417‏السنة 123-العدد2005مارس19‏9 صفر 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أول الكلام

القمة‏..‏ والأزمة

أسامة سرايا


لا أريد أن أقول قمة المأزومين‏..‏ أو قمة الفرص الضائعة‏..‏ أو قمة الحد الأدني‏,‏ فنحن عادة ما نختصر الاجتماعات حتي ولو كانت علي مستوي القمة في عنوان‏,‏ وبالرغم من أن البعض يقول منذ البداية‏:‏ القمة المسروقة‏,‏ فنحن مازلنا نرنو إلي مؤسسة القمة العربية في اجتماعاتها الدورية‏,‏ خاصة هذه المرة‏,‏ ونحن نحتفل بمرور ستين عاما علي التنظيم العربي الوحيد الذي حافظ علي بقائه‏,‏ رغم الظروف الصعبة التي تعيشها منطقتنا وأحوالها‏,‏ التي لا تغيب عن أحد‏,‏ باعتبار أن المنطقة هي بؤرة الصراع الدولي‏,‏ علي البترول‏,‏ الطاقة الوحيدة للعالم الآن وفي المستقبل‏,‏ كما أنها المنطقة التي تعيش فيها إسرائيل الدولة ذات الطبيعة الخاصة والتي تدعمها أكبر طائفة في العالم‏,‏ ليس عددا‏,‏ لكن أموالا ونفوذا إعلاميا وسياسيا‏,‏ وهي اللوبيهات اليهودية‏,‏ وهي بحكم المعايير السياسية مؤثرة في الحكم العالمي‏,‏ داخل الولايات المحدة‏,‏ بل في الاتحاد الأوروبي وهما القوتان الكبريان في العالم‏,‏ وأيضا داخل القوي الأخري التابعة والموثرة‏,‏ في صياغة هذا النظام الدولي‏.‏
وفي خضم أو داخل حرب الإرهاب التي تفجرت بعد أحداث سبتمبر‏2001‏ في واشنطن ونيويورك‏,‏ دخلت منطقة الشرق الأوسط حربي أفغانستان والعراق‏,‏ وأصبحت أمريكا عضوا فاعلا ومؤثرا في جامعة الدول العربية بحكم احتلالها للعراق منذ عامين‏,‏ ومازال الاحتلال مفتوحا‏..‏ بل إن الأزمة العراقية دخلت حالة من الاستعصاء الأمني من النادر فهمها أو تحليلها بدقة‏,‏ فهل أصبح العراق‏,‏ كما يقول البعض‏,‏ مستنقعا للأمريكيين‏,‏ أم مأزقا للعرب‏,‏ ومسرحا للموت المجاني الفردي والجماعي للعراقيين في صورة دامية بقلب المنطقة العربية تدمي أي قلب أو عقل واع؟‏!‏
العراق الكبير دخل انتخابات هللت لها أمريكا والعالم‏.‏ ونحن لا نرفض الانتخابات‏,‏ بل نحن معها لكن ماذا حدث؟‏!‏ لم يتوقف الموت بل اتسع نطاقه‏,‏ وأصبحنا في حالة ليست حربا أهلية ننتظر أن تتوقف‏,‏ أو نتفاوض حولها‏,‏ لكننا نري موتا بالجملة لا يعرف أحد أسبابه‏,‏ أو كيف يتوقف؟ في هذه الحالة البكائية‏,‏ فإن العراقيين لم يستطعوا رغم الانتخابات وتشكيل جمعيتهم الوطنية‏,‏ اختيار حكومة‏.‏ كما أن الصراع السياسي‏,‏ لا يقل خطرا عن الصراع العسكري والدموي علي الأرض‏,‏ فلم يتفق العراقيون علي الحكومة‏,‏ كما أن التناقضات والتحالفات بين العناصر والقوي السياسية‏,‏ دخلت هي الأخري نفقا لا أريد أن أقول مظلما‏,‏ لكنه علي كل حال نفق‏,‏ لا يري فيه الناس بعضهم البعض بوضوح‏,‏ والرؤية غائمة‏,‏ والمستقبل تبعا لذلك غير واضح‏,‏ والأمريكيون يهللون‏,‏ وكأنهم يرون في حالة الموت المجاني والانهيار العراقي حالة ترضيهم لأنها جمعت قوي مختلفة‏,‏ يريدون تصفيتها بهذا الأسلوب الدامي‏.‏
