415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الاستعمار والاستحمار

الشعوب العربية ترزح بين فكي رحي الاستعمار من الخارج والاستحمار من الداخل‏.‏
وإذا كنا نعرف الاستعمار ودوله وأساليبه وأغراضه ومؤامراته فإننا ومنذ سنين تطول وتطول لم نستطع أن نتعرف علي‏'‏ الاستحمار‏'‏ الذي يتعرض له كل شعب بل كل فرد عربي من داخله‏!!‏ وفي رأيي أنه لولا الاستحمار الذي يمارس علي الأفراد العرب لما كان للاستعمار سكة سالكة في ديارنا‏.‏
والمستحمرون هم في الواقع أشد خطرا ألف مرة من المستعمرين‏...‏ وكما قيل‏...‏ ألف عدو خارج البيت ولا عدو داخله‏.‏
ولدينا كل أنواع المستحمرين الجدد والقدامي والمتجددين مع كل جيل‏!!‏ من بين رجال الدولة رجال الأمن رجال الدين كبار التجار كبار الرأسماليين وصغارهم أرباب العمل الصحافة المقولبة المثقفون المأجورون وكتاب السلطان وأخيرا وأولا رؤوس الحكم والوزراء وأعضاء ما يسمي بالبرلمانات‏!.‏
كل هؤلاء يشتركون ويساهمون في الجريمة المروعة التي أصبحت نتيجتها ظاهرة لكل عين وملموسة ومؤثرة في كل بيت وفي كل فرد‏.‏
والنتيجة تخلف‏...‏ تخلف في البيت وفي وسائل العيش وفي المسلك البشري داخل البيت وفي الشارع وفي مقر العمل تخلف فكري في مستوي الأداء وفي كل مجالات الإعمار والصناعة والتجارة والزراعة والصحة والتعليم ونظافة الشارع ونظافة الجسم والنفس والعقل والضمير‏.‏ تخلف عن الأمم حتي أصبحت كل بلاد العرب في ذيل الأرض‏!!‏ رغم أن رصيدها التاريخي والمالي وموقعها كل ذلك يؤهلها لأن تكون في منطقة الرأس أو علي الأقل‏...‏ أمة وسطا‏!!.‏
والمزري أن كل هؤلاء المستحمرين أسباب التخلف والمنتفعين به من الوقاحة بحيث يريدون استحمار الأمة إلي الحد الذي يجعلها تفخر بهم وبأفعالهم وممارساتهم وهداهم‏!!!‏ وهذا إن دل علي شيء فإنما يدل علي أن كل هؤلاء هم أول من‏'‏ استحمر‏'‏ فقادوا الأمة كل من موقعه كالحمير تحمل أثقالا في خدمة المستعمر‏.‏
صحيح أنه علي المستوي الفردي فإن كل هؤلاء المستحمرين استفادوا آنيا من استحمار هذه الأمة الغافلة ولكنه في نهاية المطاف لا يزيد علي كونه مستحمرا في خدمة المستعمر ومشتركا فعالا في صنع الجريمة الكبري ألا وهي إخراج هذه الأمة من صفوف البشرية وجعلها أقرب إلي صفوف البهائم‏.‏
وإذا كانت الأديان قد أحلت بهيمة الأنعام للذبح والركوب والتحميل فلا نلوم كل أمم الأرض إذا هي حلت ذبح وركوب وتحميل هذه البهيمة الجديدة التي اسمها‏'‏ الأمة العربية‏'.‏
واللهم لا ملامة إلا علي من‏'‏ استحمر‏'‏ وعلي من قبل ويستمر في قبول هذا الاستحمار لنفسه ولأمته لتصبح أمة من الحمير‏!!!.‏
وإذا لم تهب هذه الأكثرية الصامتة‏...‏ المستحمرة والصامدة والصابرة علي هذا الاستحمار‏...‏ فلا فائدة لأننا نشاهد في الوقت الحاضر أن الندرة والقلة المستنيرة مرفوضة‏!!.‏
مرفوضة من الحاكم‏...‏ مرفوضة من رجال الدين ومرفوضة طبعا من كل الفئات المستحمرة وكذلك من القوات والدول المستعمرة‏.‏ والأدهي والأمر أنها مرفوضة من تلك الأغلبية الصامتة‏...‏ الصامتة إلا إذا تكلم مستنير وحاول أن يدق ناقوسا ليصحيهم من هذه الغفلة فنجدهم قد هبوا بكل نشاط في خدمة المستحمر والمستعمر ليسكتوا ذلك الصوت الذي يرفض النهيق‏!!!.‏
أي إصلاح سياسي يقابل بالرفض والاتهام وأي إصلاح ديني يقابل بالرفض والاتهام وأي إصلاح اجتماعي أو اقتصادي أو تعليمي يقابل أيضا بالرفض والاتهام‏.‏
ثم يأتي المستعمر فيطالب المستحمرين بأن يطبقوا ما يسمونه إصلاحا هو في الواقع استرسالا وتماديا في الاستعمار والاستحمار ونجد طوابير المستحمرين للاستعمار يهبون للتبرير والتنظير والتفسير لذلك الإصلاح الديموقراطي الاستعماري ونجد أن أولي الأمر ينصاعون لهذا التيار ويبذرون الوعود بالسير في ذلك الطريق الذي هو باختصار تسهيل الحصاد للمستعمر لما زرعه ويزرعه من استحمار‏!!.‏
الهنود الحمر في أمريكا سبقونا في طريق الاستحمار اسألوا صحفيا عربيا واحدا أن يقوم بتحقيق صحفي مصور عن حياة هؤلاء‏...‏ وأتحدي أن يسمح له أو أن يسمح لنفسه إذا كان من براغيث الحمير السلطانية أن يفعل ذلك‏!!‏ الأبروجينيز‏(‏ سكان استراليا الأصليين‏)‏ في استراليا سبقونا أيضا ونحن نسير في نفس الطريق‏...‏ ترسم لنا الخرائط ونحن نتولي تحويلها إلي مسارات للحمير‏!!‏ وإلا فما بال العملاء بناة السور الصهيوني وحماة الأخوة العربية الإسرائيلية‏...‏ ودعاة العولمة والشرق أوسطية وصناع الاتفاقيات الاختبارية‏'QIZ'‏ والمدافعون عن التعاون مع من ينادون بهدم المسجد الأقصي والممارسون للعادات السرية نقصد الاتصالات السرية مع الأعداء والمطالبون بأن تعود الأمة إلي عصر الخلافة العثمانية الرشيدة‏!!‏ التي تسببت في خروجنا من مسيرة الحضارة الإنسانية والمبشرون بالانصياع للأمر الواقع والمؤمنون بالمثل القائل‏'‏ من يتزوج أمي فهو عمي‏'!!.‏
ما بال هؤلاء كلهم وغيرهم كثيرون‏!!‏ يتصدرون هذه الأمة المستحمرة‏...‏ في كراسي الحكم‏...‏ وفي الصحف والإذاعات والتليفزيونات وبالأشرطة والفيديوكليبات ومجالس الوعظ والإرشاد والتدريس‏!!‏ وفي المدارس والجامعات وقيادات التوجيه والتشريع والحكم‏...‏ كلهم يدعون للخنوع والخضوع والإيمان المطلق بالأمر الواقع وكأنه جزء من الإيمان بالله وبالقضاء والقدر‏...‏ إلي متي نسأل‏...‏ إلي متي نستمر في السير في مسارب الحمير‏!!.............‏
المهندس‏/‏ سعيد المسحال
أحد مؤسسي حركة فتح