416‏السنة 123-العدد2005مارس12‏1 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أول الكلام

من الحريري إلي كرامي والأسد ونصر الله

أسامة سرايا


ما يحدث في قلب الشام بين سوريا ولبنان‏,‏ ليس لعبة سياسية عادية‏,‏ لأنها في غاية التعقيد‏,‏ ولن تكون تداعياتها إقليمية فقط‏,‏ إنما عالمية‏,‏ الأخذ بها معيارا في المستقبل‏,‏ يشكل مخاطر كبيرة‏,‏ فهي لعبة الأمم الجديدة‏,‏ وإدارتها تحتاج إلي حنكة سياسية‏,‏ فمن خلالها قد نعرف كيف يفكر اللاعبون الآخرون ونظائرهم‏.‏
فالوضع في سوريا ولبنان يكاد يكون متكررا‏,‏ ونسخة بالكربون في كل البلاد العربية الأخري‏,‏ والرؤية السياسية الحاكمة في هذا البلد أو ذاك يمكن أن تدفع بصاحبها أو لاعبها الرئيسي إلي مصاف الزعماء الملهمين الذين يدخلون التاريخ‏,‏ أو إلي حافة الاتهام‏,‏ فيتحولون إلي المحاكمات‏.‏
والخطورة هنا أنهم لن يحاسبوا علي ما فعلوه فقط‏,‏ ولكنهم قد يحاسبون علي ما فعله الآخرون من جماعتهم‏,‏ وتتحول حياتهم إلي أزمة كارثية كبيرة‏,‏ وإذا كان الزعماء أو القادة أو معاونوهم وأعوانهم هم الذين يدفعون ثمن أخطاء قراراتهم لهان الأمر‏,‏ ولكن مبعث الخطورة أن هناك شعوبا وأمما تمشي وراء قادتها وزعمائها‏,‏ وهم جميعا يدفعون الثمن‏,‏ وينحرفون معهم إلي المجهول‏.‏ لذلك وجب علي كل قائد أو رئيس أو زعيم‏,‏ أن يفكر‏,‏ ليس مرتين فقط‏,‏ ولكن أن يضع نصب عينيه مستقبل شعبه‏,‏ ومن يتعلق مصيره في رقبته‏,‏ والأهم مصير المنطقة وحمايتها من الفوضي والاضطراب‏,‏ وأن يدرك الجميع أن الزمن الراهن أصبح زمنا لا يمكن أن تهرب خلاله من التزاماتك‏,‏ فقد أصبحت هتافات الشعوب والأمم والمؤسسات والمنظمات‏:‏ الآن‏..‏ الآن وليس غدا‏.‏
إذن فالاستحقاقات واجبة السداد سوف تدفع‏,‏ ولا سبيل إلي تأجيلها أو الهروب منها‏,‏ لأن الزمن أصبح لا يسير‏,‏ كما كان في الماضي‏,‏ في ركاب القادة والزعماء‏,‏ بل أصبح يسير علي رقابهم ثمن الأخطاء‏,‏ ليست الراهنة وحدها‏,‏ لكن القديمة كذلك‏,‏ ولذا وجب أن نري أحداث سوريا ولبنان برؤية كبيرة‏,‏ والصورة تكشف لنا أن الرئيس الحريري‏,‏ بالرغم من رحيله المدوي‏,‏ لايزال لاعبا رئيسيا وقائدا لبلاده‏,‏ فقد تجمع حوله ليست طائفته السنية اللبنانية فقط‏,‏ بل انتقل من رئاسة طائفته إلي شعبه‏,‏ حتي أصبح قائدا إقليميا‏,‏ مارس دوره في حياته‏,‏ وبعد مماته سار اللبنانيون خلف جثمانه‏,‏ إلي أن تحرر لبنان من أخطاء كثيرة‏,‏ وفرض مناخ رحيله علي السوريين أن يسارعوا بترك لبنان‏.‏
وكان ذلك موقفا أسطوريا‏,‏ وجثمان الحريري ورحيله المفجع‏,‏ أقوي من القرار‏1559,‏ الصادر من الأمم المتحدة والذي تقف وراءه أمريكا وفرنسا‏,‏ ولم تستطع الدول العظمي فرض تنفيذ القرار‏,‏ لكن الرحيل المفجع هيأ الظروف ووحد الشعب نحو التحرير ورحيل السوريين‏,‏ وفي غمرة الرحيل ومع ضعف الحكومة اللبنانية‏,‏ فإن رئيس الحكومة عمر كرامي صعد بقرار الاستقالة ليرضي ضميره‏,‏ وكان قراره متميزا‏,‏ وإذا كان لم يستطع أن يكون زعيما وهو رئيس‏,‏ فقد وصل إلي مكانة عالية وهو يستقيل‏,‏ لأن قراره حفظ ماء الوجه‏,‏ وعلينا هنا أن نحترم قراره‏,‏ كما نحترم ونقدر قرار الرئيس السوري بشار الأسد بخروج القوات السورية وتحرير لبنان في الوقت المناسب‏.‏
