417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أحمد الليثي في حوار عن القمح والمافيا والفساد

اللعب بورقة القمح ممنوع

أجري الحديث ـ أحمد عبدالحكم


اللعب بورقة القمح كاللعب بالنار‏..‏ والذين يتهموننا بعدم الشجاعة في اتخاذ قرار وقف زراعة القمح واستيراده من الخارج مقابل زراعة محاصيل تصديرية عالية القيمة‏..‏ خانتهم الذاكرة وجانبهم المنطق والصواب‏..‏ فهذا السيناريو سبق طرحه عام‏1982‏ وقاموا بزراعة الفراولة بدلا من القمح‏,‏ وكانت النتيجة زيادة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتعاظم الاستيراد‏..‏ فإذا كانت الشجاعة ـ كما يروج البعض ـ تكمن في اتخاذ قرار إلغاء زراعة القمح من علي خريطة الزراعة المصرية‏,‏ فهل نكون خائنين إذا ما سعينا لتأمين احتياج الشعب المصري من القمح مصدر العيش والحياة وزراعته في تراب مصر بدلا من الخارج طلبا له؟‏!‏
بهذا المنطق الواضح والقرات المدروسة والخيارات المحسومة بدأ المهندس أحمد الليثي وزير الزراعة والمسئول عن سلة غذاء‏72‏ مليون مصري حديثه لـ الأهرام العربي‏.‏
وبقدر سخونة الأسئلة والاستفسارات كانت جسارة الردود والإجابات حيث كشف لنا الوزير ولأول مرة عن الكثير من المفاجآت في حوار بدأ بقضية القمح وتطرق لتحديات زراعة الصحراء وتوقف عند الفساد ومافيا استيراد اللحوم‏.‏
‏*‏ في البداية‏..‏ كيف تنظر للدعوة التي يطلقها البعض حاليا بوقف زراعة القمح وتوفير مساحات لزراعات تصديرية يمكن أن تدر عوائد كبيرة نستورد بها القمح بدلا من زراعته؟
الوزير‏..‏ وقد اكتسي وجهه بالصراحة المشوبة ببعض الغضب‏,‏ علي الذين يغامرون بأفكار غريبة منبتها الخارج ولا تناسب مصر أن يكفوا عن اللعب بالنار‏,‏ القمح هو رمز العيش للمصريين ويسمونه العيش رمزا للحياة ولم يسموه الخبز‏..‏ هل نوقف زراعة القمح ونقول للناس كلوا كرواسون وباتيه‏.‏ من يرددون هذا الكلام تناسوا تجربة مطلع الثمانينيات حينما وضعت السياسة الزراعية عام‏1982‏ وكان جوهرها أنه لو زرعنا ثلاثة آلاف فدان فراولة للتصدير ستكون كافية جدا لاستيراد ما ينقصنا من القمح‏..‏ وكانت النتيجة مخيبة للآمال‏,‏ فلا الفراولة تم تصديرها ولا القمح حققنا منه الاكتفاء‏,‏ وحتي الاقتراب من هذا الهدف وكنا وقتها نستورد أربعة ملايين طن‏.‏
‏*‏ وعلي أي فكر اقتصادي إذن يتم طرح هذه الأفكار؟
هذه أفكار تناسب المنهج الأمريكي أو الأوروبي في الفكر الاقتصادي لكنها لا تناسب من قريب أو بعيد ظروفنا وأوضاعنا المحلية‏..‏ كما أنها لا تنظر بعين الاعتبار لقضية القمح علي أنها مسألة أمن قومي للبلاد‏,‏ هذا الفكر الذي يخضع لمنطق اقتصادي يجب أن يصلح لأية مجالات أخري‏..‏ وقد ناديت في كل المحافل والمؤتمرات بأن هذه الأفكار التي يطرحها قلة قد تصلح في قضايا إلا القمح‏.‏
‏*‏ وما هو حجم إنتاجنا واستهلاكنا من القمح حاليا؟
ننتج ستة ملايين طن ونستورد مثلها وإجمالي استهلاكنا‏12‏ مليون طن‏.‏
‏*‏ وإلي متي ستظل هذه الفجوة؟
