
|
هامش هل المعارضة قادرة علي المنافسة والرفض السياسي؟ |
 | |
بقلم ـ نبيل عبد الفتاح المبادرة الرئاسية الجزئية والمشروطة بتعديل م:76 من الدستور, باغتت المعارضة والحزب الحاكم معا, خاصة أن أحزاب التوافق كانت قد وافقت الحزب الوطني علي تأجيل النظر في موضوع التعديل الدستوري إلي ما بعد ولاية جديدة لرئيس الجمهورية, من التأجيل إلي المفاجأة إلي العجز عن المبادرة السياسية أو الرفض والخضوع إلي دائرة رد الفعل لدي غالبية أحزاب المعارضة, وعجزها عن المنافسة السياسية, يكشف عن أعطاب داخلية في بنياتها, ويعود ذلك لاعتبارات عديدة منها:أ ـ أن تاريخ العلاقات بين الحكم, وبين المعارضة, قامت علي لعبة مفادها أن وجود معارضة حزبية لا يعني طموحها للوصول إلي السلطة السياسية والشرعية. العقد غير المكتوب بين الحكومة وأحزاب المعارضة يفترض أن الحزب الحاكم وأريحيته السياسية هي أساس شرعية المعارضة ووجودها, وتمثيلها داخل البرلمان. أن فكرة إرادة الجماعة الناخبة هي المرجع الذي يتم الاحتكام إليه ليست واردة, وإذا لجأ إليها بعض قادة الأحزاب ـ لا توجد محكات أو آليات جماهيرية لمعرفة ما إذا كانوا قادة بالفعل أم يستندون إلي قوي شعبية وحزبية جاءت بهم إلي قمة قيادة الأحزاب أم لا؟ تستخدم التعابير الكبري, كالشعب والأمة والجماهير, والطبقات الشعبية, والشرعية والقانون, في الخطابات السياسية الحكومية والمعارضة, علي نحو إنشائي, أي أنها جزء من لغة تفتقر إلي الدلالة السوسيو ـ سياسية, أو السوسيو ـ ثقافية, أنها أقرب إلي اللغو السياسي المصري الشهير, وإلي الفقر اللغوي والمفاهيمي والنظري والتطبيقي للغالبية الكاسحة للعاملين في الحقل السياسي والحزبي الرسمي, سواء من بين الذين ينتمون ـ هل الانتماء وصف صحيح؟ أشك كثيرا! إلي الحزب الوطني, وأحزاب المعارضة. ضعف الخطاب السياسي في مصر أمر طبيعي لغياب مدارس سياسية, وأحزاب حقيقة, لأن الحزب السياسي في مصر, هو قلة عند قمة النظام ـ وفق القواعد والتقاليد الدستورية والسياسية منذ1952 ـ ومعها جهاز الدولة, ولاسيما الأمني والبيروقراطي, ومن ثم الديكور الحزبي الحاكم والمعارض هو جزء لا يتجزأ من لعبة مارسها النظام عند القمة ـ أيام الرئيس السادات ومازالت مستمرة ـ وذلك كمكياج سياسي, علي التعددية السياسية الشكلية والمقيدة لتجميل وجهه الاستبدادي أمام الصديق الأمريكي, ومعه البريطانيين والأوروبيين الغربيين آنذاك. من هنا نشأ العقد السياسي غير المكتوب مع أحزاب المعارضة؟ والسؤال هل هي معارضة بالفعل؟ هل لديها تقاليد سياسية حقيقة؟ هل يمكنها أن تلعب أدوارا سياسية في إطار ممارسة ديمقراطية حقيقية في البلاد؟ إنها أسئلة بسيطة لكنها حقيقية ومهمة. دائما هناك خطاب الكواليس الحزبي, الذي يقال أثناء المفاوضات من أجل إبرام بعض الاتفاقات مع الحزب الحاكم علي المقاعد قبل أية انتخابات برلمانية, وهناك خطاب الشعارات النارية في بعض صحف المعارضة بهدف الحصول علي جزء أكبر من الصفقة السياسية, وياليتها صفقة كبري, دائما تدور حول أمور جزئية, لا تحدث أي تغيير جاد في التركيبة السياسية. نعم لم يفاجأ أي مراقب جاد للشئون السياسية والحزبية المصرية بالمناورات والأحاديث النارية المطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري, ورفض توريث السلطة كما جاء في بيانات أحزاب المعارضة! كان الجميع في انتظار الاتفاق المتوقع! حتي فاجأهم طلب الرئيس تعديل م:.76 وذهب بعض المراقبين إلي أن واقعة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ـ السعودي الجنسية ـ والضغوط الدولية الواسعة النطاق علي سوريا, إلي دفع الصفوة السياسية الرسمية ـ الحاكمة المعارضة ـ إلي التحالف أو التوافق خوفا من بدايات بروز قوي جديدة تطالب بإصلاحات جذرية للأحزاب السياسية المعارضة, والحكومية يبدو أنه الخوف من الشارع, والخوف من السياسة, لأن الحكومة, والمعارضة تنتمان لأجيال تربت وعاشت ومارست العمل الحزبي في بيئة سياسية ديكتاتورية وطغيانية, ومفاهيمها وشعاراتها حول الديمقراطية تبدو, وكأنها نصوص يؤديها بعض الممثلين الكومبارس في مسرحية سياسية هزلية, أو تراجوكوميدية تمارس منذ إعلان الرئيس السادات عن التحول من الحزب الواحد إلي نظام المنابر, والأحزاب السياسية التي خرجت من عباءة النظام, أو تلك التي أعطيت ترخيصا من القضاء أو الحكومة. ثانيا: إن مفاجأة الحكم للمعارضة, يعد متوقعا لأن أحزاب المعارضة لا وزن لغالبها في الساحة السياسية المصرية الفارغة, هي أحزاب ليست لديها برامج حقيقية للتعامل مع المسألة المصرية ـ الرجل المريض في الشرق الأوسط ـ في جميع المجالات, بعد عقود من الموات السياسي, وغياب الناس عن المشاركة السياسية, وبعد أن تحول الفساد إلي نمط حياة, وآلية لإعادة توزيع الدخل القومي, واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء! إن أحزاب المعارضة ـ التي نشأت علي التقليد الاستبدادي والسلطوي ـ كل مطالبها تدور حول إدخال بعض التعديلات الجزئية علي بنية النظام السياسي, والهيكل الدستوري. إن المعارضة ـ الكلمة نقولها مجازا ـ لم تنتبه إلي أهمية إصلاح جذري, وشامل لدستور1971, وتعديلاته, إلا في بعض المقولات العامة في برامجها, أو بعض المقالات في جرائدهم الحزبية. إن أحزاب المعارضة الرسمية وغالبية قادتها عاشوا في ظل ثقافة دولة ونخبة رسمية لا تبالي بالقواعد الدستورية, وبنصوص القانون عموما, وذلك لسبب موضوعي, إن الصفوة الحاكمة المصرية منذ23 يوليو1952 كانت نظرتها سلبية لرجال القانون, الذين شكلوا الطبقة السياسية في المرحلة شبه الليبرالية, والجدل في البرلمان وفي الشارع السياسي وفي الحركة الثقافية. إدراك قادة يوليو1952 للدستور والقانون كمحض أداة في أيدي السلطة تستخدمه في أداء الوظائف المنعية والردعية. ومن ثم هو مجرد أداة إذا نجح في أداء المهام المنوطة به يستمر العمل به, وإذا لم يحقق الأهداف السياسية والاجتماعية التي وضع من أجل تحقيقها, يتم تغييره بقانون آخر, أو عبر انتهاكه. غالبية المعارضة الرسمية للحزب الوطني والحكومة, لا يمكن أن تمثل بديلا إصلاحيا شاملا, لأنها عاشت لمدة عقود قبل التعددية, وبعدها علي ثقافة دولة وصفوة حاكمة تنتهك الدستور, ولا تلقي بالا إلي مضمون قواعده, أو ضماناته للمواطنين أو القيود المفروضة علي السلطات في شأن الفصل والتوازن فيما بينها. ظل قادة الأحزاب وغالبهم من أبناء الحزب الواحد في نظام يوليو1952 في ظل سلطة سياسية تسلطية, يسيطر عليها رئيس الجمهورية ـ أيا كان فلهم كل الاحترام ـ ويحوز علي غالبية الصلاحيات الدستورية, حتي في ظل دستور1971 وتعديلاته في1980, وهي63% من مجمل الاختصاصات المنوطة بالسلطات الثلاث. ثقافة دولة مضادة للقيم والمباديء الدستورية, إذ تنظر إليها علي أنها مجرد أداة في أيدي رئيس الجمهورية, ومن ثم عاش الجميع منذ الرئيس جمال عبد الناصر في ظل زعامة كاريزمية طاغية في تأثيراتها ـ واستمرت تقاليده الرئاسية فيما بعد ـ تري الرئيس هو السياسة, وأن الممارسة السياسية رهينة مشيئته وإرادته, ومن ثم قراراته, وآراؤه هي السياسة والعمل السياسي والتنفيذي. هذا الإرث التسلطي هو الذي يمثل إضعافا للسياسة, والأحزاب والبرلمان في مصر, وربما شكل خلفية هذا التواطؤ السياسي علي الإصلاح الشامل في مصر, وتحوله إلي مجرد إصلاحات جزئية تتناول شروط الترشيح للرئاسة وضوابطها. المشكلة بنائية في نظامنا الدستوري القائم, ويتمثل في الخلل في هيكل السلطات الدستورية لصالح ممارسة سياسية رئاسية, وليست برلمانية. إن النزعة الرئاسية في الدستور هي مقتل الحياة السياسية المصرية, لأنها لا تؤدي إلي تطوير وتحريك الشارع السياسي, وأحزاب المعارضة والحزب الحاكم ـ الهش والضعيف خارج دعم جهاز الدولة والسلطة له ـ وترسيخ القيم والثقافة السياسية الديمقراطية, وآلياتها, ومعاييرها. إن التطوير الشامل للهيكل الدستوري صوب الجمهورية البرلمانية, تعني أن الرئيس سيأتي من قلب العمل السياسي اليومي, ومن ثم من حزب سياسي جماهيري قادر علي جذب جماهير الناخبين, ومن ثم خارج من رحم التنافس السياسي مع قادة آخرين! هذا هو صلب المسألة الدستورية والسياسية المصرية, تغيير جذري وشامل في النظام والصفوة والأحزاب السياسية جميعها, أي حاجة إلي شرعية سياسية جديدة تعتمد علي إرادة الأمة واختياراتها الحرة, لا ادعاء تمثيلها والحديث باسمها!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|