
|
تحالف عليهم الاحتلال ودلع البنات
معاقو الانتفاضة.. عزوبية مؤبدة! |
 | |
غزة- فلاح سلامة سرح بخياله بعيدا.. بعيدا, غرق في أحلام اليقظة حيث رأي نفسه فارسا يركب حصانه الأبيض يزهو به يمتشق بيسراه زمام فرسه وبيمناه عروسه فتاة أحلامه, يسابق بها الريح عائدا إلي عش الزوجية الذي طالما انتظره....وفجأة يشعر بشيء يحركه ذات اليمين وذات الشمال انتبه.. فإذا هي أمه العجوز تدفع بكرسيه المتحرك الذي لم يبرحه منذ السنة الأولي لانتفاضة الأقصي وقد رأي علي وجهها الذي- اتشح بالحزن- إجابة لسؤاله المتكرر عن العروس المرتقبة..'لقد رفضوا أيضا بحجة أن ابنتهم ستكمل تعليمها مع أني أعرف أنها فاشلة في دراستها'. لم يكن ما سبق فقرة من مشهد درامي في مسرحية أو فيلم تراجيدي بل هو واقع يحياه المئات من الشباب الفلسطيني الذين عوقبوا مرتين علي نضالهم: مرة برصاص الاحتلال الذي أقعدهم وحولهم من أبطال الانتفاضة إلي أبطال الإعاقة وعوقبوا للمرة الثانية بحرمانهم من حقهم في بناء أسرة وإقامة بيت ينعم بالحب والوفاء وأصبحوا في بحثهم عن زوجة تماما كمن يبحث عن إبرة في كومة قش هذا إن وجدت الإبرة أصلا..
عندما يسقط الفارس حسين العبادلة شاب في الخامسة والعشرين من عمره يسكن في مدينة غزة يحلم بأن يرتبط بفتاة مهذبة تقدر حالته وتقيم أسرة معه قوامها الحب والسعادة بحث عنها منذ فترة غير قصيرة, ولكنه لم يجدها أو بالأحري رفض من قبل ذويها لأنه معاق. فهو يعاني من شلل نصفي كتب عليه القدر أن يعيش مقعدا علي كرسي متحرك أصبح بمثابة المعين له في مواصلة حياته. التقينا بالشاب محمد وقد علت علي وجهه ابتسامة زادت من أناقته رغم مرارة الجلوس علي الكرسي ليروي لنا تفاصيل رحلته في البحث عن شريكة له والتي تزداد صعوبتها علي القصص التي كنا نقرؤها ونحن صغار عن الفارس الذي قطع آلاف الأميال لينقذ محبوبته ولكن محمدا قاوم الاحتلال وسقط عن جواده بإعاقة لتهرب منه العروس حيث تقدم مرات عديدة لعائلات مختلفة طالبا منهم الزواج وفق عادات الشعب الفلسطيني إلا أنه قوبل كل مرة بالرفض و بالرد المجحف فقال' تقدمت هذا العام لعدة عائلات وطلبت منهم أن يزوجوني إلا أن الجميع رفضني بسبب إعاقتي وفي كل مرة كانوا يسوقون لي حججا تبرر الرفض كأن يقولوا بأن ابن عم البنت يريد الزواج منها أو أنها تريد أن تكمل تعليمها.... و.... وأنا غير مقتنع بهذه الحجج'. ويردف قائلا وبمزيد من الحسرة والألم الذي يمزق قلبه' لو أني تقدمت لأية فتاة منهن وأنا أمتلك ما أمتلك من المواصفات وأنا شاب سوي وفي الموعد نفسه بالتأكيد سيوافقون عليه فانا وبفضل الله لا أعاني من أية مشاكل سواء علي صعيد القدرة الجنسية أم علي صعيد الحالة الاقتصادية أم التعليمية فأنا أملك بحمد الله مصدر رزق جيدا و أتعلم في الجامعة و عندي شقة جاهزة وسيارة تحت تصرفي'. غرقت مع هذا الشاب في تساؤلاتي التي لا تنتهي هل هذا جزاء نضاله هل عندما يسقط الفارس عن جواده تتخلي عنه عروسه كيف ولماذا ألم يكن مثل محمد حلما لكل فتاة وأهلها ولم ينقذني من هذه التساؤلات سوي صوت محمد مشيرا إلي أن هذا الرد الذي يلقاه من العائلات الرافضة تزويجه هو قاس ومجحف في حقه كنت شابا مملوءا بالحيوية والحركة قبل أن أصاب في انتفاضة الأقصي بعيار ناري متفجر من نوع دمدم في عنقي بينما كنت أرشق قوات الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة بالقرب من معبر المنطار شرق مدينة غزة الأمر الذي تسبب لي في تهتك النخاع الشوكي ومن ثم إصابتي بالشلل النصفي. ويذكر محمد إحدي العبارات التي قالها له والد إحدي الفتيات التي تقدم لخطبتها فيقول' من الكلمات القاسية التي نزلت كالسيف علي العنق أن قال لي والد إحدي الفتيات بصريح العبارة: أنت لا تنفع لشيء' مؤكدا لكن رغم قسوة هذه الجملة إلا أنها لم تؤثر في عزيمة شاب قاوم ودافع عن وطنه بل ستكون دافعا له ليبحث أكثر عن فتاة أحلامه التي تقدر له نضاله.
