415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مبارك رجل من زمن خاص

سوزي الجنيدي


من يصلح نائبا لرئيس الجمهورية؟ سؤال تردد كثيرا في دوائر عديدة‏,‏ بل وردده الرئيس حسني مبارك نفسه عندما سئل يوما عن أسباب إحجامه عن تعيين نائب له‏,‏ مضيفا أنها مسئولية كبيرة ومصير بلد وشعب‏,‏ أريد الأفضل له‏.‏
قرار مبارك بتعديل المادة‏76‏ لم يكن مفاجئا للمحيطين به‏,‏ فهم يعلمون مدي حرصه علي مصلحة مصر وعدم تعريضها لأية مخاطر في فترة قادمة لن تكون سهلة‏.‏أراد مبارك إنهاء حكم الفرد الواحد في مصر ليحكمها رجل سياسي‏,‏ لأن العالم من حولنا قد تغير‏,‏ ولم يعد يسمح بالانغلاق‏,‏ وانتشرت عدوي الديمقراطية من العراق إلي فلسطين‏,‏ ووصلت إلي مصر‏,‏ ولعل مبارك بقراره السابق يكون قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد وأزاح أذي سهام النقد الموجهة دائما إلي مصر بأنها دولة غير ديمقراطية‏,‏ لأن رئيسها لا يتم انتخابه‏,‏ وأن إسرائيل في المقابل هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط لمجرد أن انتخابات تجري وتناست تلك السهام ما يجري ضد الفلسطينيين من تمييز وعنف‏.‏
اختار مبارك محافظة المنوفية مسقط رأسه ليعلن قراره الذي كان بحق ضربة معلم‏,‏ وأسكت العديد من الألسنة في الخارج قبل الداخل‏,‏ فالضغوط بدأت تتزايد في الفترة الأخيرة بسبب المواقف المصرية المساندة لسوريا والفلسطينيين ومحاولة نزع فتيل الأزمات المتلاحقة في المنطقة‏.‏
فقد نجحت مصر في عقد مؤتمر شرم الشيخ حول العراق‏,‏ ثم عقدت قمة رباعية في شرم الشيخ حول المسار الفلسطيني‏.‏
الأمر المؤكد أن قرار الرئيس حسني مبارك بالانتخاب وليس الاستفتاء في اختيار رئيس الجمهورية لم يكن وليد اللحظة‏,‏ فالفكرة كانت في ذهن الرئيس منذ عدة سنوات‏,‏ لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة للإعلان عنها‏.‏
فمبارك المعروف بشخصيته الحذرة كان أحيانا ما يسأل بعض رجال الإعلام والمثقفين الذين يثق فيهم عن أسس الإصلاح السياسي المطلوبة ويتناقش معهم حولها في جلسات ليست للنشر‏,‏ ولن يكون التعديل آخر الخطوات‏,‏ فهناك خطوات ستتم في الفترة القادمة في اتجاه الإصلاح السياسي سيتم الإعلان عنها في الأشهر القادمة‏.‏
ويؤكد الدكتور مصطفي الفقي‏,‏ رئيس لجنة السياسة الخارجية بمجلس الشعب‏,‏ أن هناك عدة قرارات سيتخذها الرئيس مبارك في الفترة القادمة تتعلق بالإصلاح السياسي‏,‏ مثل تحديد مدد تولي أي رئيس قادم بمدتين أو ثلاث علي الأكثر‏.‏
ولأن مبارك بحسه الوطني يري أن تعديل الدستور الحالي بشكل كامل قد يثير بلبلة في وقت تتزايد فيه الأطماع في المنطقة وتسعي أطراف لنشر الفوضي لخلق شرق أوسط جديد‏,‏ فقد رأي التأكيد علي أنه لن يكون هناك إحلال للدستور بآخر في الوقت الحالي‏,‏ كما طالبت بذلك بعض الأطراف‏.‏
وأكد مبارك أثناء اللقاء الشعبي في أسوان لطمأنة جموع الشعب بأنه لا إلغاء لمادة‏%50)‏ عمال وفلاحين‏)‏ في مجلس الشعب‏,‏ وأنه يقف مع محدودي الدخل ويعمل لصالحهم‏.‏
