجع بأن يتحول التحقيق للجنة دولية وهذه هي الطريقة الوحيدة التي نؤمن بها ونثق بها للوصول إلي الحقيقة‏,‏ وأنا أؤكد مرة أخري أن جلاء الحقيقة‏,‏ التي جعلنا منها شعارا سياسيا لا يمكن التراجع عنه‏,‏ هي في مصلحة سوريا ولبنان‏.‏
الألغام كثيرة أمام اللبنانيين‏,‏ لكنها ليست بالأمر الجديد عليهم‏,‏ فقد مروا بظروف أكثر تعقيدا‏,‏ وخرجوا منها بسلام‏,‏ لأنهم شعب يعشق الحياة ويعيشها بحرية ولو في قلب النار‏.‏