
|
وقرن في بيوتكن:آية كريمة خاصة بنساء النبي
ليست كل امرأة قادرة علي عبء العمل السياسي |
إعداد: د. حسن علي دبا hassandaba@hotmail.com إذا بلغت المرأة سنا وتجربة وبلا أعباء فما الذي يمنع توليها العمل السياسي؟ * انشغل الرأي العام في فترات متكررة بشأن إمكانية تولي المرأة المسئولية في العمل السياسي, وكان إرجاع الأمر إلي الدين سببا أساسيا لهذا التوجه نحو المنع:هل طبيعة المرأة وفطرتها التي فطرها الله عليها تحول دون ممارستها العمل السياسي؟ وهل يفهم من الآية الكريمة( وقرن في بيوتكن) ألا يكون للمرأة أية مسئولية في الشأن السياسي؟ أم أن الآية لها فهومات أخري؟ هذا ما سوف تتمحور حوله إجابات الفقيه الوسطي د. يوسف القرضاوي علي أسئلة القراء هذا الاسبوع قال: الأمر في هذا الشأن يرجع إلي فتوي صدرت قديما لبعض علماء الأزهر و انتهت إلي تحريم الحقوق السياسية كلها علي المرأة, وأولها حق الانتخاب, والشهادة لمرشح بقول' نعم' أو' لا', ومن باب أولي منعها عن الترشيح للمجالس النيابية, ما دامت قد منعت من مجرد التصويت. ومما استندت إليه فتوي هؤلاء المانعين للمرأة من مزاولة الحقوق السياسية قولهم: إن المرأة بمقتضي الخلق والتكوين مطبوعة علي غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها, وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربيته, وهذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة. ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل علي أن شدة الانفعال والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها. فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمي بيئة نسوية إلي تغليب العاطفة علي مقتضي العقل والحكمة. وآيات من سورة الأحزاب: تشير إلي ما كان من نساء النبي- صلي الله عليه وسلم- وتطلعهن إلي زينة الدنيا ومتعتها, ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما آتاه الله من الغنائم حتي يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم. لكن القرآن قد ردهن إلي مقتضي العقل والحكمة في ذلك:' يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما'. ( الأحزاب:29). وآية أخري من سورة التحريم: تتحدث عن غيرة بعض نسائه عليه الصلاة والسلام وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة علي العقل, مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به علي الرسول- صلي الله عليه وسلم-, وقد ردهن القرآن إلي الجادة:' إن تتوبا إلي الله فقد صغت قلوبكم وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير'.( التحريم:4). * إذن هذه هي المرأة في أسمي البيئات النسوية لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة؟ هذا ما ذكره من ذكره في شأن نساء النبي. ولكن فاته أن يذكر أنهن- حين خيرن- اخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة. علي أن تطلعهن إلي الزينة ومتاع الحياة كسائر النساء وبخاصة نساء العظماء, لا يدل علي قصور عقولهن, ولا عدم صلاحيتهن للتفكير في الأمور العامة, بل هو تطلع بحكم الفطرة البشرية, والطبيعة النسوية, سرعان ما تقشعت سحابته عندما نزلت آية التخيير. وهل برئ الرجال تماما من مثل هذه المواقف التي يركنون فيها فترة إلي الدنيا, ثم تدركهم الصحوة, حينما ينبههم الوحي إلي خطئهم أو غفلتهم ؟. ألم يقل القرآن في شأن الصحابة مخاطبا الرسول الكريم:' وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين'. ( الجمعة:11). ألم ينزل الله تعالي عقب غزوة أحد آيات يعاتب فيها أصحاب رسوله- أفضل أجيال البشر- علي ما بدر منهم من عصيان أمره, وترك مواقعهم والنزول لجمع الغنائم.... مما كان من عواقبه ما كان ؟ يقول عز وجل:' ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتي إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة'.