والأزمة الفلسطينية لم تتوقف‏,‏ هناك انفراجة محدودة‏,‏ لكنها بالقطع هشة جدا وضعيفة‏,‏ فهل تقوي علي البقاء والصمود في هذا العالم أو المنطقة‏,‏ التي تهزها الزلازل والأعاصير؟ فالفصائل الفلسطينية تتشدد في الحوار مع بعضها البعض‏,‏ متناسية أنها طرف واحد‏,‏ يتحاور مع طرف آخر يملك كل الأوراق‏,‏ والكروت‏,‏ ويريد تفجير الوضع‏,‏ ليبدأ مرحلة تصفية جديدة‏.‏
الله يلطف بالفلسطينيين‏,‏ ويزيد من قدرتهم علي مواجهة ما ينتظرهم‏,‏ من عدو صعب لا يرحم‏,‏ سواء كان علي مائدة المفاوضات أم في معركة دائرة وطاحنة بين أطراف غير متكافئة علي الإطلاق‏,‏ والأخطر أنها تكاد تكون غير متناغمة‏,‏ لا أريد أن أقول متصارعة‏,‏ لكن إستراتيجياتها ورؤاها‏,‏ في أبسط الأحوال‏,‏ غير واحدة‏.‏
هذا هو مناخنا أو أزمتنا‏,‏ ولم نكن في حاجة إلي أزمات جديدة‏,‏ فإذا بحادث تفجير قبل القمة بأيام هو رحيل شخصية لبنانية مهمة ورئيس الوزراء اللبناني السابق الحريري‏,‏ الذي جاء ليفتح صراعا ليس بين حكومتي سوريا ولبنان‏,‏ لكن بين الشارعين‏,‏ أو إذا راعينا الدقة بين جانبي‏,‏ لا أقول أقلية وأغلبية‏,‏ ولكن فريقا لا يستهان به من اللبنانيين والسوريين‏,‏ معا‏.‏
لقد أعلنت سوريا الانسحاب من لبنان‏,‏ حتي تخفف من حدة التوتر بين الشعبين‏,‏ لكن الجريمة الفادحة وتداعياتها تزيد تفاقم الموقف‏,‏ خاصة مع عدم قدرة المحققين الدوليين علي الوصول إلي مرتكبي ومخططي هذه الجريمة البشعة‏,‏ والتي أصبحت ورقة لتأزيم المواقف السياسية وكل الفرق السياسية المتنافسة لا أريد أن أقول المتصارعة‏,‏تلعب بها علي المسرح الملتهب‏.‏
وعشية القمة‏,‏ فإن حرب الإرهاب‏,‏ خلقت أوضاعا صعبة لم تقتصر علي دولة دون أخري‏,‏ فالتيار المتأسلم‏,‏ لم يستسلم ولم يتعلم‏,‏ ومازال يعقد المواقف السياسية‏,‏ ليس فقط في الخليج أو المغرب أو المشرق‏,‏ لكن في كل البلاد‏,‏ حيث يطل برأسه‏,‏ ويريد أن يستفيد من الأزمة‏,‏ ويلعب علي كل حساباتها‏.‏
وعشية القمة لاتزال قضايا الإصلاح السياسي الديمقراطي مفتوحة ليست كملف‏,‏ لكن في الشارع السياسي ككل‏,‏ ولم تكن الصراعات الطائفية بعيدة‏,‏ فأطل علينا صراع قديم بين طائفتين تمثلان دينا واحدا هو الإسلام هما السنة والشيعة‏,‏ فالثورة الإيرانية لم تفلح في إبرازه لكن الحرب العراقية جعلته واضحا وركنا ركينا في منطقتنا‏,‏ فهل هناك قوي سياسية‏,‏ قادرة علي استيعاب التيارات الدينية المتشددة‏,‏ أو المتنافسة ودمجها في عملية سياسية واضحة المعالم؟
