
|
مبارك رجل من زمن خاص
|
 | |
سوزي الجنيدي من يصلح نائبا لرئيس الجمهورية؟ سؤال تردد كثيرا في دوائر عديدة, بل وردده الرئيس حسني مبارك نفسه عندما سئل يوما عن أسباب إحجامه عن تعيين نائب له, مضيفا أنها مسئولية كبيرة ومصير بلد وشعب, أريد الأفضل له. قرار مبارك بتعديل المادة76 لم يكن مفاجئا للمحيطين به, فهم يعلمون مدي حرصه علي مصلحة مصر وعدم تعريضها لأية مخاطر في فترة قادمة لن تكون سهلة.أراد مبارك إنهاء حكم الفرد الواحد في مصر ليحكمها رجل سياسي, لأن العالم من حولنا قد تغير, ولم يعد يسمح بالانغلاق, وانتشرت عدوي الديمقراطية من العراق إلي فلسطين, ووصلت إلي مصر, ولعل مبارك بقراره السابق يكون قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد وأزاح أذي سهام النقد الموجهة دائما إلي مصر بأنها دولة غير ديمقراطية, لأن رئيسها لا يتم انتخابه, وأن إسرائيل في المقابل هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط لمجرد أن انتخابات تجري وتناست تلك السهام ما يجري ضد الفلسطينيين من تمييز وعنف. اختار مبارك محافظة المنوفية مسقط رأسه ليعلن قراره الذي كان بحق ضربة معلم, وأسكت العديد من الألسنة في الخارج قبل الداخل, فالضغوط بدأت تتزايد في الفترة الأخيرة بسبب المواقف المصرية المساندة لسوريا والفلسطينيين ومحاولة نزع فتيل الأزمات المتلاحقة في المنطقة. فقد نجحت مصر في عقد مؤتمر شرم الشيخ حول العراق, ثم عقدت قمة رباعية في شرم الشيخ حول المسار الفلسطيني. الأمر المؤكد أن قرار الرئيس حسني مبارك بالانتخاب وليس الاستفتاء في اختيار رئيس الجمهورية لم يكن وليد اللحظة, فالفكرة كانت في ذهن الرئيس منذ عدة سنوات, لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة للإعلان عنها. فمبارك المعروف بشخصيته الحذرة كان أحيانا ما يسأل بعض رجال الإعلام والمثقفين الذين يثق فيهم عن أسس الإصلاح السياسي المطلوبة ويتناقش معهم حولها في جلسات ليست للنشر, ولن يكون التعديل آخر الخطوات, فهناك خطوات ستتم في الفترة القادمة في اتجاه الإصلاح السياسي سيتم الإعلان عنها في الأشهر القادمة. ويؤكد الدكتور مصطفي الفقي, رئيس لجنة السياسة الخارجية بمجلس الشعب, أن هناك عدة قرارات سيتخذها الرئيس مبارك في الفترة القادمة تتعلق بالإصلاح السياسي, مثل تحديد مدد تولي أي رئيس قادم بمدتين أو ثلاث علي الأكثر. ولأن مبارك بحسه الوطني يري أن تعديل الدستور الحالي بشكل كامل قد يثير بلبلة في وقت تتزايد فيه الأطماع في المنطقة وتسعي أطراف لنشر الفوضي لخلق شرق أوسط جديد, فقد رأي التأكيد علي أنه لن يكون هناك إحلال للدستور بآخر في الوقت الحالي, كما طالبت بذلك بعض الأطراف. وأكد مبارك أثناء اللقاء الشعبي في أسوان لطمأنة جموع الشعب بأنه لا إلغاء لمادة%50) عمال وفلاحين) في مجلس الشعب, وأنه يقف مع محدودي الدخل ويعمل لصالحهم. ولأن البعض لم يفهم الرسالة, فقد بدأت الانتقادات تتزايد حول ضرورة تعديل الدستور, وطالب بعض الأصوات بتحديد موعد لبدء الإصلاح السياسي بعد استفتاء أكتوبر القادم, إلا أن مبارك فاجأ الجميع بقرار تعديل المادة76 بشكل أسرع مما توقع الجميع. وكان الرئيس مبارك قد اجتمع يوم الخميس الماضي بعد لقائه مع وزير خارجية بلجيكا مع كل من د. فتحي سرور رئيس مجلس الشعب, وصفوت الشريف رئيس مجلس الشوري في اجتماع لم يعلن عنه وقتها, حيث أعلمهم بقراره وطلب تعديل المادة76 مع وضع ضوابط لمن يرشح نفسه حتي لا يتم إعطاء الفرصة لبعض الذين لا يريدون مصلحة مصر لاستغلال هذه الفرصة وإحداث بلبلة أو فوضي. وقد سألت الرئيس مبارك في شرم الشيخ يوم الأربعاء23 فبراير الماضي عند افتتاح معرض الطيران أفيكس عن حوار الأحزاب بعد سؤالي عن الموقف في سوريا, فآثر مبارك عدم الحديث عن نتائج الحوار والمطالبة بتعديل الدستور, ورد: فلنترك هذا الموضوع اليوم, لأنه كان يجهز للمفاجأة بعدها بيومين يوم السبت ليعلن عن قراره ولم يشأ حرق المفاجأة علانية. وبحسه الشعبي أدرك ما يريده الناس في مصر, فقد جرب الشعب الانتخابات الحرة في النوادي والنقابات والمجالس العمومية في السنوات القليلة الماضية, وتعلموا كيفية ممارسة الديمقراطية بدون غوغائية, ولهذا فقد حان الوقت للمزيد وبخطوات محسوبة, وهو ما دفعه أثناء زيارته لمحافظة بني سويف منذ أسبوعين أن فاجأ وزير الإسكان والتعمير محمد إبراهيم سليمان بسؤاله: هل الأرقام التي تقولها أمامي الآن حقيقية أم مجرد أرقام والسلام؟ وطلب منه أن يركز في شرحه علي أوضاع المياه والصرف الصحي في بني سويف وليس في كل مصر, وعندما اشتكي نواب مجلس الشعب في المحافظة للرئيس من القبض علي بعض الغلابة التفت الرئيس إلي وزير الداخلية حبيب العادلي طالبا منه النظر في تلك الشكاوي, وتنفيذ القانون بروح إنسانية, وعندما اعتذر أحد النواب يوما عن اندفاعه في الكلام أمام الرئيس لأنه فلاح, سارع مبارك بالإجابة بتواضع: ياعمي كلنا فلاحين في الأصل. هذه الإنسانية والتواضع والحس الشعبي لدي مبارك لم يفقدهم أبدا علي مر السنوات, وعندما شعر بأن الصحفيين الذين ذهبوا لتغطية القمة الإفريقية في أبوجا في نيجيريا قد تعرضوا لصعوبات في السفر بالطيران, عرض عليهم فورا اصطحابهم في طائرة الرئاسة في العودة معه, ومازحنا قائلا: لا تخافوا لن آخذ منكم ثمن التذكرة. وبهذه النظرة الإنسانية التي تشعر بما يريده الناس, فقد افتتح مبارك مؤتمر الإصلاح في مكتبة الإسكندرية العام الماضي, وترك كل أبواب الحرية مفتوحة للمناقشات التي وضعت أسسا للإصلاح السياسي. وكذلك استمع مبارك في لقائه بالمثقفين في يناير الماضي لكل الآراء من اليمين إلي اليسار بصدر رحب وحتي من انتقدوا أسلوب الحكم وطالبوا بمزيد من الديمقراطية لم يقاطعهم, بل استمع وكانت له تعليقاته الهادئة, جاءت خطوة تعديل المادة76 من الدستور إذن كخطوة في طريق الإصلاح السياسي الذي يسعي إليه مبارك كضربة معلم في وقتها لوقف أية مزايدات, وللاستجابة لمطالب الناس في بر مصر بمزيد من الديمقراطية.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|