
|
حديث العالم نادي صناع السلام! |
 | |
عبد المنعم سعيد حينما ذهب السفير غاريخان ـ مبعوث الهند الخاص إلي غرب آسيا وعملية السلام في الشرق الأوسط ـ لزيارة شخصية مصرية رفيعة المستوي أثناء زيارته إلي دول المنطقة في الأسبوع الأخير من شهر فبراير المنصرم قال له الأخير: مرحبا بك في نادي صناع السلام!. ولم يكن معروفا ممن روي القصة عما إذا كان المسئول المصري قد قال ذلك مرحبا بالمشاركة الهندية أخيرا في عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية من خلال مبعوثها القدير, أم أنه قال ذلك متهكما علي ساحة باتت مزدحمة للغاية بطائفة متنوعة من المبعوثين الخاصين. فكما هو معروف أن لكل الأطراف الأعضاء في اللجنة الرباعية الدولية ـ الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ـ مبعوثا خاصا لعملية السلام, والآن فإن كلا من الصين واليابان وأوكرانيا والبرازيل والهند قد بات لكل منها مبعوث خاص. ومن المؤكد أن هذا العدد قابل للزيادة من قبل أطراف دولية عديدة لأنه قد بات جزءا من المكانة الدولية أن تحاول دول العالم الباحثة عن النفوذ, أو تتوهم أن لها نفوذا خاصا, أن تعين مبعوثا خاصا. المثير في الأمر أن كل هذه الأطراف تدرك تماما أن دورها محدود للغاية في عملية السلام المعقدة, وحتي عندما وجد كل زائر منها للمنطقة أن جزءا من واجباته الاتصال بالولايات المتحدة عن طريق سفرائها أو الذهاب إلي واشنطن مباشرة من أجل التنسيق فإن الإجابة الأمريكية كانت واضحة وقاطعة وحاسمة في أنه لا يوجد دور علي الإطلاق اللهم إلا القيام ببعض الأعمال الإنسانية إذا طلبت الإدارة الأمريكية ذلك. والأكثر إثارة في الأمر أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي وحده هو الذي يحصل علي هذا العدد من المبعوثين الخاصين, فصراع كشمير مثلا لا يحظي بمثل هذا التدخل الدولي, بل إن الهند حريصة تماما علي البعد عن تدويل القضية, وهي واثقة تماما من حل القضية في الإطار الإقليمي وعلاقات الجوار. وليس سرا علي أحد أن الصراع حول امتلاك كوريا الشمالية للأسلحة النووية ربما كان أكثر الصراعات الدولية خطرا, وبالتأكيد فإن كل الصراعات الإفريقية تكلفت من القتلي أضعاف هؤلاء الذين راحوا ضحية الصراع بين العرب والإسرائيليين. ومع ذلك يظل صراع الشرق الأوسط هو أكثر الصراعات حضورا علي الساحة الدولية في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية, وأكثرها جذبا للاهتمام من قبل قوي دولية متعددة بما فيها المتورطة في صراعات دولية مميتة. وهناك تفسير تقليدي لهذه الظاهرة وهو أن انطلاق الأديان العالمية الثلاثة ـ اليهودية والمسيحية والإسلام ـ من بين دول المنطقة قد جعل إقرار السلام فيها مسألة عالمية ولها جاذبية خاصة لكل من يريد أن يحجز لنفسه مكانا في التاريخ. وفي حالة الهند تحديدا فإن وجود160 مليون مسلم هندي, وصراعها مع باكستان ذات الأغلبية الإسلامية يجعل لها اهتماما خاصا بقضية العرب والمسلمين المركزية. ولكن التفسير الأحدث للظاهرة يرتبط بالنفط, فالمسألة قد باتت ببساطة هي أن الطلب العالمي علي البترول قد زاد أخيرا بسبب النمو الهائل في الاقتصادين الصيني والهندي, فكما هو معروف فإن الصين قد أصبحت تشغل المكانة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث استهلاك الطاقة, أما الهند فقد أصبحت تشغل المكانة السادسة. وخلال العقد الماضي فإن استهلاك الصين من النفط تضاعف وخلال السنوات الأربع الماضية فإن نصيب الصين من الزيادة في الطلب العالمي علي النفط قد بلغ40%, أما الهند فقد نما استهلاكها للنفط بأكثر من80% خلال السنوات العشر الماضية. كل هذه