( آل عمران:152). قال ابن مسعود:' ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا, حتي نزلت هذه الآية'!. هل يمكن أن يؤخذ من مثل هذه المواقف التي يضعف فيها بعض الرجال الأخيار وتغلب فيها أهواؤهم عقولهم: أن الرجال لا يصلحون للمهمات الكبار؟!. وفي غزوة بدر يسجل القرآن علي بعض المؤمنين مثل هذه المواقف قبل المعركة وبعدها, يقول تعالي:' كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلي الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدي الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم..'.( الأنفال:5-7). وبعد المعركة يقول في شأن موقفهم من الأسري:' تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم'.( الأنفال:68,67). إن الضعف البشري يعتري الرجال والنساء جميعا, والعبرة بالعاقبة. * هل خلا التاريخ من نماذج استطاعت القيام بالفعل السياسي مما يدحض النظرة المانعة للمرأة من ممارسة العمل السياسي؟ يذكر هنا مشورة أم سلمة للنبي- صلي الله عليه وسلم- في يوم الحديبية, وقد كان من ورائها الخير والمصلحة. ويذكر ما ذكره القرآن عن امرأة حكمت قومها بالعقل, وساستهم بالحكمة وقادتهم في أحرج الأوقات إلي ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.. ألا وهي ملكة سبأ, التي لخصت لقومها ما يصنعه الفاتحون المستعمرون إذا دخلوا بلدا بعبارة في غاية الوجازة والبلاغة:' قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة'.( النمل:34). العوارض الطبيعية للمرأة * الا تكون العوارض الطبيعية للمرأة مؤثرة في استعدادها للعمل السياسي؟ يستند المانعون للنساء من التشريع بأن المرأة تعرض لها عوارض طبيعية من الدورة الشهرية وآلامها, والحمل وأوجاعه, والولادة وأسقامها, والإرضاع ومتاعبه, والأمومة وأعبائها.... كل هذا مما يجعلها غير قادرة بدنيا ولا نفسيا ولا فكريا, علي تحمل تبعة العضوية في مجلس يسن القوانين, ويراقب الحكومة. ونقول: إن هذا صحيح, وليست كل امرأة صالحة للقيام بعبء النيابة, فالمرأة المشغولة بالأمومة ومتطلباتها لن تزج بنفسها في معترك الترشيح لهذه المهام, ولو فعلت لكان علي الرجال والنساء أن يقولوا لها: لا.. أطفالك أولي بك. * لكن: كيف يكون هذا المنطق مع من لم ترزق أطفالا أو بلغت سنا خارج نطاق تلك العوارض؟ المرأة التي لم ترزق الأطفال وعندها فضل قوة ووقت وعلم وذكاء, والمرأة التي بلغت الخمسين أو قاربت, ولم تعد تعرض لها العوارض الطبيعية المذكورة, وتزوج أبناؤها وبناتها, وبلغت من نضج السن والتجربة ما بلغت, وعندها من الفراغ ما يمكن أن تشغله في عمل عام, ما الذي يمنع من انتخاب مثلها في مجلس نيابي, إذا توافرت فيها الشروط الأخري, التي يجب أن تتوفر في كل مرشح, رجلا كان أو امرأة ؟ * لكن الآية:' وقرن في بيوتكن': يستدل بها علي منع المرأة من الترشيح للانتخاب؟ من المعلوم الذي لا ينازع فيه أحد أن الآية خطاب لنساء النبي, كما يدل علي ذلك السياق. ونساء النبي لهن أحكام خاصة من حيث مضاعفة العذاب لمن تأتي بفاحشة مبينة, ومضاعفة الأجر لمن تعمل صالحا, وتحريم نكاحهن بعد رسول الله- صلي الله عليه وسلم- وقد قال القرآن في نفس السياق:' يا نساء النبي لستن كأحد من النساء'. ولهذا أجاز المسلمون من غير نكير للمرأة في عصرنا أن تخرج من بيتها للتعلم في المدرسة, ثم في الجامعة, وأن تذهب إلي السوق, وأن تعمل خارج بيتها معلمة وطبيبة وممرضة, وغير ذلك من الأعمال المشروعة, في إطار الشروط والضوابط الشرعية. والآية الكريمة:' وقرن في بيوتكن' لم تمنع أم المؤمنين, أفقه نساء الأمة, عائشة رضي الله عنها, أن تخرج من بيتها, بل من المدينة المنورة, وأن تسافر إلي البصرة علي رأس جيش فيه الكثير من الصحابة, وفيهم اثنان من العشرة المبشرين بالجنة, ومن الستة المرشحين للخلافة, أصحاب الشوري: طلحة والزبير, تطالب بما تعتقد أنه حق وصواب, من المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه. وما يقال من أنها ندمت علي هذا الخروج, فهذا ليس لأن خروجها كان غير مشروع, بل لأن رأيها في السياسة كان خطأ. وهذا أمر آخر.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|