
|
أول الكلام
من الحريري إلي كرامي والأسد ونصر الله |
 | |
أسامة سرايا ما يحدث في قلب الشام بين سوريا ولبنان, ليس لعبة سياسية عادية, لأنها في غاية التعقيد, ولن تكون تداعياتها إقليمية فقط, إنما عالمية, الأخذ بها معيارا في المستقبل, يشكل مخاطر كبيرة, فهي لعبة الأمم الجديدة, وإدارتها تحتاج إلي حنكة سياسية, فمن خلالها قد نعرف كيف يفكر اللاعبون الآخرون ونظائرهم. فالوضع في سوريا ولبنان يكاد يكون متكررا, ونسخة بالكربون في كل البلاد العربية الأخري, والرؤية السياسية الحاكمة في هذا البلد أو ذاك يمكن أن تدفع بصاحبها أو لاعبها الرئيسي إلي مصاف الزعماء الملهمين الذين يدخلون التاريخ, أو إلي حافة الاتهام, فيتحولون إلي المحاكمات. والخطورة هنا أنهم لن يحاسبوا علي ما فعلوه فقط, ولكنهم قد يحاسبون علي ما فعله الآخرون من جماعتهم, وتتحول حياتهم إلي أزمة كارثية كبيرة, وإذا كان الزعماء أو القادة أو معاونوهم وأعوانهم هم الذين يدفعون ثمن أخطاء قراراتهم لهان الأمر, ولكن مبعث الخطورة أن هناك شعوبا وأمما تمشي وراء قادتها وزعمائها, وهم جميعا يدفعون الثمن, وينحرفون معهم إلي المجهول. لذلك وجب علي كل قائد أو رئيس أو زعيم, أن يفكر, ليس مرتين فقط, ولكن أن يضع نصب عينيه مستقبل شعبه, ومن يتعلق مصيره في رقبته, والأهم مصير المنطقة وحمايتها من الفوضي والاضطراب, وأن يدرك الجميع أن الزمن الراهن أصبح زمنا لا يمكن أن تهرب خلاله من التزاماتك, فقد أصبحت هتافات الشعوب والأمم والمؤسسات والمنظمات: الآن.. الآن وليس غدا. إذن فالاستحقاقات واجبة السداد سوف تدفع, ولا سبيل إلي تأجيلها أو الهروب منها, لأن الزمن أصبح لا يسير, كما كان في الماضي, في ركاب القادة والزعماء, بل أصبح يسير علي رقابهم ثمن الأخطاء, ليست الراهنة وحدها, لكن القديمة كذلك, ولذا وجب أن نري أحداث سوريا ولبنان برؤية كبيرة, والصورة تكشف لنا أن الرئيس الحريري, بالرغم من رحيله المدوي, لايزال لاعبا رئيسيا وقائدا لبلاده, فقد تجمع حوله ليست طائفته السنية اللبنانية فقط, بل انتقل من رئاسة طائفته إلي شعبه, حتي أصبح قائدا إقليميا, مارس دوره في حياته, وبعد مماته سار اللبنانيون خلف جثمانه, إلي أن تحرر لبنان من أخطاء كثيرة, وفرض مناخ رحيله علي السوريين أن يسارعوا بترك لبنان. وكان ذلك موقفا أسطوريا, وجثمان الحريري ورحيله المفجع, أقوي من القرار1559, الصادر من الأمم المتحدة والذي تقف وراءه أمريكا وفرنسا, ولم تستطع الدول العظمي فرض تنفيذ القرار, لكن الرحيل المفجع هيأ الظروف ووحد الشعب نحو التحرير ورحيل السوريين, وفي غمرة الرحيل ومع ضعف الحكومة اللبنانية, فإن رئيس الحكومة عمر كرامي صعد بقرار الاستقالة ليرضي ضميره, وكان قراره متميزا, وإذا كان لم يستطع أن يكون زعيما وهو رئيس, فقد وصل إلي مكانة عالية وهو يستقيل, لأن قراره حفظ ماء الوجه, وعلينا هنا أن نحترم قراره, كما نحترم ونقدر قرار الرئيس السوري بشار الأسد بخروج القوات