الزيادة في واردات الطاقة النفطية جاءت من الشرق الأوسط ووفقا لكل التقديرات العالمية فإن منطقتنا سوف توفر%90 من الزيادة في الطلب علي الطاقة. وهكذا فإن المشاركة في صنع السلام الشرق أوسطي هو في الحقيقة بعد إستراتيجي خاص بتأمين مصادر الطاقة لدول تحولت اقتصادياتها إلي وحش هائل لا يرتوي ظمؤه إلي النفط. ولكن هناك تفسيرا أكثر حداثة يبدأ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما نجم عنها من بزوغ لظاهرة الإرهاب الدولي باعتبارها الظاهرة الحاكمة في العلاقات الدولية ليس فقط لأن ما جري في نيويورك كان بشعا, وإنما لأن دولا كثيرة في العالم قد باتت متأثرة بالظاهرة بأشكال مختلفة. وسواء تعلق الأمر بثقل العالم الإسلامي في النظام العالمي, أم تعلق الأمر بمشكلات ومعضلات خاصة بدول إسلامية وجماعات وأقليات إسلامية, فإن الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو واحد من جذور التيارات العربية والإسلامية الأصولية, ورافد أساسي يغذيها بالطاقة والقدرة علي البقاء. وببساطة شديدة فإن دول العالم المختلفة قد وجدت الشرق الأوسط وما فيه من مشكلات يمتد خلال سنوات قليلة بالنفوذ الفكري والأمني عبر آسيا الوسطي إلي جنوب آسيا وأخيرا إلي جنوب شرق آسيا مما فرض استحالة البقاء بعيدا عن ساحته حتي لدي اليابان في شرق الدنيا والبرازيل في غربها. ولكن السؤال يبقي هل يؤدي ازدحام الساحة بصناع السلام إلي الفائدة بالنسبة لإحلال السلام وإحقاق الحق وعودة العدل إلي الميزان؟ وللوهلة الأولي فإنه توجد هناك فائدة في وجود أطراف أخري غير الولايات المتحدة تشارك برغبتها في العمل من أجل السلام, وفي الوقت نفسه ليست لديها حالة الانحياز المعروفة لإسرائيل. وربما كانت هناك فائدة في تزايد الأيادي الساعية إلي الضغط علي الجانب الإسرائيلي خاصة من أطراف دولية أكثر التزاما بما يسمي بالشرعية الدولية. ومع ذلك فإن الحكمة تقتضي نظرة أخري علي الموضوع, فالثابت أن الدول التي عينت مبعوثا خاصا لعملية السلام في الشرق الأوسط كانت تأخذ ذلك غطاء للاقتراب من المواقف الإسرائيلية علي أساس أنه من أساسيات لعبها لدورها أن تبدو محايدة بين الأطراف المختلفة. وفي بعض الأحيان فإن بعضا منها انقلب من الضغط علي إسرائيل إلي الضغط علي العرب لأنهم الأضعف أو ربما لأنهم الأقرب. وفي أحيان ثالثة كان الموضوع كله من أوله إلي آخره خطوات سياسية تناسب الساحات المحلية للدول وربما تعطي قائدا سياسيا حفنة إضافية من الأصوات ـ من المسلمين أو من غير المسلمين ـ ولكنها من الناحية العملية لا قيمة لها. وربما كانت المشكلة الأعظم في الموضوع كله أن هذا الازدحام علي المشاركة في عملية السلام علي الشرق الأوسط يتضمن نوعا من التوافق الدولي بالغ الخطورة وهو أن سكان الشرق الأوسط ـ وخاصة العرب ـ لا يصلحون أن يكونوا قيمين علي أرض الرسالات, وليست لديهم القدرة علي الحفاظ علي تدفق سلعة إستراتيجية أساسية لنمو العالم وتقدمه مثل النفط وبأسعار معقولة تفيد المنتجين والمستهلكين, كما أنهم في النهاية لديهم من النظم السياسية والثقافية ما يجعلهم مصانع منتجة للإرهابيين الذين يخوضون حروبا لا تميز بين الصليبيين بأشكالهم المختلفة والهندوس بألوانهم المتعددة والبوذيين بأصولهم المتنوعة. وهنا يوجد الخطر الأعظم أن يكون نادي صناع السلام ما هو إلا في النهاية تعبير عن توافق دولي علي تغيير شكل منطقه استعصت علي التغيير كثيرا وبات ضروريا قلبها رأسا علي عقب. باختصار أصبح لدينا نوع من مجلس إدارة جديد لشئون الشرق الأوسط يتحدد نصيب أعضائه بما لديهم من أسهم!.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|