415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص
أشد أنواع الغربة

د‏.‏ مبروك عطية


تصير غريبا إذا جمعت متاعك‏,‏ وحملت حقيبتك‏,‏ وودعت أهلك‏,‏ وختمت جوازك بختم النسر‏,‏ وارتحلت إلي بلد بعيد‏,‏ وحالت بينك وبين وطنك المسافات والبحار والجبال و الأنهار‏,‏ وأصبحت تتعامل مع أناس آخرين‏,‏ ربما كانوا من أبناء عروبتك‏,‏ لكنك لا تفهم بسرعة لهجتهم‏,‏ ولا تدرك كناياتهم‏,‏ وتصريحاتهم‏,‏ ولا رموز حياتهم‏,‏ ولكل قوم في الحياة رموز‏,‏ تبسم في كل وجه تلقاه وأنت تخشاه‏,‏ وبين جوانحك قول القائل بلادي وإن جارت علي عزيزة‏,‏ وأهلي وإن ضنوا علي كرام‏,‏ وتمر بالبساتين فلا تبهجك خضرتها‏,‏ ولا يسرك منظرها‏,‏ وتقول كما قال إيليا‏:‏
إني مررت علي الرياض الحانية
وسمعت أنغام الطيور الشادية
فطربت لكن لم يحب فؤاديه
كطيور أرضي أو زهور بلادي
قالوا أليس الحسن في كل الدنا
فعلام لم تمدح سواها موطنا
فأجبتهم إني أحب الأحسنا
أبدا وأحسن ما رأيت بلادي
فهو لا ينكر وجود الجمال في كل أرجاء الدنيا‏,‏ لكنه متعلق بالأجمل‏,‏ وأجمل ما رأت عيناه بلاده‏,‏ فبلاده في كيانه‏,‏ ماؤها أعذب ماء‏,‏ والحياة فيها هي الحياة‏,‏ والحياة في غيرها ما هي إلا أنفاس تسري‏,‏ وأيام تمر‏,‏ ناهيك بتغير الإحساس بالزمن في بلاد الغربة‏,‏ فاليوم أعوام والشهر قرون‏,‏ والسنة دهور طويلة‏.‏
وقد هاجر المصطفي صلي الله عليه وسلم من مكة إلي المدينة‏,‏ وهاجر كذلك أصحابه‏,‏ وقالت أم المؤمنين عائشة‏:‏ مررت بأبي بكر وهو يقول‏:‏
كل أمرئ مصبح في أهله والموت أدني من شراك نعله
فقلت‏:‏ والله لا يدري ما يقول‏,‏ وكذلك قالت في بلال‏,‏ فلما بلغ النبي صلي الله عليه وسلم ذلك قال‏:‏ اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة‏,‏ وبفضل هذا الدعاء النبوي الكريم استطاع المهاجرون أن يعيشو ا فيها ويمارسوا أنشطتهم‏,‏ ويشعروا بحيويتهم‏,‏ هذا فضلا عن صحبتهم للنبي صلي الله عليه وسلم‏,‏ وهي وطن الأوطان ومنتهي ما يبتغيه الإنسان ذو الوجدان‏,‏ أن يصحب خير إنسان وأكرم إنسان‏,‏ وأجمل إنسان‏,‏ سيد الدنيا‏,‏ صلي الله عليه وسلم‏.‏
وقد عد موت الغريب شهادة‏,‏ فهو شهيد‏,‏ حيث إنه خرج في سبيل الله مجاهدا طالبا للرزق والعفة‏,‏ مناضلا بدمه وعمره‏,‏ ساعيا علي نفسه وأهله‏,‏ معانيا آلام الغربة وعنتها‏,‏ ومن ثم كان موته بعيدا عن ظلال وطنه ودفء أهله شهادة‏,‏ ويقيني أن إحساسه بتلك النهاية‏,‏ وأنه شهيد إن مات في غربته يهون عليه آلام تلك الغربة مثلما يهون علي أهل الشهيد إيمانهم بأنه حي يرزق عند الله‏:‏ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون‏.‏
لكن ما الذي يهون علي الغريب المبتلي بأشد أنواع الغربة هذا العذاب الأليم الذي يعانيه وهو الذي لم يجمع متاعه في حقائب‏,‏ ولم يحرك قدمه ماشيا‏,‏ ولم يختم جوازه بختم الرحيل‏,‏ فأشد أنواع الغربة‏,‏ الغربة بين الأهل‏,‏ وعلي أرض الوطن‏,‏ وإذا كانت الغربة المعروفة تلك مظاهرها من شد الرحال‏,‏ وبعد الرجال‏,,‏ وشدة الحال‏,‏ وقلة الاتصال‏,‏ ومجابهة الأهوال‏,‏ وخفاء المآل‏,‏ فما مظاهر تلك الغربة التي يعيشها الإنسان بين أهله وعلي أرض وطنه؟
إن أهم مظاهر تلك الغربة القاسية أن تنادي فلا يجيبك أحد‏,‏ برغم وجود الكثيرين حولك‏,‏ وإذا قال لك‏:‏ نعم‏,‏ لم يفهم ما تريد‏,‏ صحيح أن الحروف التي تخرج من فمك هي الحروف نفسها التي تخرج من فمه‏(‏ أ‏,‏ ب‏,‏ ث‏,‏ ج‏,‏ لكن البون شاسع بين المعاني‏,‏ اللغة واحدة وكأنها لغات الهند الكثيرة‏,‏ ما أصعب أن تحدث شخصا واحدا وكأنك تناديه‏.‏
