417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

وقرن في بيوتكن‏:‏آية كريمة خاصة بنساء النبي

ليست كل امرأة قادرة علي عبء العمل السياسي

إعداد‏:‏ د‏.‏ حسن علي دبا
‏hassandaba@hotmail.com‏


إذا بلغت المرأة سنا وتجربة وبلا أعباء فما الذي يمنع توليها العمل السياسي؟
‏*‏ انشغل الرأي العام في فترات متكررة بشأن إمكانية تولي المرأة المسئولية في العمل السياسي‏,‏ وكان إرجاع الأمر إلي الدين سببا أساسيا لهذا التوجه نحو المنع‏:‏هل طبيعة المرأة وفطرتها التي فطرها الله عليها تحول دون ممارستها العمل السياسي؟ وهل يفهم من الآية الكريمة‏(‏ وقرن في بيوتكن‏)‏ ألا يكون للمرأة أية مسئولية في الشأن السياسي؟ أم أن الآية لها فهومات أخري؟ هذا ما سوف تتمحور حوله إجابات الفقيه الوسطي د‏.‏ يوسف القرضاوي علي أسئلة القراء هذا الاسبوع قال‏:‏ الأمر في هذا الشأن يرجع إلي فتوي صدرت قديما لبعض علماء الأزهر و انتهت إلي تحريم الحقوق السياسية كلها علي المرأة‏,‏ وأولها حق الانتخاب‏,‏ والشهادة لمرشح بقول‏'‏ نعم‏'‏ أو‏'‏ لا‏',‏ ومن باب أولي منعها عن الترشيح للمجالس النيابية‏,‏ ما دامت قد منعت من مجرد التصويت‏.‏ ومما استندت إليه فتوي هؤلاء المانعين للمرأة من مزاولة الحقوق السياسية قولهم‏:‏ إن المرأة بمقتضي الخلق والتكوين مطبوعة علي غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها‏,‏ وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربيته‏,‏ وهذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة‏.‏ ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل علي أن شدة الانفعال والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها‏.‏ فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمي بيئة نسوية إلي تغليب العاطفة علي مقتضي العقل والحكمة‏.‏
وآيات من سورة الأحزاب‏:‏ تشير إلي ما كان من نساء النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وتطلعهن إلي زينة الدنيا ومتعتها‏,‏ ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما آتاه الله من الغنائم حتي يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم‏.‏ لكن القرآن قد ردهن إلي مقتضي العقل والحكمة في ذلك‏:'‏ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا‏.‏ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما‏'.‏
‏(‏ الأحزاب‏:29).‏ وآية أخري من سورة التحريم‏:‏ تتحدث عن غيرة بعض نسائه عليه الصلاة والسلام وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة علي العقل‏,‏ مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به علي الرسول‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-,‏ وقد ردهن القرآن إلي الجادة‏:'‏ إن تتوبا إلي الله فقد صغت قلوبكم وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير‏'.(‏ التحريم‏:4).‏
‏*‏ إذن هذه هي المرأة في أسمي البيئات النسوية لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة؟
هذا ما ذكره من ذكره في شأن نساء النبي‏.‏ ولكن فاته أن يذكر أنهن‏-‏ حين خيرن‏-‏ اخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة‏.‏ علي أن تطلعهن إلي الزينة ومتاع الحياة كسائر النساء وبخاصة نساء العظماء‏,‏ لا يدل علي قصور عقولهن‏,‏ ولا عدم صلاحيتهن للتفكير في الأمور العامة‏,‏ بل هو تطلع بحكم الفطرة البشرية‏,‏ والطبيعة النسوية‏,‏ سرعان ما تقشعت سحابته عندما نزلت آية التخيير‏.‏ وهل برئ الرجال تماما من مثل هذه المواقف التي يركنون فيها فترة إلي الدنيا‏,‏ ثم تدركهم الصحوة‏,‏ حينما ينبههم الوحي إلي خطئهم أو غفلتهم ؟‏.‏ ألم يقل القرآن في شأن الصحابة مخاطبا الرسول الكريم‏:'‏ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين‏'.‏
‏(‏ الجمعة‏:11).‏ ألم ينزل الله تعالي عقب غزوة أحد آيات يعاتب فيها أصحاب رسوله‏-‏ أفضل أجيال البشر‏-‏ علي ما بدر منهم من عصيان أمره‏,‏ وترك مواقعهم والنزول لجمع الغنائم‏....‏ مما كان من عواقبه ما كان ؟ يقول عز وجل‏:'‏ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتي إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة‏'.(‏ آل عمران‏:152).‏ قال ابن مسعود‏:'‏ ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا‏,‏ حتي نزلت هذه الآية‏'!.‏ هل يمكن أن يؤخذ من مثل هذه المواقف التي يضعف فيها بعض الرجال الأخيار وتغلب فيها أهواؤهم عقولهم‏:‏ أن الرجال لا يصلحون للمهمات الكبار؟‏!.‏
