
|
شريف المصري كاشفا الرجل ذو العقل الضخم:
المشاهد الأخيرة في حياة د. حسين مجيب المصري |
 | | شريف المصرى |
أجرت الحديث ـ تهاني صلاح تصوير ـ نور صبيح بالأمس القريب كان لـالأهرام العربي السبق في نشر آخر حوار أدلي به د. حسين مجيب المصري فور تنصيبه عميدا للأدب الإسلامي المقارن والدراسات الشرقية في مصر والوطن العربي واليوم ننفرد بنشر تفاصيل الأيام والساعات الأخيرة في حياة هذا العالم الجليل التي تنبيء عن أمور شخصية وقضايا معرفية ومسائل استشراقية روحية مستقبلية تدل علي نظرته الثاقبة للأمور وحصافته وفراسته وعلي حبه للمعرفة والبحث العلمي حتي في لحظات الموت والتي يرويها لنا صلاح رشيد أحد تلاميذه والذي كان يلازمه في السنوات الأخيرة كما يروي نجله الوحيد شريف المصري لمعرفة جوانب أخري من حياة المصري الذي عاش في صومعة ذات تضاريس, وأنه كان لا يتصدي إلا للجاد من الدراسات, والعميق من الأطروحات أي أنه رجل ذو عقل ضخم, كما قال عنه الناقد الكبير وديع فلسطين, وقال عنه د. الطاهر مكي إنه رائد الأدب المقارن بدراساته العميقة رغم أنه عاش في صمت مغموط الحق.بدأنا الحديث مع شريف نجل الراحل وسألناه: ** مكتبة د. حسين عامرة بالكتب النادرة فهل تحدثنا عنها وعن كيفية جمعه لها؟ علي حد معرفتي أن المكتبة جمعها والدي منذ عام1929 وبها كتب نادرة في الآداب الإسلامية المقارنة والشعر واللغة والنقد والتاريخ وغيرها من فروع المعرفة وقد يبلغ عددها عدة آلاف. ** ما الذي تنوي أن تفعله بهذه المكتبة النادرة والتي لا تقدر بثمن؟ لم أحدد حتي الآن ماذا أفعل بها ولكن كل ما يشغلني حاليا إعادة ترتيبها وتهويتها لأن بعضها بدأت تتآكل أوراقه وهي تحتاج إلي فهرسة وتصنيف وإعادة ترتيب وبعد ذلك يمكن التفكير في مكتبة الكتب النادرة في الجامعة الأمريكية لاقتناء كتب اللغات النادرة أو مكتبة الإسكندرية فهاتان المكتبتان تقدران القيمة الثقافية والأدبية لهذه المكتبة النفيسة. ** أستاذ صلاح منذ متي وأنت تلازم الدكتور حسين؟ عايشت هذا الرجل سنين عدة عرفته فيها أستاذا للدراسات الشرقية وآدابها في الجامعات المصرية والعربية, وعميدا للأدب الإسلامي المقارن في مصر والوطن العربي والعالم كما عرفته شاعرا محلقا أنيقا رقيقا ومن عجب أن حسين مجيب المصري هو فضولي العصر الحديث, والمصري الجديد في عزلته عن الناس, وانشغاله بالعلم والإبداع لاسيما بعد أن فقد بصره منذ عدة سنوات وازدادت عزلته حرمانا فوق حرمانه وضيقا بالدنيا التي ناصبته العداء ولم تبتسم له يوما ما. ** ما الذي كان يشغله في أيامه الأخيرة؟ كان لا يشغله سوي العلم حيث قال لي:أنا عقل يقظ وذاكرة حديدية في جسد معتل فقبل وفاته بساعات وفي غرفة العناية المركزة وهو طريح الفراش ممدد علي السرير والخراطيم التنفسية والعلاجية موضوعة في أنفه وأذنه وفمه. وبعد نزع بعضها ناداني طالبا مني أن أحضر له الأوراق ليملي علي نظرا لكونه كفيفا مقدمة كتابه الجديد المعنون بـالله جل في علاه في الشعر العربي والفارسي والتركي والأردي قديما وحديثا وقام بالحديث لمدة عشر دقائق متواصلة تمهد للموضوع, وتبدأ بأديان العرب في الجاهلية, والمرور بطائفة الأضاف, ثم تعبد النبي محمد صلي الله عليه وسلم في غار حراء قبل الإسلام, وكأنه يقرأ في كتاب, فذاكرته حاضرة, وتراكيبه عجيبة, وألفاظه واضحة, ومعانيه دالة ثم طلب مني أن آتيه ببعض المراجع في إصرار وعزيمة علي إنجاز هذا العمل الكبير الذي أراد أن يختم به مشواره العلمي والحياتي المليء بالمصاعب والأهوال والمشاق, والإنجازات غير المسبوقة.