الوزير ممعنا النظر ببعض الأوراق في مكتبه‏,‏ لا أستطيع القول إنني سأحقق الاكتفاء الذاتي من القمح هذا العام أو العام الذي يليه‏,‏ الواقع يقول إن مساحة الأرض التي يزرعها الفلاح بالقمح تصل لنحو المليونين ونصف المليون فدان ومثلها لمحصول البرسيم وقد وضعنا إستراتيجية زراعية حتي عام‏2017‏ لحسم قضية القمح تقوم علي ثلاثة محاور‏.‏
الأول بالتوسع الأفقي في زراعة القمح بمعني الوصول إلي أعلي معدل لزراعته في المساحات المتاحة‏..‏ وقلت منذ قليل إن مساحته في مصر في‏2004‏ كانت‏450,2‏ مليون فدان‏,‏ وقد قدمنا إغراءات كثيرة للفلاح ليتحول تدريجيا من زراعة البرسيم للقمح علي اعتبار أن البرسيم مصدر علف رئيسي للماشية في مصر ومن خلال الأبحاث العلمية قدمنا للمزارعين بدائل كثيرة للأعلاف حققت نجاحا مبهرا‏,‏ ولأن الفلاح يتمتع بمنطق اقتصادي بالفطرة فقد رفعنا سعر توريد أردب القمح إلي‏175‏ جنيها تعادل سعره عالميا‏,‏ أي أننا ندفع للمنتج المحلي السعر العالمي في محصوله‏..‏ ومستعدون لتحريك هذه الأسعار إذا ارتفعت الأسعار عالميا‏,‏ وقد حققت هذه الإغراءات المدروسة ولصالح مصر أولا نتائجها فقد زادت المساحة المزروعة بالقمح هذا العام بنحو نصف مليون فدان ما يعني أن استيرادنا ممكن أن يقل من القمح بنفس نسبة الإنتاج تقريبا‏.‏
والمحور الثاني يكون باستنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية فقد كانت معدلات الغلة قبل ذلك‏7-6‏ أرادب للفدان وصلت حاليا إلي‏17‏ أردبا ونخطط في المستقبل القريب ومن خلال كتيبة العلماء الزراعيين المصريين العالميين لأن تصل هذه الغلة إلي‏25‏ أردبا بما يحقق نقلة كبري علي طريقة الاكتفاء الذاتي أما المحور الثالث فهو ضرورة وضع خطة قومية عاجلة لترشيد الاستهلاك لأن الخطير في الأمر أن‏%25‏ من إنتاجنا يذهب كفاقد في عمليات النقل والتخزين والطحن‏.‏
الوزير فى حواره للأهرام العربى
*‏ هل معني ذلك أن الاكتفاء الذاتي لن يتحقق وصعب المنال؟
الوزير وقد علت نبرة صوته قليلا‏..‏ بعد لحظة تفكير عميقة‏,‏ لقد أوضحنا في إستراتيجيتنا التي وافق عليها مجلس الوزراء والسيد رئيس الجمهورية كل خطواتنا موضحة بالأرقام والتواريخ ليس في مسألة القمح وحدها ولكن في جميع المجالات الزراعية الأخري‏,‏ ولم أقل في إستراتيجيتي إنني سأحقق الاكتفاء الذاتي بعد‏6‏ أعوام أو عشرة أو أقل أو أكثر‏,‏ لكننا قلنا إننا سنعمل علي تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستيراد وتدريجيا وفق دراسات علمية تراعي محدودية الأرض المتاحة للزراعة والمياه‏..‏ هذه الفجوة ستقل تدريجيا بنسبة مبكرا مثلا بعشرة بالمائة ثم بعشرين وهكذا حتي نصل لأعلي معدل ممكن وبأقصي كفاءة ممكنة من حيث الأرض والمياه وبحمد الله وتوفيقه وبفضل ما قدمنا من تيسرات وإغراءات للفلاح فقد زادت نسبة المزرع هذا العام بنسبة تزيد علي العشرة بالمائة المخططة هذا ما يعطيني الثقة والتفاؤل بتحقيق كامل أهداف الإستراتيجية التي وضعناها‏.‏
‏*‏ ولكن هناك من يقول بتخصيص أرض الدلتا للمحاصيل التقليدية وقصر الزراعة بالأرض الصحراوية علي المحاصيل التصديرية؟