عشية القمة‏,‏ كل القضايا الصعبة غير مطروحة‏,‏ فالعرب لا يعرفون التفكير الجماعي‏,‏ ومازالت الرؤي غائمة‏:‏ هل الإصلاح القطري هو الحل؟ وماذا عن الإصلاح الإقليمي؟
إنهم جميعا لا يستطيعون أن يركبوا قطارات عديدة‏,‏ وليس أمامهم علي ما يبدو‏,‏ إلا العربة الأخيرة في آخر قطار يمر أمامهم‏,‏ فهل يركبونها‏,‏ ويتحاورون بلغة عاقلة تحترم إمكاناتهم وظروفهم‏,‏ ويعترفون بالأزمة‏,‏ وقدراتهم المحدودة علي الحل الفردي‏,‏ ويتفقون علي سياسة جديدة‏,‏ تنجو بمؤسساتهم ودولهم‏,‏ من السقوط والتفكك في عالم لا يحترم إلا الأقوياء‏,‏ والذين يعرفون‏,‏ ويخططون ويديرون أمورهم بشجاعة واحترام لظروفهم وللواقع الذي يعيشون فيه‏,‏ ويؤمنون بعالم تموج تيارات متصارعة وظروف صعبة تتغير ليس يوميا بل علي مدار الساعة‏.‏
القمة أمامها فرصة لم تضع بعد‏,‏ لكن التجهيزات والحوارات والاجتماعات المسبقة لا تنبيء بتحرك يواكب الأوضاع والتطورات المتلاحقة التي تعيشها المنطقة والتي وصلت إلي أسماع القادة وأنهم يجهزون لغة جديدة‏,‏ ومؤسسات متطورة لمواجهتها‏.‏
لم أفقد الأمل‏..‏ رغم أن بلادنا العربية ليست دول مؤسسات‏,‏ ومازالت رهنا بإرادة القادة‏,‏ وقد وصلتهم رسائل التطورات والأوضاع الصعبة للشعوب‏,‏ والأزمات المستحكمة للمنطقة‏,‏ والضغوط الداخلية التي هي ليست هينة‏,‏ فما بالكم بالضغوط الخارجية التي وصلت إلي مرحلة المطارق‏,‏ التي تدق الأبواب‏,‏ وتدخل بلا استئذان وتري أنها من حقها المشاركة‏,‏ بل التدخل السافر والعلني‏,‏ هل نري وسط هذه الظروف سياسات جديدة أو مؤسسات خلاقة؟‏!‏
لاتقولوا لنا إننا بعد‏60‏ عاما سوف نشهد برلمانا عربيا يتم تعيينه بواسطة الحكومات أو البرلمانات العربية الضعيفة‏,‏ هذا ليس حلا مريحا علي الإطلاق‏.‏
لا تقولوا لنا إننا لا نستطيع أن نفتح الأسواق ونقيم منطقة تجارة عربية حرة مائة في المائة‏.‏
لا تقولوا لنا إننا لا نستطيع أن نفتح المجال أمام حريات انتقال الناس والأموال والسلع والخدمات في المنطقة العربية‏.‏
لا تقولوا لنا إن الخلافات العربية مازالت علي حالها‏,‏ وأن كل شقيق مازال يري الخوف في شقيقه‏,‏ وأنه يفضل الغريب والأجنبي عن أن يتعاون مع شقيقه‏.‏
لا تقولوا لنا إنكم مازلتم متنافسين بل خائفين من بعضكم البعض‏.‏
لا تكرروا علينا ما كنتم تقولونه عبر‏29‏ قمة‏,‏ هي عمر نظامكم وتاريخ اجتماعاتكم منذ إنشاء الجامعة وحتي الآن‏,‏ فنحن في عالم لا يعرف لغة الدبلوماسية والبيانات التي أغرقنا فيها‏,‏ لكننا نبحث عن لغة جديدة وعالم جديد‏.‏
قد يكون البعض متفائلا‏,‏ لكنني لا أشعر ولا أتوقع‏,‏ فالإنسان لا يعيش بالحلم وحده‏.‏
وكل قمة وأنتم بخير إذا كان هذا ممكنا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا