
|
صنع الله إبراهيم بعد كتـابه يوميـات الواحات:
اخترت طريقي في السجن |
 | |
أجري الحديث- علاء البربري صنع الله إبراهيم كاتب يحمل حقيبة مبادئه في قلبه, لا يريد شهرة ولا نفوذا ولا سلطة ولا جاها, ومواقفه في الحياة العامة, وكتبه التي لم تراع أهل السطوة دللت علي أقواله وآراء المادحين له, لكن في كتابه الأخير يوميات في الواحات, الصادر عن دار المستقبل العربي, لم يكن الأمر مجرد تدليل علي مبدأ أو موقف أو قول, إنما تعدي كل ذلك إلي مرحلة من أخطر مراحل الكتابة وهي مرحلة التكوين. كيف اتخذ قراره بأن يصبح كاتبا جادا؟ ومتي؟ وفي أي ظروف؟ وبماذا خرج من رحلة الاعتقال والسجن التي امتدت إلي خمس سنوات لم تكن كلها عجاف؟ كيف حولها من فترة استضعاف وهوان إلي فترة استكشاف للذات ولأسرار فن الرواية والأهم لكيفية بناء إنسان قوي يحترم تلك الذات وذلك الفن وهؤلاء المنسيين تحت سياط الظلم. هنا حوار مع الكاتب الذي فرض بموقفه من جائزة مؤتمر الرواية العربية صورة مختلفة للكاتب العربي. ** لنبدأ بالسؤال عن سبب إصدارك هذا الكتاب الآن وقد كانت مادته لديك- علي ورق البفرة- منذ أربعين عاما؟ هذه الأوراق كتبتها في سجن الواحات ونجحت في تهريبها عبر صديق سلمها لأختي, وعندما خرجت أخذتها معي, وظللت محتفظا بها في كل سفرياتي كجزء مهم لتوثيق حياتي الشخصية, وكنت أعرف أنني سأرجع إليها في يوم من الأيام, لكن ما حدث أن الأستاذ مصطفي نبيل, رئيس تحرير مجلة الهلال كان قد خطط لنشر سلسلة عن مرحلة التكوين في حياة الأدباء وطلب مني أن أكتب شيئا عن مرحلة تكويني ككاتب, فلم أجد أفضل من هذه الأوراق تكشف عن تلك المرحلة, لأنني كتبتها وأنا- يادووب- بادئ حياتي ككاتب, وفيها تتضح عناوين الكتب التي كنت أقرأها وأتأثر بها, والأسئلة التي طرحتها علي نفسي وعلي الآخرين ومشروعات وملاحظات حول تخصصي الأولي, وأي طريق سأتجه إليه أسلوبيا, إذن أعدت قراءة هذه اليوميات ووجدت أنها تحتاج إلي هوامش للتعليق والشرح, وظلت فكرة إنجاز هذا العمل في بالي حتي انتهيت من رواية أمريكانللي, وأنا عادة عندما أنتهي من أي رواية أشعر بالملل والاكتئاب, فتعلمت أن أبدأ أو أشبك في أي عمل آخر مناسب لأخرج من هذه الفترة, ووجدت من المناسب أن أدقق المذكرات وأكتب التعليقات الشارحة وأنشرها في كتاب, وهذا يعني أنه ليست هناك أية علاقة بين نشر هذا الكتاب والأحداث والظروف الحالية, وإن كانت الفترة السياسية خلفية للأحداث في الكتاب, فإن الموضوع الرئيسي الذي ينبغي النظر إليه هو عملية تكوين الكاتب. ** استوقفني تعبير استخدمته في ذلك الوقت, إذ قلت معقبا علي أحداث دامية في المعتقل: علمتني هذه التجربة النظر إلي الإنسان ككل متكامل, مؤلف من نقاط قوة ونقاط ضعف, واحتل هذا الموضوع الصدارة من تفكيري بعد ذلك, فماذا قصدت, بل كيف لا تؤثر فيك تلك الأحداث الرهيبة إلا علي هذا النحو الهادئ؟ رأيت أن أهم شئ بالنسبة لأي كاتب أن يتعامل مع ما يمر به من ظروف بملاحظة هادئة تعطيه درسا في المستقبل يستفيد منه, بمعني أننا قد نتصور عن شخص ما يقوم بدور سياسي أو اجتماعي بارز تصورات تضفي عليه هالة من التقدير والتوقير, لكن عندما نحتك به عن قرب ونلمس تصرفات أخري له, يسقط من نظرنا, وهذا ليس عدلا, وليس صحيحا أيضا, فنحن بشر نصيب ونخطئ, وتخيلنا أن إنسانا لا يخطئ قد يصيبنا نحن بعقدة النقص, أو علي الأقل بتصور أننا غير أسوياء, وقد تعلمت أن أنظر من البداية إلي الحجم الطبيعي والحقيقي للأشخاص, وهذا ساعدني علي أن أتعايش مع نقاط ضعفي وضعف الآخرين أيضا. ** عندما انتقلتم من الواحات إلي سجن القناطر وبدأت الأمور تستقر بشكل ما اتخذت قرارك بأن تصبح كاتبا, ما دوافعك لهذا القرار؟ مثل كثير من الكتاب بدأت كتابة القصص وأنا في الـ17 أو الـ18 من عمري, لكنني لم أكن آخذ طريق الكتابة بالشكل الجدي, وإنما كجانب في حياتي مع الدراسة والنشاط السياسي, وفي السجن شعرت من كثرة وضخامة الانطباعات والتصورات والأحداث أن علي أن آخذ قرارا بالنسبة لمستقبلي, وهو ما تمثل في اختيار الكتابة طريقا. ** هل كان هناك كتاب آخرون أخذوا هذا القرار المصيري مثلك في السجن؟ كان معي جيلان, جيل متحقق مثل فؤاد حداد, وصلاح حافظ ولويس عوض, وخليل قاسم ومحمد صدقي وغيرهم, وكلهم كتاب متحققون, وجيل آخر لديه أحلام وطموح في الكتابة مثل عبدالحكيم قاسم وسمير عبدالباقي, و غيرهما, وأعتقد أن السجن ساعد هذا الجيل علي قرار الجدية في الكتابة كما حدث معي. ** تعامل النظام مع حركة حدتو التي كنت تنتمي إليها بمنطق غريب, إذ أعلنت الحركة تأييدها له, ومع ذلك ظل أعضاؤها في السجن يقهرون, وعندما خرجوا في العفو طولبوا بحل التنظيم والانضمام إلي الاتحاد الاشتراكي, ففعلوا, لكن الاتحاد الاشتراكي رفضهم. ألم يفقدك كل هذا الإيمان بجدوي الاشتغال بالسياسة وأثر بالتالي علي قرارك الاشتغال بالأدب والأدب فقط؟ لا طبعا.. لأن العمل السياسي واجب علي كل شخص, وهو يعني في أبسط صوره الاهتمام بالقضايا العامة لبلدك, ولعب دور في حلها أو توجيهها نحول الحل, وهذا واجب علي كل إنسان, وأنا لم أتهرب منه, إنما المسألة هي لأي شئ تعطي الأولوية ولماذا؟ يمكنك أن تعطي الأولوية للعمل السياسي, ومهنتك كطبيب تأتي في المحل الثاني, ويمكن العكس, أنا آثرت أن أعطي الأولوية للعمل الكتابي, وهذا لا يتنافي أبدا مع أنني طوال الوقت لدي موقف سياسي ومشتبك مع العملية السياسية بشكل أو بآخر. ** واضح من اليوميات أنك جعلت من السجن أكاديمية أدبية لك وأخذت نفسك بالشدة, لكن هل وصل الأمر حقا إلي أن تبكي يوما بسبب عجزك في ذلك اليوم عن الكتابة.. أليست هناك مبالغة في هذا الأمر؟ لا.. ليست هناك مبالغة.. لماذا؟ لأنك ساعتها اخترت الكتابة كمهنة وكمستقبل وليس لديك إنتاج سوي5 أو6 قصص, وطموحك أن تصبح كاتبا متفرغا تكتب مثل هؤلاء الذين نقرأ عنهم, وتصبح مشكلتك الكبري أنك علي طريق متشعب, لا أحد يستطيع أن يقول لك إنه الطريق الصحيح المناسب لإمكاناتك ككاتب مبتدئ, وبالتالي فأنت في الفراغ إلهو مطلوب منك أن تمشي في طريق لا تعرف ملامحه, مطلوب أن تعتمد علي خبرتك وتجربتك, لكن هذا بمفرده ليس كافيا, فخرجت من هذا بأنه علي أن أظل أكتب وأكتشف بنفسي, وبالتالي أصبح اليوم, الذي لا أكتب فيه لأي سبب يوما عصيبا يستدعي البكاء وأكثر. ** هذا يجعلني أسألك عن القواعد الأدبية التي خرجت بها بعد قرارك باحتراف الكتابة وتركيزك خمس سنوات في هذا الطريق الشاق؟ أولا يجب أن تأخذ حياتك كلها بجدية شديدة جدا, وتخضع يومك وطريقة تفكيرك وأسلوب تعاملك مع الأحداث والأشخاص وأسلوبك في حل مشاكلك وفي جمع المال, وفي تربية أولادك ومع زوجتك وحتي في التسلية, كل هذا يجب أن يخضع بشكل ما لعملية الكتابة, حتي إذا كنت ستلعب الطاولة عليك أن تخضع مشاعر الانتصار والهزيمة والانبساط والإحساس والضوضاء, وملاحظة الطرف الآخر والمتفرجين لمنطق الدراسة ومحاولة فهم الأمور والتكوين النفسي للبشر. ثانيا: لا تكتب إلا عن شئ تعرفه جيدا وأقصد بتعر فه جيدا أن تشعر به يملأ عليك نفسك وتفكيرك قد تجهل بعض التفصيلات عنه فيمكنك جمعها من أرشيف أو سؤال آخرين أو, لكن المهم أن تشعر به وتتحرق إلي كشفه وإعلام الناس به, أما الأفكار فما أيسرها علي الكتاب كلهم فهي كما قالوا مطروحة علي الطريق. ثالثا: أن تحاول اكتشاف أسلوبك الخاص, ليس من باب الوجاهة ولا من باب التميز عن الآخرين, لكن من باب الإضافة إلي الرصيد الإنساني, لنفترض أنني عشت تجربة نجيب محفوظ في الثلاثية وكتبت بنفس طريقته, هل ساعتها أكون قد قدمت شيئا؟ لا طبعا, لكن يمكنني أن أكتب التجربة بشكل مختلف, هنا تصبح متعة وعذاب الكتابة, وقديما تناول العرب علاقة اللفظ بالمعني وتعلمنا من عبدالقاهر الجرجاني أنه ليس المهم حشد أكبر عدد من الجمل المؤثرة, إنما المهم أن تعبر بدقة عما تريد. ** لكنك متهم من البعض بالابتعاد عن البلاغة المألوفة بسبب أسلوبك الشفاف الدقيق المكثف والمباشر أيضا؟ أذكر منذ بضع سنوات اتصلت بي قارئة وقالت إنها قرأت رواية لي أظنها وردة وأنها أعجبت بالرواية, لكنها مندهشة من شئ واحد. ماهو؟ إن مافيش أدب فيها, وسمعت هذا التعليق من أكثر من شخص ومن ناقد أيضا قال لي: عظيم جدا كتابك هذا, لكن أين الفن فيه؟ والفكرة أن هناك تصورا قديما يحبذ أن تكون الصورة الأدبية تحتوي علي مبالغة أو تشبيهات معينة مثل هذا الزمن الردئ أو المضئ, وهذا في رأيي ليس أدبا إنما فلسفة, والأدب أن تريد أن تقول شيئا فتستخدم أكثر الكلمات دقة, الأدب ليس في السطح, لكنه عالم من الإيحاءات والانفعالات تولدها ألفاظ وتراكيب تبدو بسيطة للوهلة الأولي*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|