المجتمع ظلمني.. أما إذا وافق أهل الفتاة علي تزويجها من شاب معاق فيكون عادة لأن ابنتهم تعاني من مشكلة جسدية معينة أو معروف عنها بقلة إدراكها للأمور أو غير ذلك من العيوب كما حدث مع الشاب أيمن من مدينة جنين الذي خاض لسنوات عديدة مغامرة البحث عن فتاة أحلامه( الفتاة المتعلمة الواعية التي تفهم ما يريد زوجها أن يقول لها قبل أن يتكلم بغض النظر عن جمالها) لكنه لم يعثر عليها وفي نهاية الرحلة اضطر علي القبول بأول فتاة وافق أهلها علي تزويجها له رغم أنها لا تتمتع بأدني مواصفات فتاة أحلامه وحول هذا يقول والحسرة تعتصر قلبه حتي كادت قلوبنا أن تعتصر ألما علي قصته:' اضطررت قبول الزواج من جارتي التي عرفت منذ طفولتها بعدم رجاحة عقلها وقلة وعيها لأتخلص من عقدة البحث عن زوجة'. وأيمن يعاني من بطء حركته وخطواته حيث يرتكز علي عكازين ليضبط مشيته إثر إصابته برصاصة في العمود الفقري في انتفاضة الأقصي ويكمل أيمن بمرارة وحسرة:' المعاق يحق له أن يعيش حياة كريمة يمارس خلالها جميع الأنشطة كباقي أفراد المجتمع فيحصل علي عمل و يتزوج و يكون أسرة و لا يجب أن ننظر للمعاق نظرة عطف و شفقة بل ننظر إليه كإنسان سوي'. و يري أن نظرة المجتمع للمعاق يجب أن تتطور و تتبدل
لا أقبل به أبدا.. أما عن نظرة الفتاة الفلسطينية للشاب المعاق و مدي تقبلها للزواج منه فقد اختلفت الآراء و تباينت وجهات النظر فمنهن من رفضن الفكرة رفضا تاما ومنهن من رأيين ضرورة' الشفقة' علي المعاق و الزواج منه من باب العطف... إلي غير ذلك. تقول إيمان(19 عاما)' لا أقبل إطلاقا الزواج من شاب يعاني من أي نوع من الإعاقات الجسيمة فأنا لا أتوقع النجاح لحياتي الزوجية مع شخص معاق لأن التفاهم بيننا سيكون صعبا' مبينة أن الفتاة السوية يجب أن تتزوج من شاب مثلها بحيث يستطيع العمل و تحمل الأعباء الأسرية كاملة'. و تضيف: لست أنكر حق أي شخص معاق بأن يعيش مثلنا و لكنني فقط أرفض أن يرتبط ذلك الشخص بعلاقة زوجية معي لأن ذلك سيكون مجلبة للمشاكل الاجتماعية بيننا فيما بعد'.
العنوسة أفضل أما رانية(18 عاما) فتري أن الزواج من شاب معاق شيء ممكن بالنسبة لها حيث تقول: من الممكن أن أقبل الزواج من شاب مصاب بإعاقة إذا كانت إعاقته خفيفة و لا تؤثر علي سير الحياة الزوجية و متطلباتها لكن ليس أن يكون معاقا إعاقة تامة ولا يستطيع الحركة و يحتاج إلي المساعدة في كل شيء لأن الزوجة لا يمكن أن تطيق ذلك'. أما خلود(20 عاما) فقد كان لها رأي أكثر شدة من سابقاتها حيث لخصته بعبارة' العنوسة أفضل عندي من الزواج من شخص معاق لا أعتقد أن هناك بنتا تحب أن يحكم عليها بالسجن مع الأشغال الشاقة'.
المعاق لن يسعدها! أما الآباء فيبحثون عن سعادة بناتهم والتي يرون أنها تتحقق مع زوج مكتمل الأوصاف وقادر علي القيام بدوره الأسري علي أكمل وجه فلا تمنعه من ذلك إعاقة مهما كان نوعها. أبو حسام الشيخ أب لأربع بنات يرفض جملة وتفصيلا فكرة زواج أي من بناته بشاب معاق حيث يضيف: أري أن الشاب المعاق لا يصلح أبدا أن يكون زوجا لابنتي حتي لو هي وافقت عليه سأمنعها و سأجبرها علي التخلي عن رأيها'. و يعلل عامر رأيه بأنه يخشي علي ابنته من المشاكل المستقبلية لو تزوجت بشخص معاق' كأن تظل في مشقة لا يعلمها إلا الله' علي حد تعبيره.
