
|
عين سحرية تراقب ما يجري عن قرب
فيتو الصغار.. حرب بالوكالة لصالح الآخرين |
 | | آخر قمة عربية فى تونس 2004 |
عادل أبو طالب لم تشهد قمة عربية حجما من الضغوط الخارجية علي جدول أعمالها, كتلك التي شهدتها قمة تونس العام الماضي, لجهة تبني قرارات تتماشي مع الرؤية الأمريكية, وتساير أجندتها, وتجعل من غالبية الدول العربية تصطف إلي الصف الأمريكي. وقد لا تكون تلك الضغوط هي الأولي من نوعها, لكنها في تلك القمة, كانت الأكثر وضوحا, في ترجمة شكل من أشكال الاختراق الخارجي, لقرارات القمة العربية, تبين معه بوضوح شديد, أن القرار العربي تم استلابه, وأن القمة العربية وقعت تحت ضغط خارجي أمريكي, بشكل أضعف مهمة الجامعة العربية, التي قامت عام1945 لتعبر عن النظام الإقليمي العربي, وتترجم عمله المشترك إلي واقع ملموس. ساهمت البيروقراطية وجمود ميثاق الجامعة, الذي ظل يحكم عمل الجامعة العربية منذ نشأتها وحتي الآن, في أن تصبح الفرصة سانحة لأصغر دولة, أن تمارس فيتو, فتوقف كل شيء إن أرادت, أو أريد منها.! ولعل خبرة قمة تونس, تبدو واضحة في هذا الصدد, والجميع يتذكر كيف قادت قطر ـ وفقا لما يرويه مصدر دبلوماسي رفيع في جامعة الدول العربية للأهرام العربي ـ في القمة تيار تمرد علي الدول الكبري, انضمت إليه تونس, وساندتها فيه دول المغرب العربي, لجهة تبني موقف يؤيد الرؤية الأمريكية في الإصلاح السياسي. وكانت أروقة جامعة الدول العربية ـ كما وصفها المصدر ذاته ـ مسرحا لـ حرب أمريكية بالوكالة, بدت أولي مشاهدها في مفاجأة تونس الدول العربية, بمقترحات كانت بمثابة كبسولة تحتوي الأفكار الأمريكية للإصلاح, وأطلقتها تونس في الاجتماعات, في وقت تدرك فيه تماما, أن هذا الأمر يمكن أن يثير الكثير من الخلافات, وهو ما حدث بالفعل. كانت قطر قد ساندت تونس, عندما طالبت في اجتماعات تونس, بإدخال تعديلات علي وثيقة العهد التي تم إقرارها في القمة, بأن يضاف إلي الوثيقة تمسك العرب بقيم التسامح والتفاهم, ومبدأ الحوار بين الحضارات, وتأكيد الرفض المطلق للتطرق والتعصب والعنف والإرهاب, والحرب علي التصدي لهذه الظواهر, في إطار التعاون والتضامن الدوليين للقضاء علي أسبابها. ورفضت غالبية الدول العربية المقترح التونسي, لأن الوثيقة قد اكتملت أركانها آنذاك, وبدعوي أن هذا التعديل لا يضيف جديدا. لقد جري استبعاد الجامعة العربية تحت وطأة الضغط الأمريكي, وتهميش دورها تماما في قضايا مصيرية ومركزيه في النظام الإقليمي العربي وعلي رأسها القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي بشكل عام, فكما أن قرارات الحرب مع إسرائيل, قد اتخذت بعيدا عن الجامعة, فإن قرارات التسوية السياسية لهذا الصراع, قد اتخذت كذلك؟. وهكذا تم استبعاد الجامعة, من محادثات واتفاق كامب ديفيد1978, ثم الاتفاقية المصرية ـ الإسرائيلية1979, ونفس الأمر تم في مؤتمر مدريد للسلام1992, وفي اتفاق أوسلو الأول1993, والثاني1995, وفي اتفاق وادي عربة ـ المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية عام1994, وفي كل المحادثات السورية ـ الإسرائيلية, قبل أن تتوقف, وأخيرا في اتفاقات واي ريفر الفلسطينية الإسرائيلية.1998 هذا من ناحية, ومن ناحية ثانية, فقد تورط العراق في حربين مدمرتين خارج حدوده خلال عشر سنوات؟ وفي الحالتين ـ الحربين ـ جري استبعاد الجامعة العربية وتهميش دورها بل إن أغلب قرارات جامعة الدول العربية بشأن العراق, خاصة بعد سقوط بغداد, جاءت مصاغة وفقا للأجندة الأمريكية.
|
 | | القمة العربية فى شرم الشيخ لم تمنع غزو الولايات المتحدة للعراق |
وحتي التدخل الوحيد من الجامعة في المسألة العراقية, كان في قرار الاعتراف بالحكومة العراقية المؤقتة, الذي صدر خلال الدورة122, وهي الدورة التي دخل فيها هوشيار زيباري ـ وزير الخارجية العراقي ـ إلي قاعة الاجتماعات الكبري بالجامعة, وسط عاصفة من التصفيق, علي الرغم من الانتقادات الحادة التي كانت تتلقاها الجامعة حينئذ من العراق, بدعوي أنها لم تفعل شيئا للشعب العراقي, خلال حكم صدام حسين. من ناحية ثالثة, فإن كل وثائق الإصلاح هي أجندة أمريكية, فالجامعة العربية لم تطرح أي مشروع في هذا الشأن, إلا عندما طرحت الإدارة الأمريكية مشروعها ذلك وعدد من الدول الغربية. كذلك فإن الجامعة شهدت ولأول مرة في تاريخها, تعيين أول أمين مساعد لشئون المرأة, وهي الأردنية نانسي بكير, وهو ما حدث بعد ما طلب كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق ذلك, في رؤيته للإصلاح, وهي ما عرف آنذاك بمطلب تمكين المرأة, وهي قضية لم يتم أي حديث بشأنها داخل الجامعة, إلا عندما تم طرح المشاريع الأمريكية. قضية السودان هي الأخري, لم يكن للجامعة العربية أي دور واضح فيها, إلا بعد توصل الخرطوم مع حركة تحرير جنوب السودان إلي اتفاق' نيفاشا' باركته الجامعة, وذلك رغم إنه ينص علي اقتسام السلطة, وهو ضد مباديء الجامعة, التي أيدت الاتفاق الذي تم بضغوط ومساع أمريكية. وبالمثل جري استبعاد أي دور حقيقي وفعال للجامعة في باقي الأزمات العربية خلال العقدين الأخيرين من الحرب الأهلية الطائفية- اللبنانية التي استمرت17 عاما, اللهم إلا حين استعارت بعض الأطراف الفاعلة مظلة الجامعة, لتمرير قرار أو تبرير سياسة, ثم جري استبعاد دورها خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في عام1982, وحتي الآن, بل إن الأزمة السورية- اللبنانية الأخيرة جري تدويلها بعيدا عن أي دور عربي, وعجزت الجامعة العربية عن الإتيان بأي موقف إزاءها, رغم حدودها العربية منذ تأطيرها باتفاق الطائف عام.1989 يقول مصدر دبلوماسي مهم في جامعة الدول العربية للأهرام العربي, إنه إذا كان من السهل في هذه الحالة تصويب كل المدافع نحو مبني الجامعة العربية, باعتبارها المسئول الأول والأخير عن القرار العربي, كما يتصور البعض, فإن من العبث والتضليل الاستسلام لذلك إذ أن الجامعة العربية لم تستطع أن تقيد دولها الأعضاء بإرادة جماعية لكن الدول الأعضاء هي التي قيدت الجامعة, بإراداتها الفردية, وحساباتها الخاصة, وعلاقاتها وارتباطاتها الثنائية والإقليمية والدولية التي جري تغليبها علي الارتباطات العربية, هكذا تابعنا مواقف الدول العربية ـ أعضاء الجامعة ـ تجاه نماذج الأزمات السابق ذكرها, وهكذا تتابعها اليوم, في كل مستجد ومع كل مستحدث لا تغيير يذكر, اللهم إلا زيادة اعتماد الدول العربية الأعضاء علي دول أجنبية, مقابل هدم الاعتماد العربي المتبادل, الذي بلورته فكرة الجامعة العربية ـ حلم الرواد الأقدمين ولخصه ميثاق الدفاع العربي المشترك والسوق العربية المشتركة, وقد ضاعت جميعها في مهب الريح العاصف. ويضيف أنه في حين يتجه العالم اليوم, في ظل سياسات العولمة واتجاهاتها الاحتكارية ـ نحو إنشاء تكتلات سياسية اقتصادية عسكرية كبري تحكم وتتحكم في العلاقات الدولية اتجهت الدول العربية أعضاء الجامعة ـ22 عضوا ـ بكل إمكانياتها السياسية والاقتصادية والجغرافية والعسكرية والحضارية المهدرة نحو التفرق والتباعد, وصولا للمساهمة النشيطة المتخفية أو العلنية في هدم آخر رموز العمل العربي المشترك بكل تجلياته هدما مقصودا ومتعمدا وعلنيا. ويشدد المصدر بالقول:' إن علينا أن نعترف من البداية, أن الولايات المتحدة الأمريكية, لا تمارس ضغطا مباشرا علي الجامعة, أو ما يثار حول وجود مقعد دائم لها في الجامعة فالإدارة الأمريكية تتبع أساليب مختلفة في الضغط علي الدول العربية, وليس الجامعة. ويشير المصدر ذاته, إلي أن وسائل الضغط تتنوع, ما بين الضغط المباشر, سواء بالتلميح بمساعدات اقتصادية, كما حدث مع تونس قبل القمة الأخيرة في شأن إعلان أغادير, وانضمام تونس له بما يحققه لها ذلك الإعلان من مكاسب اقتصادية, أم بشكل غير مباشر, كالانتقاد الذي تشنه علي سياسات, ومواقف بعض الدول العربية, قبل انعقاد القمة, سواء بالتصريحات اللاذعة, أم من خلال وسائل الإعلام.ويكشف المصدر ذاته علي شكل آخر من أشكال الضغط الأمريكي علي قرارات الجامعة, تتم ممارسته عبر الإقناع, ومن خلال الاتصال بالدول العربية, ومحاولة إقناعها بأن اتخاذ قرار ما, سوف يضر بالمصالح الأمريكية, وعليه فتجب إعادة النظر فيه. يقول المصدر إن الأمر الذي لا شك فيه أن تبني بعض الدول العربية لموقف رافض لبعض القرارات من الجامعة, هو ليس للرفض في حد ذاته, فالدول قد ترفض لأن لديها مشكلة, أو ضغطا خارجيا أو داخليا, لكن القضية الأهم الآن, أصبحت في البحث عن سبل لكيفية مواجهة هذه الضغوط وتحييدها قدر الإمكان. إن إرجاع الأمر برمته إلي الجامعة العربية, وتصويرها علي أنها المسئول الأول عن إدارة شئون العرب,؟ هو أمر مخالف للحقيقة.. فما حدث هو أن الدول الأعضاء المستقلة استلبت في سياستها, قوة الجامعة العربية وإرادتها كمنظمة قومية إقليمية. وما من شك في أن مساعي الإصلاح التي يتم الحديث عنها وتسيطر علي جدول أعمال الدورة القادمة لمجلس الجامعة علي مستوي القمة قمة الجزائر, هي واحدة من ضمن المحاولات الجادة لإحياء دور الجامعة, وتفعيل وضعها ككيان إقليمي منوط به دور أساسي في دعم القضايا العربية علي جميع المستويات. لكن يبقي الأمل في إنجاز تلك الإصلاحات محدودا, وسط تباطؤ الدول العربية وتحمسها لذلك, فموضوع تعديل نظام التصويت في الجامعة العربية, الذي كان منوطا به تخفيف حدة وطأه الضغوط الخارجية علي الجامعة, علي خلفية أن تنويع قواعد التصويت, من الإجماع إلي توافق الآراء إلي الأغلبية المطلقة أو البسيطة, قد يخفف من حدة تعطيل الأقلية لقرار الأغلبية, حتي لا يكون بإمكان دولة واحدة أن تعطل قرار استجابة لضغوط خارجية, هو أمر واجه خلافات خلال اجتماعات الدورة الأخيرة123 لمجلس الجامعة علي المستوي الوزاري وأصبح حسمه أمرا ربما تنجح فيه القمة القادمة أو لا بعد اعتراض عدة دول عربية علي اقرار التعديل المقترح علي نظام التصويت واحالة الأمر إلي قمة الجزائر. أخيرا فإن إخفاق الوزراء في الاتفاق علي قضايا شكلية أخري أكثر تعقيدا بعض الشيء, مثل إعادة هيكلة الجامعة ونظام التصويت فيها, يوحي بأن قمة الجزائر لن تحمل نتائج أفضل, مما صدر عن قمة تونس الماضية, وسيكون أسلوب التأجيل في التعاطي مع استحقاقات الإصلاح هو المتبع, و معه تظل الآمال في تطوير أداء الجامعة العربية, وتقليل حجم الضغوط الخارجية عليها, ضعيفة ومحدودة. |
|
|
 |
|
|
 |
|
|