415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

كيف يمكن أن تبكي علي اليهود في واشنطن‏..‏

الطريق الثانـي للخــــروج علي هيمنة البنتاجون‏!‏

كيف تسيطر واشنطن الصغيرة على العالم بينما ينكمش المواطن الأمريكى باهتماماته إلى حدود المدن الصغيرة التى يسكنها

‏ واشنطن ـ خالد صلاح


كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يقف أمام عشرات الآلاف من مواطني سلوفاكيا في قلب القارة الأوروبية ليلقي خطابا تاريخيا حول الحرية في العراق‏,‏ ومستقبل السلام العالمي والديمقراطية التي يغزو من أجلها بلادا بعيدة‏,‏ بينما كان المواطنون الأمريكيون منشغلين بمتابعة محاكمة أحد المراهقين الذي قتل جدته بالرصاص بعد تعاطي كمية هائلة من المخدرات‏,‏ ويترقبون مستوي الخدمة الإليكترونية الجديدة لسداد ضرائب الدخل عبر شبكة الإنترنت‏,‏ ويتلهفون علي سماع آخر أنباء النشرات الجوية حول حالة الطقس علي مدار الأسبوع خاصة مع تأكيد تعرض البلاد لعواصف متكررة من الثلوج‏.‏المراهق القاتل‏,‏ والضرائب الإليكترونية‏,‏ وعاصفة الثلوج كانت هي قضايا الصفحة الأولي في الواشنطن بوست ونيويورك تايمز‏,‏ لا أحد يهتم بزيارة الرئيس إلي أوروبا سوي مجتمع واشنطن بفروعه المختلفة من صناع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة‏,‏ أما هؤلاء الملايين من البشر الذين يعيشون خارج واشنطن العاصمة فإن هواهم ومشاعرهم ورغباتهم وقضاياهم‏..‏ هي في مكان آخر‏..‏ وهذا المكان هو ما يجري هنا علي أرض هذه القارة الهائلة مترامية الأطراف‏,‏ ولم يكن غريبا أن يؤكد لي أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في واشنطن أن العالم داخل حدود العاصمة ليس كالعالم خارجها‏,‏ والأمريكيون يتندرون علي مجتمع واشنطن بوصفه أنه مجتمع الطريق الدائري المغلق في إشارة إلي الطريق السريع الدائري الذي يدور في حلقة كاملة حول العاصمة فيما عدا بعض الجسور والانفاق التي تربط بين واشنطن وولايتي فرجينيا ومريلاند‏,‏ وبهذا الوصف يمكنك أن تدرك بسهولة أن ما تسمعه داخل لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ في مبني الكابيتول يختلف تماما عما تسمعه من أعضاء برلمانات الولايات المتحدة‏,‏ وما يتحدث عنه يوميا ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية‏,‏ لا يعرف عنه عمدة نيويورك شيئا‏,‏ والبلدان الكثيرة المدرجة علي قائمة الإرهاب الأمريكية هي مجرد أشباح وأساطير مجهولة لا يعرف عنها أو يسمع بها سكان مدينة صغيرة مثل لكسنجتون وسط ولاية كنتاكي‏,‏ فسكان هذه المدينة وضواحيها يهتمون بسباق الخيول في الولاية أكثر من اهتمامهم بنتائج الانتخابات العراقية أو مفاعل بوشهر الإيراني أو اعتراف كوريا الشمالية بامتلاك أسلحة نووية‏.‏
كيف تسيطر واشنطن الصغيرة علي العالم بهذا القدر الهائل من الكثافة السياسية والمالية والعسكرية؟ بينما ينكمش المواطن الأمريكي باهتماماته إلي حدود المدن الصغيرة التي يسكنها المدارس التي لا أسوار لها التي يدرس فيها أطفاله؟
يمثل هذا السؤال أهمية بالغة في الشرق الأوسط‏,‏ فإذا كنا نتحدث عن جماعات للضغط للتأثير في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية فعلينا أن نفهم كيف تدار هذه الأمة الكبيرة والقوية من الداخل؟‏!‏ وإذا كنا نتطلع إلي عدالة أمريكية لتحقيق التوازن في الشرق الأوسط‏,‏ واستثمار هذه القوي الوحيدة‏,‏ كورقة لنا‏,‏ لا سيفا علينا‏,‏ فعلينا أن نقرأ الصحف المحلية داخل المدن الصغيرة في الولايات‏,‏ وأن نقرأ خريطة الاهتمامات المحلية التي تتسلل إلي الصفحات الأولي للواشنطن بوست ونيويورك تايمز‏,‏ وليس فقط تصريحات باوتشر أورايس أو المتشددين من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب في الكابيتوك هيل‏.‏
لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وما وسائل الوصول إلي هذه المجتمعات المحلية؟ وكيف يمكن أن يصبح فهم الأوضاع الداخلية في أمريكا أعظم تأثيرا من دفع مئات الآلاف من الدولارات في صفحة إعلانية في جريدة نيويورك تايمز‏,‏ أو في دقيقة واحدة من الدعاية علي‏CBC‏ لتوجيه رسالة لن يسمعها أحد في الولايات المتحدة؟
البديل والحل هو في دبلوماسية الطريق الثاني أو ما يسميه خبراء جامعة مريلاند أيدي كوفمان وجون ديفز‏Track2diplomacy‏ وهذا المصطح لا يعد علما جديدا في الدوائر الأكاديمية الأمريكية‏,‏ لكنه فن دبلوماسي ينمو باطراد منذ منتصف الثمانينيات فيما شهد ازدهارا نسبيا رفيع المستوي خلال السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏.‏
**‏ ما الذي يعنيه هذا المصطلح؟
المصطلح في رأي أيدي كوفمان أحد خبراء دبلوماسية الطريق الثاني في جامعة مريلاند يعني إطلاق طاقات المنظمات المدنية والتكتلات الجماهيرية وطلاب الجامعات في تحقيق التقارب والفهم المشترك الذي يقود الأمم أو الجماعات السياسية لحل مشكلاتها وفض منازعاتها دون الوصول إلي مستوي المواجهات المسلحة أو الصراعات العنيفة‏,‏ والمعني هنا أيضا هو أن ينفذ كل مجتمع إلي الآخرين يفهمهم‏,‏ ويشعر بهم‏,‏ ويدرك حدود رغباتهم ومخاوفهم وأحلامهم‏,‏ ثم يؤسس وفق هذا الفهم علاقته مع هؤلاء الآخرين‏.‏
ويترأس كوفمان مركزا مرموقا لدبلوماسية الطريق الثاني وحل النزاعات في جامعة مريلاند‏,‏ ونجح هذا المركز لسنوات عديدة في استضافة مجموعات من إثنيات ومذاهب وانتماءات مختلفة في ورش عمل تمثل ميدانا للتجريب وقياس مستوي نجاح دبلوماسية المسار الثاني في خلق أجواء من الفهم المشترك تساعد علي حصار النزاعات الدامية والصراعات المسلحة علي الصعيد العالمي‏.‏
اللافت أن عدد مراكز الأبحاث المعنية بدبلوماسية الطريق الثاني في الولايات المتحدة قد تتنامي بصورة مطردة خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ ففي نيويورك يتألق أحد هذه المراكز في جامعة كولومبيا‏,‏ بينما تأسس قبل عام واحد مركز آخر في جامعة مدينة نيويورك‏,‏ وفي واشنطن يزدهر في الجامعة الأمريكية مركز حديث يدرس بعمق آفاق دبلوماسية المسار الثاني‏,‏ فيما تنشط مراكز الأبحاث الخاصة في توسيع هذا المفهوم ومراكمة الأبحاث المتخصصة في هذا الميدان داخل المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة‏,‏ وباتت هذه المراكز تحظي باهتمام بالغ من المؤسسات التي تمول النشاط العلمي والمدني في أمريكا خاصة من المنتمين للتيارات الليبرالية أو الذين يصيبهم الفزع من السلوك العسكري الذي يطغي علي صناع القرار في واشنطن‏.‏
وبينما تتبلور الأدوات العلمية التي يعتمد عليها الطريق الثاني للدبلوماسية فإنه في حالتنا نحن في الشرق الأوسط‏,‏ ومصر علي وجه الخصوص‏,‏ يمكن أن يمثل أداة مهمة لقطع خطوات علي طريق فهم أوسع للولايات المتحدة والشعب الأمريكي‏,‏ فهذا النوع من الدبلوماسية الشعبية يبحر بعقولنا وضمائرنا خارج مجتمع واشنطن‏,‏ ويكسر حالة اختصار أمريكا في مكانين فقط هما البنتاجون والـ‏CIA,‏ فأمريكا ليست هؤلاء‏,‏ والشعب الأمريكي في الأغلب‏,‏ لا يعرف شيئا عن هؤلاء إلا من أفلام هوليوود‏,‏ ومن ثم لا يمكن الحديث عن تأثير ما في الداخل الأمريكي‏,‏ إلا بفهم المجتمعات المحلية الأمريكية‏,‏ وعبر نوع آخر من الدبلوماسية تقدم صورة أخري عن الشرق الأوسط غير تلك التي تختصرنا فيها مؤسسات الإعلام الموالية لإسرائيل‏.‏
عقلاء أمريكا وحكماؤها من صناع دبلوماسية المسار الثاني يفتحون أبوابا واسعة لكسر حصار الطريق الدائري المغلق حول واشنطن ويمدون أيديهم للمؤسسات العلمية والأكاديمية والإعلامية والمدنية علي الجانب الآخر من المحيط نحو تواصل حقيقي وفاعل‏,‏ فهل نعبر نحن أيضا هذا الحاجز بعيدا عن واشنطن‏,‏ أم نظل أسري إعلانات الدعاية الموجهة في الصحف الأمريكية وداخل حصار الطريق الدائري حول العاصمة الصغيرة‏*‏