سؤال: ماهو الشيء المشترك بين الصين الشعبية والعراق؟! جواب: الفوانيس! فالصين الشعبية هي الدولة المصدرة الأولي للفوانيس في العالم. والعراق هو الدولة المستوردة الأولي للفوانيس في العالم. ومناسبة هذه الفزورة افتتاح المعرض الدولي السنوي للفوانيس الذي اختتم في الأسبوع الماضي في مدينة شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين وشاركت فيه أكثر من مائة دولة. وذكرت نشرة دعائية أن المعرض هو الأكبر من نوعه في العالم وهو نشاط فولكلوري تقليدي يقام عادة مع الاحتفال بمهرجان الربيع الذي يوافق السنة القمرية الصينية الجديدة عام الديك تخليدا لطقوس الصينيين القدماء حيث كانوا يستخدمون الفوانيس المضاءة بالشموع إيمانا منهم بأنها تطرد الأرواح الشريرة من الأرض وتفسح المجال أمام نزول الآلهة الخيرة من السماء. ولأن الدول العربية دول متقدمة فهي لا تشارك في هذا النوع من المعارض البدائية التي تساهم فيها دول متخلفة مثل اليابان واستراليا وبريطانيا والهند وألمانيا وفرنسا. ومع ذلك فالدول العربية ـ بلا أي استثناء ـ تستورد الفوانيس سواء لتزيين ليالي شهر رمضان المبارك, كما في مصر, أم لإنارة المنازل والقري والمزارع والمخيمات البدوية كما في الدول العربية الأخري من الخليج إلي المحيط. غير أن العراق يبقي المستورد الأول للفوانيس منذ أن نفذ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر تهديده بإعادة بلاد الرافدين إلي القرون الوسطي. وكانت بغداد تستورد بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء عشرات الألوف من هذه الفوانيس سنويا بالإضافة إلي عدة آلاف يتم تهريبها عبر الحدود الإيرانية ـ العراقية المشتركة. ولا تخلو خيمة أو بيت طين أو منزل عادي أو شقة أو قصر أو وزارة أو معسكر أو جريدة أو مطعم أو شركة أو مقهي أو متجر أو مدرسة أو صيدلية أو عيادة أو مستشفي أو مصنع أو مزرعة أو نقابة أو ناد في العراق من هذه الفوانيس. بل إن مكتب وزير الكهرباء العراقي يضم ثلاثة فوانيس مختلفة الأحجام مما دفع سياسيا معارضا إلي المطالبة بتغيير اسم وزارة الكهرباء إلي وزارة الفوانيس. وقد أدت أزمة الكهرباء المستفحلة في العراق إلي ابتداع تقاليد وعادات وسلوكيات تتفق مع هذه الظاهرة من بينها وضع الفانوس في مكان الصـدارة في أية غرفة بدلا من التليفزيون. وباستمرار يكون الفانوس في حالة' ستاند باي' مملوءا بالكيروسين وجاهزا للخدمة في ليل العراق الطويل. وكذلك اجتماع الأسرة أو مجلس الإدارة أو ضباط مركز الشرطة حول الفانوس لبحث الأوضاع والظروف والمستجدات والمخاطر التي تهدد القضية. وتطور الأمر بعد الاحتلال الأمريكي فأصبحت الفوانيس ضرورة لا غني عنها لأي حزب يؤمن بقانون إدارة الدولة المؤقت والفيدرالية وحكمة القوات متعددة الجنسيات حيث يتم وضعها في قاعة الاجتماعات ومكتب الأمين العام. ومع أن كثيرا من المؤسسات والسفارات والمنازل تستخدم مولدات خاصة لإنتاج الكهرباء إلا أن الفانوس ظل سيد الموقف شأنه شأن السفير الأمريكي في بغداد نيجروبونتي. حتي العاشق الذي كان يشير بيده إلي السماء وهو يقول' شايفة القمر يا ليلي' أصبح يشير إلي جهة أخري وهو يقول:' شايفة الفانوس يا ليلي'! واذا أراد أحد المحبين أن يدلع حبيبته فهو يقول لها: يا فانوس حياتي! وإذا صبح عليك أحدهم بالخير فيستحسن أن ترد عليه بعبارة: صباح الفانوس. والاسم الرسمي لمصباح علاء الدين هو فانوس علاء الدين. وبدأ القرويون يطلقون اسم' فانوس' علي مواليدهم الجدد بدلا من نوري وأنور وعبد النور ومشعل ونورية وغير ذلك من الأسماء التي لها علاقة بالكهرباء. واستعار بعض المطربين الشعبيين أغنية الفنان الراحل ناظم الغزالي' عيرتني بالشيب وهو وقار' فحرفوها إلي' عيرتني بالفانوس وهو انتصار'. وبدلا من أن يكون شعار القوائم الانتخابية العمل علي إنهاء الاحتلال الأمريكي صار شعارها توفير الكهرباء! نحن الآن في عصر الفوانيس. وهو العنوان الحقيقي للمرحلة. ولعل بعض السياسيين يفكرون في إلغاء النسر من شعار الجمهورية الحالي ووضع الفانوس مكانه. ولن يختلف الشيعة والسنة والأكراد والتركمان والمسيحيون علي ذلك, لأن الفانوس اختراع تراثي محترم يوزع نوره بالعدل علي جميع العراقيين دون محاصصات طائفية أو عنصرية. وما يغيظني في الأمر كله أن العراق لم يوفد أحدا لحضور المعرض الصيني الدولي للفوانيس, رغم حاجة العراقيين الماسة إلي الاطلاع علي آخر المبتكرات في هذه التكنولوجيا المتقدمة. ولعل الحكومة المنتخبة الجديدة تعالج هذا الخلل وتعمل علي توطيد علاقاتنا الفانوسية مع دول العالم.