417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

خلد طه حسين وعبد الناصر والسادات

أيام زكي وحليم

علا الشافعي


كان حلمه الذي ظل يرواده إلي أن حقق جزءا منه‏,‏ هو تصوير فيلم عن حياة عبدالحليم حافظ‏,‏ ونجح رغم آلامه في تصوير جزء كبير من المشاهد المهمة بالفيلم‏,‏ وكل الأغاني التي تدور من خلالها دراما الفيلم‏.‏
ويبدأ المشهد الافتتاحي لفيلم حليم‏..‏ صورة شعب مع مشهد وفاة عبدالحليم عندما أتاه النزيف الحاد وانفجار الشعيرات الدموية بالمعدة في مستشفي بلندن‏,‏ ومع معاناة مشهد الموت‏,‏ يسترجع حليم شريط وفلاشات من طفولته ومشواره الفني شديد الثراء ولحظة موته شاركه فيها شحاتة ابن خالته والذي يجسد شخصيته في الفيلم الفنان كمال سليمان‏,‏ وشريط الذكريات يأتينا في الفيلم بلسان حليم ـ أحمد زكي ـ وهو يروي حياته للمذيع اللامع وجدي الحكيم ـ وجلال معوض ـ وهذا ما حدث في الواقع‏..‏ ويجسد الفنان السوري جمال سليمان شخصية المحاور‏,‏ يتذكر حليم‏
القرية‏,‏ بداية علاقته بمدينة القاهرة‏,‏ والموسيقي‏,‏ وكيف شكل ثورة في عالم الغناء هو وزملاؤه من الملحنين والشعراء‏,‏ وعلاقاته النسائية‏.‏ زكي انتهي من تصوير أغنية رسالة من تحت الماء‏,‏ موعود‏,‏ قارئة الفنجان‏,‏ والتي يمتزج جزء من مقاطعها‏..‏ مع مشهد الموت‏..‏
المخرج شريف عرفة‏..‏ قام بمونتاج بعض المشاهد التي أنهي زكي تصويرها وكان يرغب في رؤيتها بالمستشفي حيث صرح لكل المقربين له بأن أمنية حياته أن يستطيع إنجاز الفيلم بالكامل ويشاهده‏!!‏
لماذا‏..‏ حليم