كل رأي له جوانبه التي يتم تقييمها والحكم عليها من زوايا عدة‏..‏ ما أؤكده لك أن لب سياستنا يدور حاليا حول هذا المحور وهو تعظيم صادراتنا الزراعية من خلال المحاصيل التي تنتجها الأراضي الجديدة‏..‏ ومن المبهر حقا أن بمصر حاليا مزارع يمكنكم متابعتها مثلا الموجودة علي الطريق الصحراوي للإسكندرية تضاهي مزارع أوروبا وأمريكا وتصدر ما يربو علي‏%90‏ من إنتاجها‏.‏
وخلال زيارة الرئيس مبارك أخيرا لتوشكي طلب منا أن نركز هناك علي المحاصيل الزيتية التي نعاني نقصا في إنتاجها بنسبة‏%90‏ حيث إن استهلاكنا منها مليون ومائة ألف طن وتنتج‏130‏ ألف طن فقط ونستورد‏970‏ ألف طن‏..‏ ولدينا فرصة كبيرة لزيادة المساحات من هذه المحاصيل وتقليل الفجوة الكبيرة فيها‏.‏
‏*‏ رغم كل ما يبذل من جهود في مسألة الزراعة الصحراوية إلا أن دولة مثل إسرائيل تحقق أضعافنا في الإنتاج والتصدير‏..‏ لماذا هذا الفارق الكبير؟
لا يجب أن تؤخذ الأمور علي علاتها‏..‏ إسرائيل تعاني نقصا شديدا في المياه ووضعت نظم ري دقيقة وصارمة وتخصصت في زراعة المحاصيل التصديرية فقط واخترقت الأسواق الخارجية من خلال تيسيرات معينة ولديها مخزون كبير في مطار هيثرو بلندن‏..‏ لكن علينا أن نقيم الأمور بشكل مختلف‏,‏ وأتساءل كم عدد الشعب الإسرائيلي وكم عدد المصريين؟‏!‏ لابد من إعطاء كل ذي حق حقه‏..‏ لا تبخسوا علماءنا وبحاثنا المصريين حقهم ولا تبخسوا الفلاح المصري أيضا‏..‏ لقد اتصل مسئول ذات مرة وقال ألا تستطيعون أن تكتفوا من القمح خلال فترة وجيزة فكان ردي‏..‏ يمكننا الاكتفاء خلال عام واحد‏,‏ ولكن علي حساب مساحات أخري كالبرسيم اللازمة للماشية في مصر‏,‏ نريد ألا تكون قراراتنا عصبية ولا سياستنا تعبيرا عن رد أفعال‏,‏ أنا أعمل بقطاع الزراعة المصري منذ‏45‏ عاما وأفهم جيدا ما أضعه أنا وأبناء القطاع من سياسات وخطط تنفيذ‏.‏
‏*‏ لعل المشكلة التي توازي إن لم تنافس القمح هي قضية اللحوم‏..‏ كيف تنظرون لمسألة تأمين احتياجات المصريين من اللحوم؟
هذه قضيتي الثانية‏..‏ لقد أعددنا مشروع البتلو ونقدم له جميع التيسيرات والدعم اللازم وخصصنا له مليار جنيه‏,‏ لكن لا يجب أن ننسي أو نتناسي أن مصر لا تتمتع بميزة نسبية في إنتاج اللحوم الحمراء‏..‏ ذلك لنقص المراعي الطبيعية ونسبة كبيرة من الأعلاف نستوردها‏..‏ الدول المجاورة لديها إمكانات هائلة فالمطر يتساقط عليها وتتحول أراضيها لمراع شاسعة طبيعية‏,‏ بعكس أوضاعنا فنحن نعاني ضيق المساحة وندرة المراعي‏,‏ السودان لديه‏120‏ مليون رأس ماشية وأثيوبيا‏180‏ مليونا‏..‏ أما عندنا فالأرقام متواضعة جدا‏.‏
‏*‏ ولماذا لا تؤسس وزارة الزراعة مع القطاع الخاص شركات لإنتاج اللحوم بالسودان مثلا خاصة وأنهم هناك يرحبون بذلك؟
الوزير يتكيء علي كرسيه بعد أن ارتمت علي وجهه ابتسامة عريضة وكأنه يشير بطرفه لشيء ما‏..‏ لقد فتحنا هذا المجال أمام القطاع الخاص ونقدم له كل التيسيرات اللازمة وفتحنا في سبيل ذلك منافذ كثيرة بعد أن كانت مافيا اللحوم قد أغلقت هذه المنافذ وفي تلك البلدان بالضبة والمفتاح‏,‏ الآن الباب مفتوح أمام كل من يريد استيراد لحوم من هذه المناطق إلي مصر بالمواصفات الموضوعة وبالأسعار المناسبة فأهلا وسهلا به‏.‏
‏*‏ علي ذكر المافيا‏..‏ دعني أنقل لكم أن رذاذ قضايا الفساد الأخيرة غطي علي إنجازات الوزارة؟‏!‏
الوزير مسرعا‏..‏ للأسف هذه حقيقة‏,‏ لكن أقول للجميع مثلما هناك فساد ومفسدون‏,‏ هناك أيضا مخلصون وصالحون وشرفاء يمتليء بهم قطاع الزراعة‏,‏ ليس معني هذا أن الفساد هو السائد‏,‏ فهذا بلدنا وهؤلاء علماؤنا وعمالنا في القطاع ومهندسينا ومسئولينا وخبرائنا الذين يجب أن نعتز بهم ونفخر‏,‏ ما أود التأكيد عليه أنه لن يتم التستر علي انحراف أو منحرف ولا حماية للفساد أو المفسدين‏..‏ وتوجيهات الرئيس مبارك دائما أن تكون الشفافية هي السلوك والمنهج‏,‏ وطالما بقيت وظلت الحياة فمن الطبعيي أن تظهر انحرافات ووقائع فساد جديدة‏.‏
‏*‏ ما الوضع بالنسبة للاتفاقيات المصرية العربية علي الصعيد الزراعي؟
العلاقات مع الدول العربية علي أعلي مستوي وتربطنا بجميعها اتفاقيات وعلاقات وثيقة‏,‏ لدينا في السودان شركات مشتركة تعمل هناك ولدينا أيضا لجان مشتركة مع كثير من الأقطار العربية وكنت مع رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف في تونس لحضور أعمال اللجنة العليا بين البلدين وقبل ذلك زرت لبنان والأردن والمغرب‏.‏
وفي مجال المزارع الكبيرة أتلقي أسبوعيا طلبات كثيرة للاستثمار الزراعي من‏6‏ أشقاء عرب وخصوصا من الإمارات والسعودية ونحن نرحب بكل هؤلاء ويصدر السيد رئيس الجمهورية قراراته باعتبار أبناء الدول العربية شأنهم شأن المصريين في تلك الأراضي الزراعية في إطار القوانين المنظمة لذلك‏.‏
‏*‏ وهل تأثرت علاقاتنا الزراعية مع بعض البلدان الإفريقية بسبب خلافات وجهات النظر حول مياه النيل؟
لا‏..‏ أبدا توجيهات الرئيس مبارك دائما بالانفتاح علي الدول الإفريقية وأن يتم التعاون المستمر معها‏,‏ ولأول مرة يتوجه وزير الزراعة المصري إلي إفريقيا ويجتمع مع نظرائه وحضرت في يناير الماضي مؤتمرا بالسنغال وعقدت لقاءات مع وزراء كثيرين وستستقبل مصر عددا منهم خلال الأسابيع القادمة لتعزيز التعاون خلال الفترة المقبلة‏.‏
‏*‏ إلي أي مدي تؤرقك كمسئول أول عن سلة غذاء المصريين قضية تأمين احتياجات الوطن من الغذاء؟
الوزير بعد لحظة صمت عميقة‏,‏ لن أذيع سرا إذا قلت إن الرئيس مبارك يحدثني أسبوعيا في هذه القضية طالبا بذل أقصي الجهد لتأمين لقمة عيش المواطن المصري‏,‏ غذاء المصريين هاجس الدائم‏.‏
‏*‏ هل من كلمة أخيرة؟
قليل من الحدة وبعض الصراحة تعاود الظهور علي ملامح الوزير القمح مسألة كرامة وطنية واللعب في هذه المنطقة ممنوع‏..‏ وعلي مثقفينا وقادة الرأي توخي أقصي درجات الحذر في هذا المضمار حتي لا يحدث ما لا تحمد عقباه‏.‏
هل يتصورأحد ماذا سيكون الحال لو أن أحد سفن القمح القادمة إلينا غرقت في المحيط‏..‏ وماذا لو أن هذه الدول أو تلك رفضت توريد القمح لنا؟ وماذا لو ساءت الأوضاع الدولية والإقليمية أكثر مما هي عليه؟ وماذا لو تعقدت العلاقات وتشابكت بأكثر مما هي عليه؟ سأترك الإجابة للمطالبين بوقف زراعة عيش المصريين‏.‏