في ألف واحد‏,‏ وكأنك في ولد‏,‏ وما أصعب أن تسمع أذنك حروفا عربية وأنت تنكر معناها‏,‏ مع أن صاحبها ليس من أهل الفارسية التي تكتب حروفها بالعربية تماما‏,‏ لكن معناها مختلف‏,‏ إن ضياع اللغة من وسائل الهدم الاجتماعي‏,‏ أن تبحث عن إنسان تكلمه فلا تجد‏,‏ هذا قتل لك‏,‏ أن تنشد من يواسيك فيأتيك من يزيد جراحك غورا وألما‏,‏ أن تتحسس من يحبك فتجد من له مصلحة عندك‏,‏ حتي ولدك وامرأتك‏,‏ حتي أعز الناس وأقربهم إليك‏,‏ أن تشعر وأنت علي يقين من صدق شعورك بأن أحدا لا يسأل عنك إلا إذا كان يريد شيئا منك‏,‏ أية غربة أشد من هذه؟
أن تحيا في بيتك‏,‏ وتنام علي سريرك‏,‏ وبينك وبين من في هذا البيت ألاف الأميال‏,‏ أن تتقارب الأجساد وتتباعد الأرواح والمشاعر غربة ملعونة‏,‏ غربة لا تستطيع فيها أن تقول إنك غريب‏,‏ وربما إن قلتها في غربة البلاد عطف عليك الناس ورحموك وإن قلتها بين أهلك قسوا عليك ولعونك‏,‏ وأبعدوك أكثر وأكثر‏,‏ فإن عليك أن تضم هؤلاء في صدرك وهم يطعنونه بالخناجر والسكاكين‏,‏ وأن تقول لهم أنا في نعمة كبري‏,‏ حيث قدر لي أن أعيش بينكم مع أن واحدا منهم لا يشعر بك‏,‏ ملعون هذا الإحساس في كل كتاب‏,‏ فالله تعالي يقول‏:‏ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ويقول‏:‏ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة‏,‏ ويقول‏:‏ لعلمه الذين يستنبطونه منهم حياة فيها علم ورحمة وإحسان‏,‏ تلك حياة الأوطان وإن لم نجد وطنا‏,‏ فإن الجامعة أستاذ‏,‏ حتي وإن تهدمت مبانيها وقاعاتها المعدة لمحاضراتها‏,‏ فحيثما وجدت الأستاذ فقد وجدت الجامعة‏,‏ وبالقياس علي ذلك أقول‏:‏ إن الأوطان أهل يرحمون‏,‏ فحيثما وجدت أهلك الرحماء فقد وجدت وطنك‏,‏ حتي ولو لم تجد بيتا وطريقا وعمارة ونيلا وترعة‏,‏ ومدرسة وجامعا‏,‏ وأطفالا يلعبون في الشوارع حتي الصباح ويزعجونك ويطردونك من رحمة السكون والهدوء‏,‏ ويشوهون إحساسك بأنك في بيتك‏,‏ وإذا ناشدت كبيرا لهم قال لك‏:‏ دول عيال‏,‏ حتي وإن لم تجد معالم لهذا الوطن ولا حضارة‏,‏ فيما قيمة أن تغني لحضارة أجدادك وعز ماضيك وأنت بائس حزين‏,‏ غريب علي أرض هذا الوطن‏,‏ وقد قيل قديما لا أزود الطير عن شجر قد بلوت المر من ثمره وقيل‏:‏
إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
وأنا لست مع الذي يدعو علي الدنيا بالموت والجفاف لأنه مات ظمآنا‏,‏ ولكنني أقول وما قيمه الماء الذي أنا في حاجة إليه وهو في يدك وأنت لا تعطيني‏,‏ وفي الوقت نفسه تطلب مني أن أدعو لك بالبركة فيه‏,‏ وأنا أنظر إليه‏,‏ وأرجوك أن أرتشف منه قطرة‏,‏ وأنت تتجاهلني وتغني‏,‏ وتقول‏:‏ شفت بارد ازاي‏,‏ وجميل‏,‏ وعذب‏,‏ وليس في حلقي ولا في فمي لعاب‏,‏ فيسيل لوصف مائك السلسبيل‏,‏ وإن سألوك عني قلت‏:‏ هو حبيبي والخليل‏,‏ مثلما جلست الأرملة منتفخة أمام الكاميرا‏,‏ ترتدي السواد‏,‏ وتمسك بالمنديل‏,‏ تجفف دمعة التماسيح التي توارت بخيالها تحت النظارة السوداء تتحدث عن المرحوم العبقري الذي كان وكان وكان‏,‏ وحين سألتها المذيعة‏:‏
‏-‏ ولما جالكو الخبر يا افندم الأليم ده بأن المرحوم يعني‏...........‏ آ‏....‏
قالت‏:‏
كنا مذهولين طبعا‏,‏ ماحدش فينا كان مصدق إحنا‏..‏ إحنا كنا تايهين لدرجة إن أنا ماشفتش الباب‏,‏ خلاص‏,‏ أنا حسيت إني اتعميت‏,‏ أصلك ماتعرفيش المرحوم كان إيه بالنسبة لنا‏.‏
وأنا أعلم أن المرحوم كان شيئا تافها في حياة أرملته قبل أن تصبح أرملة‏,‏ كان شيئا مهملا إلا مكانا واحدا هو جيبه‏,‏ هذا الجيب هو الشئ الوحيد المحترم فيه‏,‏ وما تحت الجيب من ضلوع تئن وقلب يحن فلا أحد يسأل أو يهتم‏,‏ فعاش غريبا أشد أنواع الغربة‏,‏ ولعله يلقي عند أرحم الراحمين الرحمة‏.‏