|
 | | د. مجيب |
** وهل كان يحدثك عن مشروعات أخري كان ينوي عملها؟ كان يحضر لكتاب آخر بعد أن يفرغ من كتاب محمد صلي الله عليه وسلم في الآداب الشرقية والأوروبية في ثماني لغات. ** ما الذي كان يضايقه؟ منذ ثلاثة أسابيع أكد لي د. حسين أنه كان يتمني من أعماقه أن ينال عضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة الخالدين التي حرموه منها, بحجة أنه ضرير, في حين أنه رد عليهم قائلا:وماذا عن د. طه حسين رئيس المجمع الضرير خاصة أنه ظل خبيرا به مدة سبعة وعشرين عاما علاوة علي أنه العربي الوحيد الذي ألف خمسة معاجم عربية وفارسية وتركية وأردية وكانت له مقالات قيمة بمجلة المجمع في الالتقاء بين الآداب الشرقية والعربية. ** وما آخر أعماله في مجال الترجمة؟ في أثناء مرضه الأخير وهو في الفراش يعاني ارتفاع السكر, والالتهاب الرئوي الحاد, والانزلاق الغضروفي وأمراض الشيخوخة المزمنة, أمرني أن أقرأ عليه أشعار الشاعر الباكستاني حسن رضا خان, وأن نكمل ترجمة ديوانه وبالفعل قام بترجمة ثلاثين بيتا في ساعتين إلي الشعر العربي الموزون المقفي. ** نريد أن نعرف هل للراحل الكريم إنتاج آخر لم يري النور؟ نعم له ثلاثة كتب في المجلس الأعلي للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة أحدها بعنوان بدائع إقبال في شعره الأردي وهو أربعة أجزاء في مجلد واحد لم يترجم من قبل وهو يحكي ويقص عن بدايات إقبال وحصوله علي الدكتوراه من جامعة ميونخ عام1908 وقبل أن يصبح فيلسوفا وإن صدور هذا الديوان سيثري الحياة الثقافية لأنه يعني تلاقح الآداب والثقافات ويؤكد علي ريادة د. حسين, فهو أول من سلط الأضواء علي إقبال بموسوعية وأخرج عنه أحد عشر كتابا إلي جانب أشعاره وكان يتمني أن يصدر هذا الديوان في حياته لقيمته ونفاسته هذا إلي جانب ديوانين آخرين للشاعرين درد وغالب. |
 | | صور من حياة الراحل |
** ما النصيحة التي نصحك بها؟ من جملة ما حز في نفسي أن د. حسين مجيب المصري ودعني أكثر من مرة قائلا:إنني سأموت عما قريب وسيكون موتي صدمة لمئات من تلاميذي. وحاول أن يطمئنني بقوله:لا تحزن يا بني فلست أنا الوحيد الذي يموت, بل سبقني الملايين ثم إن العلم ليس حكرا علي أحد وتستطيع أن تبني عصاميتك وذاتيتك ومعارفك بنفسك, بدلا من الاعتماد علي الأشخاص. ** وماذا عن تلاميذه الذين كان يستقبلهم في منزله واليوم أساتذه في أكبر جامعات العالم؟ منذ طفولتي وصورة تلاميذه المترددين علي المنزل صورة متكررة يوميا فكانت رسالته في الحياة خدمة الآخرين من طالبي العلم دون مقابل وكان يساعدهم في حب وكان تلاميذه يتوافدون من أقصي صعيد مصر إلي الإسكندرية لطلب العلم في اللغات الشرقية واللغة العربية والتاريخ والآثار والشعر واللغة وغيرها. وكان يفتح بيته للجميع في أي وقت ومن ثم فهو صاحب مدرسة بل جامعة في بيته وهو رائد هذه المدرسة وقد أثر في أكثر من جامعة وفي أكثر من مجال عبر جامعته التي فتحها في بيته جامعة حسين مجيب المصري. ** وماذا عن د. حسين مجيب المصري الإنسان؟ كان إنسانا بسيطا طيبا رقيق القلب وكان بداخله طفل صغير لا يحمل لأحد سوءا في نفسه وكان يسعد ويبش لأبسط الأشياء فعندما كان ينشر عنه موضوع في الجرائد والمجلات ترتفع معنوياته ويقبل علي العمل وكنت أمسك بأصبعه لأحدد له مساحة الموضوع ومساحة صورته وكان يسعد ويفرح لردود الأفعال عن هذه الموضوعات وكان يقول لي لو كنت مبصرا لقاربت مؤلفاتي الثلاثمائة كتاب وكنت موسوعيا فعلا مثل الجاحظ وجلال الدين السيوطي. ** وما الذي كان يتمناه في حياته؟ كان يقول دائما إن أدبه وإبداعه ومشروعه الفكري سيجد العناية والرعاية والدراسة في مصر, ولكن بعد وفاته ومما كان يضايقه أنه لم تكرمه الدولة رغم أنه حصل علي عدد كبير من الجوائز والأوسمة من باكستان وإيران وتركيا وكانت تحتفي به. كان يتمني أن تفطن إليه المؤسسات الثقافية بنشر أعماله الكاملة ضمن إصدارات وسلاسل وزارة الثقافة العديدة. لأنه لم يجد من يلتفت إليه وإلي كتاباته مصريا وعربيا ويكفي أنه لم ينل أية جائزة مصرية ولا عربية وهو الذي يستحق أعلي الجوائز وأرفع التكريمات* |
|
 |
|
|
 |
|
|