قد نشعر بالدهشة من كم التفاصيل التي تربط أحمد زكي في الواقع بعبد الحليم حافظ‏,‏ وقد تكون كلمة الدهشة غير كافية للتعبير عن هذه الحالة‏..‏ التي تتشابك فيها التفاصيل‏..‏ وتتماس فيها العلاقات‏..‏ بل النظرة نفسها للحياة فأي قدر جمع الاثنين‏!!‏
وقد يكون التماس بينهما‏..‏ هو الذي جعل أحمد زكي‏..‏ يصر ويحلم بإنجاز مشروع عن عبدالحليم حافظ الذي يشبهه كثيرا‏.‏
أيام السادات 2002
وإذا كان د‏.‏ ماكبث أحد الأطباء الذين كانوا يعالجون حليم وبالتحديد يقوم بعملية الحقن للشعيرات الدموية بالمعدة‏,‏ قد ردد علي حليم جملة‏..‏ العذاب الكبير دائما ابن أخطاء صغيرة لم يلتفت لها الإنسان‏..‏ وكان يقصد في حالة حليم استحمامه في الترعة‏,‏ والتي أدت إلي إصابته بالبلهارسيا‏,‏ ولكن أية أخطاء صغيرة ارتكبها أحمد زكي؟‏!‏ هل عشقه للتمثيل إلي حد الذوبان خطأ؟‏!‏ أم تحامله علي نفسه والعمل المستمر والمتواصل أنهكه ربما هذا أو ذاك ولكن لماذا كتب عليه أن يعيش العذاب‏,‏ الكبير‏,‏ تماما‏,‏ مثلما عاشه حليم‏,‏ وقد تكون كلمة الشاعر سيد حجاب والتي تغني بها المطرب علي الحجار في مسلسل الأيام تحمل جوابا للأسف ليس شافيا‏,‏ بل موجعا ليه أجمل ولاد الحياة من بدري بيموتوا‏.‏
الكثير من الناس ولدوا في محافظة واحدة‏..‏ ولكن القليل أجمع علي حبهم الناس‏..‏ والأندر هم الذين يغيرون في البشر ويتشابهون إلي هذه الدرجة‏,‏ فأحمد زكي ليس فقط ابن المحافظة التي ولد فيها عبدالحليم حافظ الشرقية ولكن الاثنين عانيا الحرمان‏..‏ وظلا طوال حياتهما يبحثان عن الحنان وعن الحضن الدافيء‏,‏ نفس الألم من اليتم‏,‏ الأم وما تمثل من مفتاح لشخصية كل منهما‏.‏
نظرة حزينة من عين الأم هو كل ما يتذكره أحمد زكي من لقائه الأول بأمه وهو في سن السابعة من عمره‏,‏ ونظرة حزينة من عين والده هي التي ظل حليم يتذكرها ويستدعيها طوال عمره‏..‏ فالأب كان حزينا علي رحيل الأم وهذا الطفل الرضيع‏.‏
ولكن ظلت الأم هي الوجع‏,‏ فحليم عاني من فراقها‏,‏ لأن الكثير حملوه سبب موتها وهي تلده؟‏!‏ وزكي بعد وفاة والده قام أهل أمه بتزويجها فهي فلاحة صغيرة في السن ويخشي عليها لذلك قام بتربيته جده‏,‏ أما حليم فقام خاله بتربيته‏.‏
الاثنان عاشا لفترة بملجأ في الزقازيق والأهم أنهما لم ينطقا أبدا جملة بابا‏,‏ ماما‏,‏ وما أصعب علي طفل بأن يحيا بدون نطق كلمة واحدة‏,‏ فما بالك بالاثنتين؟‏!‏
والاثنان‏..‏ قد نزلا إلي نفس الترعة وأصيبا بالبلهارسيا‏..‏ كما علق أحمد زكي في الحفلة الافتتاحية لفيلم حليم‏.‏
أرض الخوف 2000
في دراستيهما الابتدائية‏..‏ كانا شديدي التفوق ويملكان موهبة التمثيل والغناء أحمد زكي‏..‏ أنهي دراسته في معهد الفنون المسرحية قسم تمثيل وإخراج بتقدير امتياز وكذلك حليم‏..‏ بمعهد الموسيقي المسرحية‏.‏
القاهرة بالنسبة لأحمد زكي‏..‏ كانت مثل الحجاز يتمني أن يحج إليها ليصبح ممثلا‏,‏ ويري مثله الأعلي رشدي أباظة‏,‏ أما بالنسبة لحليم‏..‏ فكانت الموسيقي وعبدالوهاب‏.‏
حليم منذ طلته الأولي علي المسرح‏..‏ أكد علي أن هناك ثورة قادمة‏,‏ وولد غنائيا مع مولد ثورة يوليو‏..‏ تعذب وعاني كثيرا من كونه نموذجا مختلفا عن السائد ورفض تقليد عبدالوهاب وصمم علي غناء أغانيه بطريقته لذلك شكل ثورة حقيقية في عالم الغناء‏,‏ وغير الكثير من القواعد بدءا من وقفته علي المسرح وتجاوبه مع الجمهور‏,‏ وصولا إلي الأشكال الموسيقية‏..‏ هو وزملاؤه كمال الطويل والموجي‏,‏ ومرسي جميل عزيز وبليغ حمدي‏.‏