من هنا نري أن القرارات ومخاطرها تتكرر من الحريري إلي عمر كرامي‏,‏ ثم إلي بشار الأسد‏,‏ الذي أدرك أنه يجب أن يرسل رسائل عديدة إلي الجميع‏,‏ إلي اللبنانيين أولا‏,‏ ليقول لهم‏:‏ إنه ليس جيش احتلال‏,‏ وأنه جاء لمهمة وعندما أدرك أنها انتهت وأن هناك انقساما حولها اتخذ قراره‏,‏ وإلي السوريين ثانيا حيث يقول‏:‏ إنكم يجب أن تحافظوا علي علاقات قوية مع اللبنانيين‏,‏ وهناك طرق شتي ليس من بينها الاحتلال أو المخابراتية‏.‏
وقد كشفت التطورات المتلاحقة في لبنان صحة القرار السوري‏,‏ فالمظاهرات التي خرجت خلف حسن نصر الله‏,‏ زعيم حزب الله‏,‏ ردت الكثير من الاعتبار إلي سوريا‏,‏ لكن حزب الله لم يستطع أن يخرج بهذه الصورة القوية‏,‏ إلا خلف الأعلام اللبنانية التي تحترم كل الطوائف‏,‏ وتحترم الدولة التي يعيش الحزب في ظلها‏,‏ كما أنه لم يستطع أن يستعرض قوته إلا بعد أن هدأت الأمور في لبنان‏,‏ واستقرت المشاعر‏,‏ واعترف السوريون علي لسان رئيسهم بأخطائهم‏,‏ وأن الانسحاب العسكري والمخابراتي أصبح حقيقة‏.‏
وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة لدي الرئيس نصر الله‏,‏ وطائفته الشيعية‏,‏ فهو جزء من الكل‏,‏ وإذا كان للكل أن يقفوا مع الجزء حتي ولو كان قويا‏,‏ فإنهم يجب أن يحترموا كل المشاعر والفئات الأخري‏,‏ لبنان للجميع‏,‏ ومظاهراته وحيوية شعبه حقيقة أثبتتها كل القوي السياسية المختلفة‏.‏
وبقي علي الزعماء‏,‏ أن يدركوا حقائق العصر وديمقراطية لبنان‏,‏ وحماية المقاومة وحزب الله لن تكون بالاعتماد علي القوة العسكرية للحزب أو علي قدرته علي الحشد‏,‏ ولكن بقدرته علي أن يتعلم السياسة وحماية الأحزاب والقوي والطوائف السياسية الأخري‏.‏
وقوة حزب الله وزعيمه حسن نصر الله هي في الاستمرار‏,‏ وأن يكونوا قوة للأهداف اللبنانية وعروبة لبنان‏,‏ ولا يلعبوا لعبة قوي قادمة من خارج لبنان‏.‏
نعم لبنان تحرر من الخوف‏,‏ وانعتق من الاحتلال‏,‏ ويجب أن تنتبه كل الطوائف إلي أن هناك مخاطر كثيرة تكتنف لبنان‏,‏ فالتحرير وانسحاب سوريا ليسا نهاية المطاف‏.‏
أما أمريكا وفرنسا والعرب‏,‏ فيجب أن يساعدوا اللبنانيين ولا يتدخلوا في شئونهم‏,‏ بل يتركوا للجميع حرية العمل باحترام المؤسسات‏,‏ ويدركوا أن عملية السلام الإقليمي لا يمكن أن تمتد إلي لبنان وحده بدون سوريا‏,‏ فهما بلدان ملتزمان ومتفقان معا وحدودهما مختلطة‏.‏
وأمريكا تحديدا عليها أن تتوقف عن التهديد‏,‏ وتقوم بدلا من ذلك بدفع إسرائيل إلي السلام الإقليمي ككل‏,‏ ولتنسحب من كل الحدود‏,‏ وتحترم كل البلاد والأديان الأخري‏,‏ لقد وصلنا جميعا إلي مفترق طرق‏,‏ وحركة الشعوب لن تتوقف‏,‏ فليحترم الجميع حقوق هذه الشعوب‏,‏ ويجب أن يتوقف الاعتماد علي القوة وحدها‏,‏ فهي لا تصنع السلام والاستقرار‏,‏ ولا تساعد في الحرب علي الإرهاب‏,‏ فهذا الإرهاب سوف يختفي بوقف الحروب واستخدام القوة وتهميش الضعفاء‏,‏ فالكل يجب أن يشارك وتلك أولي أولويات الديمقراطية التي يسعون إليها‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا