417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

البطل ذو الألف وجه‏!!‏

د. كرمة سامي


قلب نبيل بصوت حنون يخنقه البكاء يغني لنا‏:‏
إن مقدرتش تضحك‏/‏ متدمعش ولا تبكيش
وإن ما فضلش معاك غير قلبك‏/‏ أوع تخاف
مش حتموت‏/‏ حتعيش‏...(‏ هيستيريا‏)‏
هو هذا الفتي المصري الأسمر ذو الشعر الأجعد والعينين النبيلتين الذي اختصته السينما المصرية بأفضل الأدوار في روائعها مع أكبر مخرجيها وأدخلته تاريخها من أوسع أبواب الشهرة حتي أصبحنا لا نجرؤ أن ننطق بكلمة سينما دون أن نقول‏:‏ أحمد زكي‏.‏
كان الوقت صباحا أحد أيام شتاء دافيء مضي منذ عشرين عاما وأكثر يناديني أبي من شرفة منزلنا بمصر الجديدة أهرع إلي الشرفة يشير إلي شاب أسمر مشتت غير مهندم يبدو أنه ارتدي سترته علي عجالة فلم ينظر إلي المرآة ليصلح ياقتها أو يتحقق من ملاءمة لونها مع باقي قطع ملابسه خطواته سريعة كأنه يريد اللحاق بموعد‏..‏ أو بشيء‏..‏ أو بشخص‏!!‏ تضرب ذراعاه الهواء وكأن جسده قارب يسير به في الطريق لم يلتفت إليه أحد وكيف يمكن أن يتصور رجل البريد وحارس العقار والخردواتي والصيدلي أن هذا الشاب البسيط ذو الياقة المرفوعة نجم سينما‏!!‏
كنت أعلم أنه يسكن في شقة صغيرة بالدور الأرضي في شارع الحجاز بجانب سوبر ماركت شهير كثيرا ما كنت أمر أمام هذا المبني الصغير متجهة إلي المترو لكي ألتقي بصديقة لي ونذهب إلي المدرسة معا أختلس النظر إلي الشرفة‏..‏ إلي المدخل‏..‏ ربما‏!!‏ كان يمر وقتئذ بأزمة تحدثت عنها الصحف حول رغبته في القيام بدور سينمائي رأي المخرج والمنتج سيد عيسي أن يقوم به مطرب شاب في ذلك الوقت‏.‏ تحول الفيلم إلي منتج ومخرج آخرين وأضاف أحمد زكي إلي رصيده دورا من أدوار عمره هو سعد اليتيم وانتصر أحمد زكي للفن السينمائي قبل أن ينتصر لنفسه‏.‏
تري هل قرأ أحمد زكي مؤلفات ستانسلافسكي أو اضطلع علي الفروق الإستراتيجية في تدريب الممثل بين مدرستي بيتر بروك وجرسي جروتوفسكي مثلا أو حتي حلم بأن يحظي بفرصة التدرب علي يد لي ستراسبورج في ستوديو الممثل مثل مارلون براندو ومونتجمري كليفت‏!!‏ هل كان يحظي بحماية ورعاية ستديو كبير يحشد الجيوش من الكتاب والإعلاميين وخبراء الدعاية والمدربين ووكلاء الأعمال والمصممين وغيرهم من المتخصصين الذين لا هم ولا شاغل لهم سوي الحفاظ علي نجومية أحمد زكي السينمائية‏!‏
كان أحمد زكي أكثر وأوفر حظا من كل هؤلاء الممثلين والنجوم الذين توفرت لديهم هذه الفرص البراقة‏..‏ فقد كان علي باب الله‏.‏ شاب صغير قادم من محافظة عريقة لا يملك من الدنيا سوي الموهبة وهي ليست بالقليلة فهي التي وضعت ابن محافظة الشرقية الأسمر في الصفوف الأولي لنجوم الفن السابع في العالم كتفا بكتف مع الأساتذة مارلون براندو وتشارلز لوتون وآل باتشينو وروبرت دي نيرو وأنتوني هوبكنز وريتشارد بيرتون ومحمود مرسي ويحيي الفخراني‏.‏
ربما خان أحمد زكي ذكاؤه في بعض الأفلام لم يتحول الورق إلي فيلم جدير بتوقعاته لم يكن المخرج بالموهبة التي توسمها فيه أو لم يقم المنتج بتوفير إنتاج يتفق مع متطلبات النص السينمائي لكنه أبدا لم يفلت خيوط الشخوص التي تقمصها من بين أصابعه حتي شخصية الجرسون البسيط في اللوكاندة بمسرحية هاللو شلبي الذي لم يتعد دوره دقائق في كل فصل كانت كفيلة بأن تكون لهذا الفتي الموهوب أماكن في قلوب أبناء الشعب المصري ويصبح مع مرور الوقت أكثر من الابن والأخ والأب والصديق‏.‏
دون شك إنها كانت رحلة شاقة وطويلة قطعها أحمد زكي منذ أن رحل عن الشرقية بحثا عن متنفس لتلك الطاقات المشاغبة من الأنوار والألوان والأصوات والأنغام التي تتفاعل داخل روحه‏..‏ تتمرد عليه‏..‏ وتبخل عليه بالسكينة والسلام‏..‏ حتي ظهر علي الشاشة المصرية‏..‏ نجم سينمائيا من نوع جديد‏..‏ لا يخشي تمزق ملابسه أو أن يعبث الهواء بخصلات شعره فيفقد معجبيه فقد كان يكمن سر جاذبيته ونجوميته وسحره ببساطة في موهبته سواء كان هو حودة كلاوي أم أحمد الشاعر أم ناصر‏56‏ أم زين أم سيد غريب أم أي من هؤلاء المواطنين المصريين أنا وأنت ونحن وهم‏.‏
خطوة عملاقة قفزها أحمد زكي من إضحاكنا بتقليد نبرات صوت محمود المليجي القدير الحبيب إلي إبهارنا بـ‏'‏ الاخلاص الرجولي‏'(‏ بهاء جاهين‏)‏ في خطاب عبدالناصر في المنشية إلي بث الرعب في قلوبنا متقمصا دور السادات يلقي إحدي خطبه الشهيرة بمجلس الشعب وكأن الزمن يعود بنا للوراء أو يقودنا إلي سنا الأمل مغنيا‏:‏ امش وقول غنوتك‏/‏ من قلب إحساسك‏/‏ لوناس كتير فارقتك‏/‏ حتلاقي يوم ناسك‏(‏ هيستيريا‏).‏
أحيانا أتساءل‏:‏ لابد أن الفن السينمائي قد اكتشف من أجل هؤلاء لكي يظهروا من خلاله تجليات مواهبهم الفنية وإلا فكيف كان لنا أن نحظي بشرف معرفة كمال سليم وصلاح أبو سيف وتوفيق صالح وعاطف الطيب وأحمد زكي كان لابد إذن أن يظهر أحمد زكي علي شاشتنا المصرية العربية‏..‏ لكي تكون الصورة أحلي‏.‏
أي أرض طيبة غير مصر تنال رضا الرحمن فينعم عليها بإنجاب مثل هذه الموهبة الفنية السخية السرمدية‏!‏ أحمد زكي‏..‏ الفنان القادر علي تغيير الزمان والمكان بلمسة أو بلفتة أو بنظرة أو بنبرة أحمد زكي‏..‏ المواطن المصري فارس السينما وأستاذ فن التعبير والتمثيل بأطراف الأصابع ونني العين‏.(‏ فسيفساء قاهرية‏)‏ أحمد زكي‏..‏ الثروة القومية والظاهرة الكونية ورئيس جمهورية التمثيل العالمية‏.‏
‏***‏
ختام‏:‏ عم مساء يا أميري الحبيب‏!/‏ ولتصاحبك الملائك‏..‏ بالترانيم الجميلة‏..‏ للنعيم الأبدي‏!‏ هاملت ويليام شيكسبير ـ ترجمة د‏.‏ محمد عناني‏.‏
أديبة وأكاديمية - مصر