ولأن البعض لم يفهم الرسالة‏,‏ فقد بدأت الانتقادات تتزايد حول ضرورة تعديل الدستور‏,‏ وطالب بعض الأصوات بتحديد موعد لبدء الإصلاح السياسي بعد استفتاء أكتوبر القادم‏,‏ إلا أن مبارك فاجأ الجميع بقرار تعديل المادة‏76‏ بشكل أسرع مما توقع الجميع‏.‏
وكان الرئيس مبارك قد اجتمع يوم الخميس الماضي بعد لقائه مع وزير خارجية بلجيكا مع كل من د‏.‏ فتحي سرور رئيس مجلس الشعب‏,‏ وصفوت الشريف رئيس مجلس الشوري في اجتماع لم يعلن عنه وقتها‏,‏ حيث أعلمهم بقراره وطلب تعديل المادة‏76‏ مع وضع ضوابط لمن يرشح نفسه حتي لا يتم إعطاء الفرصة لبعض الذين لا يريدون مصلحة مصر لاستغلال هذه الفرصة وإحداث بلبلة أو فوضي‏.‏ وقد سألت الرئيس مبارك في شرم الشيخ يوم الأربعاء‏23‏ فبراير الماضي عند افتتاح معرض الطيران أفيكس عن حوار الأحزاب بعد سؤالي عن الموقف في سوريا‏,‏ فآثر مبارك عدم الحديث عن نتائج الحوار والمطالبة بتعديل الدستور‏,‏ ورد‏:‏ فلنترك هذا الموضوع اليوم‏,‏ لأنه كان يجهز للمفاجأة بعدها بيومين يوم السبت ليعلن عن قراره ولم يشأ حرق المفاجأة علانية‏.‏
وبحسه الشعبي أدرك ما يريده الناس في مصر‏,‏ فقد جرب الشعب الانتخابات الحرة في النوادي والنقابات والمجالس العمومية في السنوات القليلة الماضية‏,‏ وتعلموا كيفية ممارسة الديمقراطية بدون غوغائية‏,‏ ولهذا فقد حان الوقت للمزيد وبخطوات محسوبة‏,‏ وهو ما دفعه أثناء زيارته لمحافظة بني سويف منذ أسبوعين أن فاجأ وزير الإسكان والتعمير محمد إبراهيم سليمان بسؤاله‏:‏ هل الأرقام التي تقولها أمامي الآن حقيقية أم مجرد أرقام والسلام؟ وطلب منه أن يركز في شرحه علي أوضاع المياه والصرف الصحي في بني سويف وليس في كل مصر‏,‏ وعندما اشتكي نواب مجلس الشعب في المحافظة للرئيس من القبض علي بعض الغلابة التفت الرئيس إلي وزير الداخلية حبيب العادلي طالبا منه النظر في تلك الشكاوي‏,‏ وتنفيذ القانون بروح إنسانية‏,‏ وعندما اعتذر أحد النواب يوما عن اندفاعه في الكلام أمام الرئيس لأنه فلاح‏,‏ سارع مبارك بالإجابة بتواضع‏:‏ ياعمي كلنا فلاحين في الأصل‏.‏ هذه الإنسانية والتواضع والحس الشعبي لدي مبارك لم يفقدهم أبدا علي مر السنوات‏,‏ وعندما شعر بأن الصحفيين الذين ذهبوا لتغطية القمة الإفريقية في أبوجا في نيجيريا قد تعرضوا لصعوبات في السفر بالطيران‏,‏ عرض عليهم فورا اصطحابهم في طائرة الرئاسة في العودة معه‏,‏ ومازحنا قائلا‏:‏ لا تخافوا لن آخذ منكم ثمن التذكرة‏.‏
وبهذه النظرة الإنسانية التي تشعر بما يريده الناس‏,‏ فقد افتتح مبارك مؤتمر الإصلاح في مكتبة الإسكندرية العام الماضي‏,‏ وترك كل أبواب الحرية مفتوحة للمناقشات التي وضعت أسسا للإصلاح السياسي‏.‏ وكذلك استمع مبارك في لقائه بالمثقفين في يناير الماضي لكل الآراء من اليمين إلي اليسار بصدر رحب وحتي من انتقدوا أسلوب الحكم وطالبوا بمزيد من الديمقراطية لم يقاطعهم‏,‏ بل استمع وكانت له تعليقاته الهادئة‏,‏ جاءت خطوة تعديل المادة‏76‏ من الدستور إذن كخطوة في طريق الإصلاح السياسي الذي يسعي إليه مبارك كضربة معلم في وقتها لوقف أية مزايدات‏,‏ وللاستجابة لمطالب الناس في بر مصر بمزيد من الديمقراطية‏.‏