السورية وتحرير لبنان في الوقت المناسب. من هنا نري أن القرارات ومخاطرها تتكرر من الحريري إلي عمر كرامي, ثم إلي بشار الأسد, الذي أدرك أنه يجب أن يرسل رسائل عديدة إلي الجميع, إلي اللبنانيين أولا, ليقول لهم: إنه ليس جيش احتلال, وأنه جاء لمهمة وعندما أدرك أنها انتهت وأن هناك انقساما حولها اتخذ قراره, وإلي السوريين ثانيا حيث يقول: إنكم يجب أن تحافظوا علي علاقات قوية مع اللبنانيين, وهناك طرق شتي ليس من بينها الاحتلال أو المخابراتية. وقد كشفت التطورات المتلاحقة في لبنان صحة القرار السوري, فالمظاهرات التي خرجت خلف حسن نصر الله, زعيم حزب الله, ردت الكثير من الاعتبار إلي سوريا, لكن حزب الله لم يستطع أن يخرج بهذه الصورة القوية, إلا خلف الأعلام اللبنانية التي تحترم كل الطوائف, وتحترم الدولة التي يعيش الحزب في ظلها, كما أنه لم يستطع أن يستعرض قوته إلا بعد أن هدأت الأمور في لبنان, واستقرت المشاعر, واعترف السوريون علي لسان رئيسهم بأخطائهم, وأن الانسحاب العسكري والمخابراتي أصبح حقيقة. وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة لدي الرئيس نصر الله, وطائفته الشيعية, فهو جزء من الكل, وإذا كان للكل أن يقفوا مع الجزء حتي ولو كان قويا, فإنهم يجب أن يحترموا كل المشاعر والفئات الأخري, لبنان للجميع, ومظاهراته وحيوية شعبه حقيقة أثبتتها كل القوي السياسية المختلفة. وبقي علي الزعماء, أن يدركوا حقائق العصر وديمقراطية لبنان, وحماية المقاومة وحزب الله لن تكون بالاعتماد علي القوة العسكرية للحزب أو علي قدرته علي الحشد, ولكن بقدرته علي أن يتعلم السياسة وحماية الأحزاب والقوي والطوائف السياسية الأخري. وقوة حزب الله وزعيمه حسن نصر الله هي في الاستمرار, وأن يكونوا قوة للأهداف اللبنانية وعروبة لبنان, ولا يلعبوا لعبة قوي قادمة من خارج لبنان. نعم لبنان تحرر من الخوف, وانعتق من الاحتلال, ويجب أن تنتبه كل الطوائف إلي أن هناك مخاطر كثيرة تكتنف لبنان, فالتحرير وانسحاب سوريا ليسا نهاية المطاف. أما أمريكا وفرنسا والعرب, فيجب أن يساعدوا اللبنانيين ولا يتدخلوا في شئونهم, بل يتركوا للجميع حرية العمل باحترام المؤسسات, ويدركوا أن عملية السلام الإقليمي لا يمكن أن تمتد إلي لبنان وحده بدون سوريا, فهما بلدان ملتزمان ومتفقان معا وحدودهما مختلطة. وأمريكا تحديدا عليها أن تتوقف عن التهديد, وتقوم بدلا من ذلك بدفع إسرائيل إلي السلام الإقليمي ككل, ولتنسحب من كل الحدود, وتحترم كل البلاد والأديان الأخري, لقد وصلنا جميعا إلي مفترق طرق, وحركة الشعوب لن تتوقف, فليحترم الجميع حقوق هذه الشعوب, ويجب أن يتوقف الاعتماد علي القوة وحدها, فهي لا تصنع السلام والاستقرار, ولا تساعد في الحرب علي الإرهاب, فهذا الإرهاب سوف يختفي بوقف الحروب واستخدام القوة وتهميش الضعفاء, فالكل يجب أن يشارك وتلك أولي أولويات الديمقراطية التي يسعون إليها.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|