نفس الحال بالنسبة لأحمد زكي فبعد تألقه في فيلم شفيقة و متولي وعيون لا تنام شكل ثورة في مقاييس نجم الشباك وفتي الأحلام‏..‏ والأداء التمثيلي الذي يضاهي النجوم العالميين‏,‏ وفي الثمانينيات أكد هو وزملاؤه من المخرجين وكتاب السيناريو‏.‏ علي ما يسمي بتيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية فمولده وتألقه كنجم تواكب مع جيل خيري بشارة‏,‏ داود عبدالسيد‏,‏ محمد خان‏..‏ والذين أثروا السينما المصرية بأفلام شديدة التميز شكلت ثورة علي سينما البكيني والصالونات في السبعينيات‏.‏
ترك عبدالحليم تراثا غنائيا يبلغ‏170‏ أغنية وهو تراث شديد الثراء والتنوع ما بين الرومانسي والسياسي والإيقاعي والدرامي‏,‏ والديني‏..‏ وأحمد زكي قدم للسينما إنجازا مماثلا فأفلامه التي تصل إلي‏56‏ فيلما تنوعت ما بين الأفلام الاجتماعية‏,‏ والكوميدية‏,‏ والسيرة الذاتية والسياسية‏,‏ والرومانسية والأكشن‏..‏ وطوال مشواره الفني كان حريصا علي أن يصنع أفلاما للتاريخ وأخري للنجومية ولإسعاد الجمهور‏.‏
لذلك تألق أحمد زكي في تقديم الشخصيات المتباينة شديدة التنوع والثراء وقد يكون الوحيد بين أبناء جيله الذي يملك هذا التنوع في تاريخه‏..‏ فنحن نراه صعلوك في أحلام هند وكامليا‏,‏ والفلاح الساذج‏,‏ في البريء‏,‏ ابن الحي الذي يهوي ويحلم بالتحقق ولكن خجله يمنعه في كابوريا ضابط المباحث القاسي في فيلم زوجة رجل مهم والذي لا يوجد مكان في قلبه للعاطفة‏,‏ وهو إسماعيل في عيون لا تنام والتي صرح عن اعتزازه الشخصي بهذه الشخصية المليئة بالأحاسيس المتناقضة والمركبة فهو الولد العدواني الكريم جدا‏,‏ وعندما يشعر بالحب يعود طفلا شديد البراءة‏,‏ ولكن عندما يري المال يتوحش‏.‏
ودائما ما كان زكي يردد‏..‏ بأن الشخصيات في حياتنا والتي يراقبها ويختزن كل تفاصيلها هي شخصيات رمادية ليست بيضاء وليست سوداء فهي ليست خيرة تماما ولا شريرة تماما‏..‏ ونفس الوصف ذكره حليم‏..‏ فهو أيضا كان يحب البشر كبشر‏..‏ ويري نفسه بنفس المواصفات‏.‏
علي المستوي الإنساني كان حليم طفلا انطوائيا يراقب أكثر ما يحدث‏..‏ ونفس المعني حمله حوار لأحمد زكي حيث يروي بأنه عندما كان طالبا في مدرسة الزقازيق الثانوية وكنت منطويا جدا‏..‏ الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة‏,‏ تصرفات الناس‏,‏ ابتساماتهم سكوتهم دوما أراقب العالم‏.‏ الاثنان يملكان رصيدا من العلاقات المتوترة وغير المكتملة مع النساء زكي أحب وتزوج من الفنانة هالة فؤاد‏..‏ ولم يستطع الحفاظ علي علاقته بها‏..‏ وظل طوال الوقت يردد بأنه أضاعها‏,‏ حليم اختفي عنه حب عمره ديدي الألفي‏..‏ وقصص لم تكتمل مع سعاد حسني وغيرها‏,‏ ماتت هالة فؤاد بلوكيميا الدم‏,‏ وديدي بمرض خطير ونادر في المخ‏.‏
الاثنان امتلكا الموهبة النادرة‏,‏ الحضور‏,‏ الكاريزما‏,‏ الدأب علي العمل والإنجاز ونفس العذاب والمعاناة من المرض‏..‏ حليم اشتد مرضه في شهر مارس وكذلك أحمد زكي‏.‏ ولا نملك إلا أن نقول له‏..‏ أغنيته التي تغني بها في هستريا‏..‏ إن ما قدرتش تضحك‏,‏ ما تدمعش ولا تبكيش‏,‏ وإن ما فضلش معاك غير قلبك أوعي تخاف مش هتموت هتعيش‏*‏