415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

عاصمة الإمبراطورية الإسلامية في زمن المجد

سمرقند‏..‏ حلم الماضــــــي الجميل‏!‏

رسالة سمر قند
عبد الحليم غزالي


لطالما كان اسم سمرقند في الذاكرة كالحلم من دون رؤية لكن من رأي ليس كمن سمع‏,‏ فالزائر لمدينة سمرقند الواقعة في شرق جمهورية أوزبكستان‏,‏ يري بقايا الحلم الجميل والزمن الذي كانت فيه عاصمة لإمبراطورية إسلامية‏,‏ وأحد مراكز التنوير في العالم الإسلامي ويتعمق هذا الشعور عندما نعرف أنها جمعت بين الإسلام الحقيقي المتسامح‏,‏ ومجد القوة مع العدل والعلم بشقيه الديني والدنيوي‏,‏ والفنون تلك التركيبة الحضارية التي فشل مسلمو الزمن الرديء في الاقتراب منها‏,‏ فما بلك ببلد عاش فيه الإمام البخاري‏,‏ وهو من هو والفاتح العظيم الأمير تيمور‏,‏ الملقب بتيمور لنك‏,‏ أي الأعرج لأنه كان به عرج منذ طفولته‏,‏ وآخرون من صفوة المسلمين في كل العصور وفي سمرقند عبرة وذكري وأرواح مجنحة لقوم خالدين‏.‏عندما دخلنا سمرقند‏,‏ ذات مساء قريب‏,‏ كان الضباب الثقيل يلف المدينة التي بدت نائمة لكي تحلم بصباح أجمل‏,‏ ندر البشر في الطرقات‏,‏ ولم يستلفت الانتباه سوي شجر الأرش الضخم الممعن في التطاول‏,‏ المقاوم لبرودة الشتاء‏,‏ فأهم سماته أن البرد القارس الذي يعم آسيا الوسطي في هذا الفصل لا يصيبه بالذبول بعكس بقية الأشجار ومثله طيور مغردة تحتمي بهذه الأشجار من صقيع الليلة السمرقندية الساكنة‏.‏
في الصباح رأيت سمرقند الأخري‏,‏ واشتعل الشغف بمعرفة هذه المدينة الأسطورية التي تحظي بتجاهل موجع في العالم العربي علي مقربة من ضريح الأمير تيمور الذي أقام إمبراطورية شملت آسيا الوسطي القوقاز وبلاد فارس‏,‏ كان أول مشهد صباحي نساء وبنات تبعن الخبز السمرقندي‏,‏ الذي يتسم بالضخامة سمكا وحجما‏,‏ وهن يطاردن السواح أملا في التقاط حبات الرزق‏,‏ ورغم أن الخبز رخيص جدا إلا أن حجمه لم يبد مغريا‏,‏ إلا لأخذ عينة فقط للتعرف عليه‏,‏ وكان جميل المذاق‏,‏ مثلما يشي بذلك احمرار وجهه القمحي المتقد‏.‏
عند ضريح الأمير تيمور الذي شمل مسجدا ومدرسة دينية‏,‏ ومرصدا فلكيا‏,‏ أقامه حفيده أولوغ بك‏,‏ في عام‏1420‏ ميلادي‏,‏ بعد سنوات من وفاة جده الفاتح الخالد‏,‏ قائد الشعب الأوزبكي‏,‏ الذي حول سمرقند إلي منارة للإشعاع الثقافي والحضاري‏,‏ بعد أن تعرضت للتدمير علي يد جيش جنكيزخان التتري المغولي‏,‏ في عام‏1220‏ ميلادي‏,‏ الذي يوصف في كتب التاريخ بـ عام النكبة الكبري‏,‏ وقبل ذلك كانت سمرقند إحدي حواضر الإسلام المتلألئة بعد فتحها علي يد القائد الإسلامي قتيبة بن مسلم عام‏93‏ هجري الموافق‏712‏ ميلادي‏,‏ في عهد الدولة الأموية بعد أن استتب له الأمر في بلاد ما وراء النهرين‏,‏ أموداريا وسيرداريا‏,‏ ومعظمهما في أراضي أوزبكستان حاليا‏.‏