وفي غزوة بدر يسجل القرآن علي بعض المؤمنين مثل هذه المواقف قبل المعركة وبعدها‏,‏ يقول تعالي‏:'‏ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون‏.‏ يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلي الموت وهم ينظرون‏.‏ وإذ يعدكم الله إحدي الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم‏..'.(‏ الأنفال‏:5-7).‏ وبعد المعركة يقول في شأن موقفهم من الأسري‏:'‏ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم‏.‏ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏'.(‏ الأنفال‏:68,67).‏ إن الضعف البشري يعتري الرجال والنساء جميعا‏,‏ والعبرة بالعاقبة‏.‏
‏*‏ هل خلا التاريخ من نماذج استطاعت القيام بالفعل السياسي مما يدحض النظرة المانعة للمرأة من ممارسة العمل السياسي؟
يذكر هنا مشورة أم سلمة للنبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ في يوم الحديبية‏,‏ وقد كان من ورائها الخير والمصلحة‏.‏ ويذكر ما ذكره القرآن عن امرأة حكمت قومها بالعقل‏,‏ وساستهم بالحكمة وقادتهم في أحرج الأوقات إلي ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة‏..‏ ألا وهي ملكة سبأ‏,‏ التي لخصت لقومها ما يصنعه الفاتحون المستعمرون إذا دخلوا بلدا بعبارة في غاية الوجازة والبلاغة‏:'‏ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة‏'.(‏ النمل‏:34).‏
العوارض الطبيعية للمرأة
‏*‏ الا تكون العوارض الطبيعية للمرأة مؤثرة في استعدادها للعمل السياسي؟
يستند المانعون للنساء من التشريع بأن المرأة تعرض لها عوارض طبيعية من الدورة الشهرية وآلامها‏,‏ والحمل وأوجاعه‏,‏ والولادة وأسقامها‏,‏ والإرضاع ومتاعبه‏,‏ والأمومة وأعبائها‏....‏ كل هذا مما يجعلها غير قادرة بدنيا ولا نفسيا ولا فكريا‏,‏ علي تحمل تبعة العضوية في مجلس يسن القوانين‏,‏ ويراقب الحكومة‏.‏ ونقول‏:‏ إن هذا صحيح‏,‏ وليست كل امرأة صالحة للقيام بعبء النيابة‏,‏ فالمرأة المشغولة بالأمومة ومتطلباتها لن تزج بنفسها في معترك الترشيح لهذه المهام‏,‏ ولو فعلت لكان علي الرجال والنساء أن يقولوا لها‏:‏ لا‏..‏ أطفالك أولي بك‏.‏
‏*‏ لكن‏:‏ كيف يكون هذا المنطق مع من لم ترزق أطفالا أو بلغت سنا خارج نطاق تلك العوارض؟
المرأة التي لم ترزق الأطفال وعندها فضل قوة ووقت وعلم وذكاء‏,‏ والمرأة التي بلغت الخمسين أو قاربت‏,‏ ولم تعد تعرض لها العوارض الطبيعية المذكورة‏,‏ وتزوج أبناؤها وبناتها‏,‏ وبلغت من نضج السن والتجربة ما بلغت‏,‏ وعندها من الفراغ ما يمكن أن تشغله في عمل عام‏,‏ ما الذي يمنع من انتخاب مثلها في مجلس نيابي‏,‏ إذا توافرت فيها الشروط الأخري‏,‏ التي يجب أن تتوفر في كل مرشح‏,‏ رجلا كان أو امرأة ؟
‏*‏ لكن الآية‏:'‏ وقرن في بيوتكن‏':‏ يستدل بها علي منع المرأة من الترشيح للانتخاب؟
من المعلوم الذي لا ينازع فيه أحد أن الآية خطاب لنساء النبي‏,‏ كما يدل علي ذلك السياق‏.‏ ونساء النبي لهن أحكام خاصة من حيث مضاعفة العذاب لمن تأتي بفاحشة مبينة‏,‏ ومضاعفة الأجر لمن تعمل صالحا‏,‏ وتحريم نكاحهن بعد رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ وقد قال القرآن في نفس السياق‏:'‏ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء‏'.‏ ولهذا أجاز المسلمون من غير نكير للمرأة في عصرنا أن تخرج من بيتها للتعلم في المدرسة‏,‏ ثم في الجامعة‏,‏ وأن تذهب إلي السوق‏,‏ وأن تعمل خارج بيتها معلمة وطبيبة وممرضة‏,‏ وغير ذلك من الأعمال المشروعة‏,‏ في إطار الشروط والضوابط الشرعية‏.‏ والآية الكريمة‏:'‏ وقرن في بيوتكن‏'‏ لم تمنع أم المؤمنين‏,‏ أفقه نساء الأمة‏,‏ عائشة رضي الله عنها‏,‏ أن تخرج من بيتها‏,‏ بل من المدينة المنورة‏,‏ وأن تسافر إلي البصرة علي رأس جيش فيه الكثير من الصحابة‏,‏ وفيهم اثنان من العشرة المبشرين بالجنة‏,‏ ومن الستة المرشحين للخلافة‏,‏ أصحاب الشوري‏:‏ طلحة والزبير‏,‏ تطالب بما تعتقد أنه حق وصواب‏,‏ من المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه‏.‏ وما يقال من أنها ندمت علي هذا الخروج‏,‏ فهذا ليس لأن خروجها كان غير مشروع‏,‏ بل لأن رأيها في السياسة كان خطأ‏.‏ وهذا أمر آخر‏.‏