تاج كل فتاة ورغم أن العديد من الفتيات يرفضن الارتباط بشاب معاق ولو كان بطلا سابقا فمازال يمثل صورة مشرقة حيث مازال يفخر بأن المجتمع الفلسطيني هناك من بناته من يقدر دور بطل الانتفاضة فهذه الشابة( إلهام) نموذج لفتاة سوية تحمل من الصفات ما يتمناه كل شاب لنفسه وافقت علي الزواج من شاب يعاني من تشوهات في جميع أنحاء جسده نتيجة تعرضه للحروق من الدرجة الثانية إثر نجاته من صاروخ سقط علي منزله تقول إلهام متحدثة عن قصة زواجها من( م. ع) الذي يعمل موظفا في إحدي المؤسسات الفلسطينية: عندما جاء زوجي ليطلب يدي من أهلي رفضوه بشدة فتدخلت بجرأة وقلت إنني أوافق علي الزواج منه فإذا كان هذا الشاب قدم روحه رخيصة من أجل الدفاع عن وطننا فلماذا لا أضحي أنا الأخري بحلم الزوج الوسيم وأقبل الزواج من هذا الشاب مادام يتصف بجميع صفات الزوج المثالي باستثناء شكله فكانت مفاجأة لأسرتي حيث حاول والدي إقناعي بالعدول عن رأيي إلا أنني صممت علي ذلك و تحديت كل الظروف حتي كتب الله لي أن أتزوج منه' و تضيف إلهام مفتخرة بزوجها' أعيش مع زوجي منذ حوالي عامين وبيني وبينه تفاهم قلما يتوفر بين أي زوجين سويين حتي أن الكثير من صديقاتي يحسدنني عليه'. ولا يختلف الأمر كثيرا لدي الطالبة الجامعية التي عرضت نفسها للزواج من شاب معاق نتيجة لمقاومته للاحتلال والتي تتمتع بقدر من الجمال ورجاحة العقل:' ليس لدي مانع أن أرتبط بشاب معاق ما دام هذا الشاب علي قدر عال من الأخلاق ورجاحة العقل والدين وما دامت هذه الإعاقة لا تؤثر علي قدرته علي قيام بدوره كزوج بل إن بطل الانتفاضة وإن كان معاقا لهو تاج علي رأس كل فتاة فلسطينية وأقل شيء يمكن أن نكافئه عليه أن تتسابق الفتيات علي الارتباط به.
ضع نفسك مكاني ما ذنب هؤلاء الشباب الذين ضحوا بصحتهم من أجل وطنهم ألا يكفي ما هم فيه من إعاقة بدنية ليجلدهم المجتمع بسياط الرفض ونظرة الدونية وهل البطولة تسحب من بطل الانتفاضة عندما يصبح معاقا؟ حملنا هذه التساؤلات وطرحناها علي الأستاذ شوكت صلاح مدير جمعية تأهيل المعاقين في جنين في الضفة الغربية فقال:' إن الأسباب التي تكمن وراء رفض المعاق كزوج تعود إلي المفاهيم الاجتماعية الخاطئة التي تسود المخيمات والقري الفلسطينية حيث تتنافس العائلات الفلسطينية علي ارتباط بناتها بما يتناسب مع أوضاعهم الاجتماعية كنوع من التباهي والتفاخر بالصهر وهذه العادات أثقلت بطل الانتفاضة المعاق بالإضافة إلي المفاهيم الخاطئة التي تسود عند البعض بأن الشاب المعاق لا يستطيع أن يتحمل أعباء الأسرة وهذه الأسباب ليست في محلها فيقول' ليس هناك ما يبرر فعلا رفض الإنسان المعاق كزوج إذا كان يملك من القدرات ما يؤهله لتحمل الأعباء الزوجية كاملة'. ويري صلاح بأنه لا بد من حلول جوهرية للمشاكل التي يعاني منها المعاقون في المجتمع الفلسطيني خاصة فيما يتعلق بمسألة قبولهم أو رفضهم كأزواج مضيفا' أول الحلول يكمن في ضرورة دعم الشخص المعاق بقدر المستطاع في شئونه الحياتية الخاصة مثل توفير مصدر رزق لهم كي لا يكون هذا الأمر سببا رئيسيا في رفضه كزوج'.
%3 معاقون و في إحصائيات لوزارة الشئون الاجتماعية الفلسطينية تبين أن عدد المعاقين في فلسطين بلغ حوالي109035 معوقا منهم69145 معوقا من محافظات غزة حيث إن نسبة المعاقين في المجتمع الفلسطيني وصلت إلي%3 وتعتبر من أعلي النسب في العالم نتيجة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ممارسات واعتداءات صهيونية وذكرت الوزارة أن أكثر من نصف المعاقين المسجلين لديها هم من جرحي الانتفاضة الذين أصيبوا إصابات مباشرة بعيارات نارية في الحبل الشوكي والرأس* |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|