أمام الضريح كان شيء من التاريخ يطل برأسه‏,‏ والزائرون الأوزبك يأتون للزيارة بفخر واعتزاز‏,‏ ورأينا رجلا يحدث أولاده الصغار عن هذا الفاتح الأعرج‏,‏ الذي حول سمرقند التي كانت تعرف في عهد الإسكندر الأكبر عندما فتحها قبل الميلاد بمرقند‏,‏ وكلمة قند في الأوزبكية القديمة تعني مدينة‏,‏ ونقل عن الإسكندر الأكبرقوله لدي وصوله إليها إنه كان يعرف أنها جميلة‏,‏ لكن وجدها جميلة وملوكية تشي بالمجد في الوقت ذاته‏.‏
وكما قال مرافقنا الملم بالتاريخ‏,‏ فإن الزعيم الروسي جوزيف ستالين‏,‏ أمر بالكشف عن ضريح تيمور لنك إعجابا منه بشخصه‏,‏ حسب رأي البعض‏,‏ مع أن رجلا أوزبكيا صادفناه في الضريح قال إن ستالين كان يغار من تيمور لنك لذلك ظل الضريح منسيا حتي استقلال أوزبكستان عن الاتحاد السوفيتي في الأول من سبتمبر عام‏.1991‏
وبالقرب من ضريح تيمور لنك الذي زينته الآيات القرآنية وغطته قبة خضراء بنقوش الموزاييك الشائعة في آثار آسيا الوسطي الإسلامية‏,‏ وفي وسط المدينة‏,‏ حيث ميدان راجستان‏,‏ شاهدنا مسجد بيبي خانم‏,‏ زوجته المحببة التي لم تنجب‏,‏ وأقامته علي نفقتها كهدية له عندما عاد من الحج حسب بعض الروايات‏,‏ وقال لنا مرافقنا إن تيمور لنك كان حاكما عادلا محبا للحياة والفنون والثقافة‏,‏ وأن حفيده اولوغ بك سار علي نهجه‏,‏ فأقام المرصد الفلكي الذي يقع الآن ضمن المجمع الدي يضم ضريح جده وقبره هو‏,‏ كما أن المدرسة الدينية الموجودة في المجمع أنشاها اولوغ بك أيضا وفي عهده وصلت سمرقند إلي قمة النهضة الحضارية التي لم تشهدها منذ تأسيسها في القرن السابع قبل الميلاد‏.‏
فتاة من سموقند تبيع الحلوى ولعب الأطفال
غادرنا ضريح تيمور لنك الذي كان قائدا للجيوش ولم يكن سلطانا أو ملكا بل كان يحكم البلاد ـ اسميا ـ شاه أي ملك باللغة الفارسية التي كانت تستخدم مع العربية والأوزبكية في ذلك العصر‏,‏ وربما يكون هذا أول تطبيق عملي للملكية الدستورية في التاريخ‏.‏
وفي الطريق داخل المدينة‏,‏ رأينا التجاور بين المباني الحديثة والتاريخية‏,‏ دون تنافر أو تناقض إلي أن وصلنا إلي مجمع شاه زندا الأثري وأول ما استوقفتنا شجرة قديمة يقال إنها من عصر تيمور لنك يتبرك الناس بها وتسمي شجرة الأماني‏,‏ ورأينا فتيات يمسكن بغصونها ويهمسن لها بالأماني السعيدة‏,‏ وهناك أيضا صنبور يخرج من بئر يقال إن الصحابي الجليل قثم بن العباس‏,‏ وهو ابن عم الرسول صلي الله عليه وسلم اختفي فيه بعد أن تعرض للقتل غيلة وهو يتوضأ من مجهولين‏,‏ والناس أيضا يشربون من ماء البئر‏,‏ ويحوزون البركة وتطلق الأماني الجميلة‏,‏ ففي كل مكان لاتزال الأماني ممكنة‏,‏ وفي الداخل شاهدنا قبرا ضخما لابن عباس من غير جثمان وقد لف بغطاء أخضر‏,‏ وبالقرب منه نسخ من القرآن الكريم ورأيت الزائرين الأوزبك يجلون هذا الرجل ويدخلون في صمت وسكينة من الباب الضيق الذي لا يعبر عن ضخامة القبر الخالي‏,‏ وشاهده الممتد لأمتار عدة‏,‏ وفي المجمع كان هناك أيضا مسجد ومدرسة وأضرحة لأخوات تيمور لنك‏,‏ والكل مجلل بالآيات القرآنية المكتوبة بخطوط وزخارف متباينة‏.‏
حان وقت الغداء للتعرف علي الطعام السمرقندي‏,‏ وكان سيد هذا الطعام هو البالو المكون من الأرز واللحم والخضار‏,‏ وقد طبخت معا في أوان فخارية‏,‏ وعرفنا أن البالو هو الطعام السائد‏,‏ لكن لا يقدم للضيوف إلا إذا كان آخر وجبة يأكلونها قبل الرحيل‏,‏ وحكي لنا المترجم من اللغة الأوزبكية إلي الإنجليزية قصة طريفة فقد ذهب رجل من سمرقند لزيارة صديق له في جمهورية قيرغيزستان المجاورة وأطال البقاء عنده لدرجة أن المضيف بدأ يبيع أثاث البيت لإكرام ضيفه الذي يأبي الرحيل وبينما هو في السوق لشراء لحم التقي رجلا أوزبكيا آخر من المقيمين في قيرغيزستان‏,‏ فقص عليه محنته مع الضيف‏,‏ فنصحه بتقديم البالو له بعد أن وصف كيف يتم طبخه وبالفعل عمل الرجل بنصيحته‏,‏ فما كان من الضيف إلا أن أكل وغادر إلي بلاده بسرعة البرق‏!‏ وبعد الغداء تعرفنا علي الزي الشعبي القديم الخاص بالرجال في سمرقند والمكون من قفطان بنقوش مذهبة وطاقية مربعة موشاة بخيوط بيضاء عريضة‏,‏ وهو الآن أقرب إلي التعبير عن الحنين إلي الماضي حيث لايرتديه الرجل إلا في يوم زفافه وفي المناسبت السعيدة‏,‏ فالزمن ليس للقفطان والطاقية‏.‏
ولكن في كل الأحوال أحيا أبناء سمرقند تراثهم مع زوال الحكم السوفيتي الشيوعي‏,‏ من ملبس وأضرحة وموسيقي وأغان بعد أن صادر العهد البائد كل ما لا يشبهه وحاول إلغاء التمايز بين الشعوب ومحاصرة الدين الإسلامي في جمهوريات آسيا الوسطي بالكلمة والبندقية‏,‏ لكن ما رأيناه أن الناس لم تضع دينها حتي في ظل القهر والخوف وجميع أشكال القمع التي استهدفتها‏,‏ كالقتل البطيء لهوية الشعب الأوزبكي لكنه قاوم بالروح والدم الحقيقي والتاريخ‏,‏ التنميط الشيوعي المدمر للبشر والثقافات‏.‏
في الطريق إلي ضريح الإمام البخاري الواقع في قرية تبعد‏40‏ كيلو مترا عن المدينة تبين لنا أن سمرقند تقع في وسط واد زراعي حيث الخضر والفواكه وأهمها العنب الذي تصنع منه الخمور التي تغني بها عمر الخيام وفي الآذان صوت أم كلثوم وهي تشدو ترجمة أحمد رامي البديعة أطفيء لظي القلب بشهد الرضاب‏,‏ فإنما الأيام مثل السحاب‏.‏
وعرفنا من مرافقنا أن الخيام الذي عاش في سمرقند‏,‏ لم يكن مجرد شاعر فقط وإنما كان مثل معظم نجوم الزمان الذي عاش فيه بين عامي‏436‏ و‏517‏ هجري عالما وفلكيا وموسيقيا وكان في صغره يشتغل بصناعة الخيام فسمي بالخيام واسمه بالكامل غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام‏,‏ وشهرته تعود إلي نبوغه في الرياضيات والفلك وليس الشعر كما هو شائع وقد عاش في سمرقند معظم حياته مع أنه ولد وتوفي في نيسابور عندما دخلنا ضريح الإمام البخاري الذي بني في التسعينيات بنفس أنماط العمارة والزخرفة التي كانت في عصره شعرنا بالإجلال الشديد والإكبار لهذا الرجل وعندما سمعنا قصته ازددنا انبهارا فكما حكي مرشدنا السياحي فقد أصاب الإمام البخاري واسمه محمد بن إسماعيل البخاري داء أفقده النظر وهو طفل فنذرته أمه لله إن شفاه الخالق وبعد شفائه حفظ القرآن الكريم كله في التاسعة‏,‏ وبدأ حفظ الأحاديث الشريفة بعد القرآن الكريم وأخذ يعظ الناس وهو في الثانية عشرة من عمره‏,‏ وذلك في بخاري المولود فيها عاما‏193‏ هجرية أي‏810‏ ميلادية‏,‏ وحقد عليه فقهاء المدينة وكانوا يحاجونه بأحاديث موضوعة فقرر جمع الأحاديث الصحيحة‏,‏ وقضي معظم سنوات عمره في هذه المهمة إلي أن أكمل الصحيح بعد أن زار معظم البلدان الإسلامية بحثا عن صادق قول رسول الله لا المفتري عليه من باطل الكلام ونسب إليه بهتانا وزورا‏.‏
ولم يتزوج الإمام البخاري لأنه نذر نفسه للدين وبعد عودته إلي بخاري عكف علي تعليم الأحاديث لطلابه إلا أن حاكم المدينة طلب منه الإتيان إلي قصره لإعطاء أولاده دروسا خصوصية في الدين‏,‏ فرفض‏,‏ فطرده من بخاري وطلب من والي سمرقند عدم استضافته في المدينة فاختار الرجل الإقامة في قرية معزولة قريبة من سمرقند وتفرع فيها لتعليم طلاب مدرسة أنشاها إلي أن مات ودفن هناك عام‏871‏ هجري‏,‏ وحسب رواية مرشدنا فإن قبره كان مجهولا في عهد السوفيت إلا أن الرئيس الأندونيسي الراحل أحمد سوكارنو عندما زار موسكو في عام‏1961‏ سأل عن قبره لزيارته فتقصت عنه السلطات وتوصلت إليه‏.‏
وفي عام‏1998‏ أنشيء مجمع الإمام البخاري بجوار قبره بطريقة مشابهة لطراز المعمار والمباني في عصره وشارك في البناء‏100‏ من أصحاب الحرف المختلفة وافتتح في احتفال كبير في حضور الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف وأبرز الشخصيات الإسلامية العالمية والآن يحرص الحجاج الأوزبك علي زيارة مجمع الإمام البخاري الذي لا تنقطع فيه قراءة القرآن الكريم والأحاديث حيث أنشئت مدرسة لعلم الحديث تحديدا لأبناء أوزبكستان في رحلة العودة إلي الجذور والماضي العريق‏.‏
هذه هي سمرقند مدينة تبقي ولا تموت وبشرها خالدون بما قدموا من مآثر وبما تركوا من آثار‏*‏