417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
لماذا لم تظهر مصر في مدريد؟‏!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


لدي مصر كثير من المقترحات المهمة التي كثيرا ما نرددها للدلالة علي سبقنا السياسي علي المستوي العالمي‏,‏ لكننا علي مستوي الواقع كثيرا ما نهملها ونادرا ما نسعي إلي تطبيقها حتي إنها في النهاية لا يبقي منها إلا الاستخدام في الإحراج الدبلوماسي والمحاجاة والمجادلة علي المستوي الدولي‏.‏ ومن الأمثلة علي ذلك اقتراح الرئيس مبارك عام‏1986‏ الخاص بعقد مؤتمر دولي للإرهاب‏,‏ واقتراحه عام‏1990‏ الخاص بإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية والنووية في الشرق الأوسط‏.‏ جاءت هذه الاقتراحات قبل وقت طويل من أحداث عالمية كبري غيرت تاريخ العالم‏,‏ ولو أخذتها الدول بالجدية اللازمة لما جري ما جري في منطقتنا‏,‏ ولا جري ما جري في مناطق كثيرة من العالم‏,‏ ولما تحدث أحد عن صراع الحضارات ولا عن أمور أخري كثيرة‏.‏
ولكن المشكلة لم تكن مشكلة العالم فقط‏,‏ بقدر ما كانت مشكلتنا أيضا‏,‏ فقد طرحنا هذه المبادرات‏,‏ واكتفينا بعدها بالسكوت أو تبكيت الدنيا بعد كل حادث بأنها لم تتنبه إلي ما طرحناه‏.‏ والأخطر من ذلك أنه بعد أن بدأ العالم في التحرك وقفنا بعيدا نراقب حركة الآخرين ونتوجس مما فيها خوفا من دس السم في العسل‏,‏ وكان نتيجة ذلك هو أن العالم لم يعد ينتظرنا‏,‏ وسارت حركته في الاتجاهات التي يقررها الأقوياء في عالمنا‏,‏ وببساطة فقدنا قوة المبادرة التي كانت كامنة في مقترحاتنا والتي تجعلنا قادرين علي التعريف والتحديد وتبيان الطرق والمسالك بالطريقة التي لا تتعارض مع مصالحنا‏.‏
ومناسبة الحديث هنا هي أنني تلقيت دعوة من نادي مدريد للمشاركة في القمة الدولية عن الديمقراطية والإرهاب والأمن‏,‏ وللحديث في جلسة خاصة عن الإرهاب والصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي‏,‏ وفي الحقيقة فإنني لم ألق اهتماما كبيرا لمسألة القمة الدولية هذه‏,‏ فقد اعتادت الجمعيات الأهلية الدولية فضلا عن دول العالم المختلفة علي إطلاق مسميات فخمة عن المؤتمرات التي تعقدها‏,‏ لكن المسألة أخذت شكلا آخر عندما وصلت إلي مدريد مساء الاثنين السابع من مارس الجاري‏,‏ حينما وجدت نفسي أمام تظاهرة عالمية بمناسبة مرور عام علي أكبر حدث إرهابي في التاريخ الأسباني والأوروبي المعاصر‏.‏ ففي يوم‏11‏ مارس‏2004,‏ وفي ساعة الذروة للمواصلات العامة في العاصمة الأسبانية مدريد انفجرت عشر قنابل في أربعة قطارات‏,‏ توفي بسببها‏190‏ شخصا وجرح ألفان في واحدة من أبشع العمليات الإرهابية منذ الحادث الأعظم في‏11‏ سبتمبر‏.2001‏
هذه التظاهرة التي تحدث فيها الملك خوان كارلوس‏,‏ كانت من جانب معبرة عن تعاطف العالم مع الضحايا الأسبان من ناحية ومع أسبانيا الدولة من ناحية أخري‏,‏ ولذلك فقد حرص عدد غير قليل من الدول علي المشاركة في المؤتمر علي مستويات رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو نواب لرئيس الجمهورية أو لرئيس الوزراء أو وزراء للخارجية‏.‏ ولم يكن هؤلاء قادمين فقط من دول الاتحاد الأوروبي المشاركين لأسبانيا في الاتحاد‏,‏ وإنما جاءوا من دول طامحة في دخول الاتحاد الأوروبي مثل تركيا التي مثلها طيب أردوغان‏,‏ رئيس الوزراء شخصيا أو رومانيا التي مثلها رئيس الوزراء أيضا‏,‏ ومن دول مثل الصين واليابان وأفغانستان التي مثلها رئيسها حامد كرازاي وعدد غير قليل من الدول الإفريقية وبقية دول العالم‏,‏ وعلي رأسهم جميعا كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة‏.‏ وبالطبع لم تنس إسرائيل أبدا أن تكون مشاركة بشيمون بيريز‏,‏ نائب رئيس الوزراء‏,‏ وجيش هائل من الصحفيين والخبراء‏.‏ وحدهم العرب كان تمثيلهم محدودا ولم يتعد كثيرا السيد عمرو موسي الأمين العام للجامعة العربية‏,‏ والرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة‏,‏ والسيد عبدالباقي الهرماسي وزير الخارجية التونسية‏,‏ والأمير مولاي رشيد‏,‏ ولي عهد المملكة المغربية‏,‏ لكن المشرق العربي بكامله ومعه دول الخليج العربية بقيت بعيدة عن الساحة العالمية لمحاربة الإرهاب‏.‏
وهكذا كانت مصر الرسمية غائبة‏,‏ ولم تكن غائبة فقط عن مشاركة شعب صديق في لحظة حزن غلابة‏,‏ وإنما كانت غائبة عن الجانب الآخر من التظاهرة التي أصبحت هي المؤتمر الدولي لمحاربة الإرهاب الذي نادت به مصر منذ عقدين تقريبا‏,‏ وعندما حدث كانت غير حاضرة‏,‏ والحقيقة أن ما تصورته مصر مؤتمرا دوليا واحد‏,‏ قد صار سلسلة متكاملة من المؤتمرات الدولية الرسمية وغير الرسمية‏,‏ كما جري في المؤتمر الذي عقد في الرياض أخيرا‏,‏ وهذا المؤتمر الذي انعقد في مدريد بين الثامن والحادي عشر من مارس الجاري‏.‏ وفي هذه المؤتمرات جري بحث تعريف الإرهاب الذي بحث عنه العرب طويلا‏,‏ وجري بحث العلاقة بين الإرهاب وقضايا الصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي والإصلاح الديمقراطي والعلاقات بين الحضارات والتطور التكنولوجي في العالم وحتي علاقاته مع وسائل الاتصال الحديثة‏.‏
وببساطة فإن البحث في موضوع الإرهاب قد صار صناعة عالمية حديثة باعتباره التهديد الرئيسي للأمن الدولي‏,‏ ولذلك فقد تكونت لجنة عليا تابعة للأمين العام للأمم المتحدة أصدرت تقريرا لها أخيرا تم عرضه ومناقشته في مدريد‏,‏ وأصبح مطروحا الآن تبنيه من خلال مؤتمر عالمي يترتب عليه إضافات مهمة للقانون الدولي وحتي للقوانين الداخلية للدول من حيث التحكم في أموال الإرهاب وحركة الإرهابيين داخل الدول وبين الدول والتمييز بين الإرهاب والمقاومة وقواعد تبادل المعلومات ومحاكمة الإرهابيين وتسليمهم‏.‏ معني ذلك أن الاقتراح الذي قدمته مصر منذ وقت طويل قد دخل مرحلة التطبيق‏,‏ لكن من خلال صناعة غربية خالصة‏,‏ ومن الجائز تماما أن تكون الدبلوماسية المصرية قد تابعت الموقف في المنظمة الدولية‏,‏ لكن القضيةهي أن المتابعة الدبلوماسية لا تنفع كثيرا في غياب المتابعة السياسية والمشاركة في التظاهرات المهمة مثل تلك التي انعقدت في مدريد‏,‏ والتي تجري فيها التحضيرات الأولية لما يصير بعد ذلك قوانين وقواعد دولية‏.‏
نتيجة هذا الإهمال فإن موضوع المؤتمر الدولي للإرهاب الذي اقترحه الرئيس مبارك بسبب الإرهاب الذي تعرضت له مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات‏,‏ والذي كلف مصر اغتيالا لرئيس جمهوريتها‏,‏ و‏1300‏ من الضحايا غير الجرحي بدأ يظهر كما لو كان موضوعا غربيا خالصا تقف فيه الدول الغربية علي الجانب الرافض للإرهاب والداعي إلي نظم الصفوف العالمية لمقاومته‏,‏ بينما تقف مصر والدول العربية علي الجانب الآخر في شكل من يدافع ومن يبرر الإرهاب‏.‏ وكلما تحدث غربي عن الإرهابيين انبرينا نؤكد علي ضرورة القضاء علي أسباب الإرهاب والمتمثلة بالطبع في الصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي‏,‏ والفقر قبل الحديث عن القضاء علي الإرهاب‏.‏ وكأننا بذلك نقبل الأسباب التي رددها الإرهابيون في مصر خلال التسعينيات والتي كانت تقول إنه لا تمكن معالجة الإرهاب إلا بعد القضاء علي الفقر في مصر وتحقيق الديمقراطية‏,‏ وفض مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل‏,‏ ونقبل في ذات الوقت الأسباب التي يرددها الإرهابيون لقيامهم بالإرهاب في السعودية والمغرب وبقية الدول العربية‏.‏
وربما كان ذلك هو السبب في عدم مشاركة مصر في هذه الجهود الدولية‏,‏ حيث سيطرت علي العقل العام المصري مجموعة من الأفكار التي تجعل الإرهاب واحدا من القضايا الفاصلة بيننا وبين العالم‏,‏ وليس واحدا من القضايا الرابطة بيننا وبين العالم‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا