415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مبادرة مبارك كشفت عوراتهم

يتامي تعديل الدستور‏!!‏

تقرير ـ أسامة الدليل


منصب رئاسة الجمهورية الذي أنزله مبارك من السماء إلي أرض الواقع‏,‏ أطاح في طريقه بنحو‏72‏ مليون دولار هي حجم‏(‏ السبوبة‏)‏ التي كانت مخصصة لإفساد الحياة السياسية في مصر‏,‏ لذلك لم يكن غريبا أن يصطدم هذا القرار برؤوس عدد من أصحاب المصالح تزعم أنها‏:‏ قطط الغرب المدللة‏!!‏والواقع أن الأصوات التي أخذت في العويل ونثرت التحذيرات وإثارة المخاوف من عدم وجود ضمانات تكفل حرية كل مواطن في مصر للوصول لمنصب رئاسة الجمهورية‏,‏ تعمدت بكل السبل أن تثير من الغبار ما يكفي لأن تعمي العيون عن لون‏(‏ الدولار‏)‏ الذي يصبغ مقاصدها وهم محترفو المظاهرات في الميادين العامة والجامعات والفعاليات الثقافية‏,‏ والذين خبت أصواتهم بمجرد اعتقال صدام حسين في ديسمبر‏2003‏ فأعطوا الشارع البرهان القاطع علي أن صراخهم كان لحساب الركن المهيب‏,‏ التزموا منذ الساعات الأولي لإعلان مبادرة مبارك وحتي وقت كتابة هذه السطور بالصمت التام‏,‏ وانشغلوا تماما بستر عوراتهم التي كشفها قرار تعديل الدستور‏,‏ و اختفي معظمهم من الساحة مخلفين من وراء انسحابهم ستارا كثيفا من دخان الشكوك و الظنون‏,‏ كي لا يلحظ أحد مفارقة أن جنرالات المقاهي الذين ملأوا الشوارع ضجيجا بالأمس لمناهضة أمريكا‏,‏ كانوا يمشون في ركاب صقور واشنطن‏!!‏
سوق بنصف مليار

والحق أن كشف الرئيس مبارك في وقت سابق عن وجود تمويل حجمه‏70‏ مليون دولار موجهة للتأثير علي نتائج الانتخابات العامة المقبلة في مصر‏,‏ أثار العديد من التساؤلات عن حجم سوق الاسترزاق السياسي ورواده من الانتهازيين ودورهم في أوساط الحركة الوطنية‏,‏ والأدوار التي تلعبها بعض النخب من المثقفين ومحترفي الإثارة والابتزاز من مختلف الأطياف السياسية في مصر‏,‏ والتي تمكنت من البقاء علي الساحة وإحداث أكبر قدر من الضجيج دون أن تكون ممثلة لاتجاهات ومصالح الشارع المصري أو أن يكون لها أدني صلة بالنبض الحقيقي للجماهير‏..‏ وبالطبع نحن لا نشك في دقة معلومات الرئيس مبارك بشأن هذه الأموال‏..‏ وأن هذا الرقم الضخم الذي يعادل‏420‏ مليون جنيه مصري من شأنه أن يفتح سوقا كبيرة للمزايدات و المهاترات وإشاعة مناخ الاحتقان في الحياة السياسية في مصر التي تعاني أصلا منذ سنوات من هيمنة‏(‏ نظرية المؤامرة‏)‏ علي عقول الناس بفعل عشوائية المعارضة‏,‏ والجهود المحمومة لعدد من منظمات المجتمع المدني التي تتلقي الدعم المباشر من واشنطن‏..‏ وفي مقدمتها مركز للأبحاث في جبل المقطم سبق أن خاض الكونجرس الأمريكي نقاشات مطولة تتعلق بتمويله بنحو‏2‏ مليون دولار يتم اقتطاعها من المعونة الأمريكية لمصر سنويا‏..‏ ولا أحد يعرف علي وجه اليقين ما إذا كانت الفلوس قد صعدت جبل المقطم أو أنها تبخرت مع هذه الملايين السبعين سالفة الذكر صبيحة‏26‏ فبراير الماضي‏!!‏
حجم الورطة التي تعيشها كتائب الاسترزاق السياسي في الشارع المصري أضخم من أن يتم حصرها واختزالها في مجرد ضياع سبوبة بحوالي نصف مليار جنيه‏,‏ فعلي مستويات متعددة فاجأت مبادرة الرئيس مبارك بعض الأحزاب المصرية وهي في حالة تلبس‏,‏ أظهرت للناس بجلاء ورطة كيانات عشوائية تتعيش علي إعلانات صحفها ويدير فكرها السياسي حفنة من مندوبات الإعلانات ومحترفي ابتزاز رجال الأعمال والمسئولين الحكوميين لتدبير الدعم اللازم لهذه الصحف التي لا يتجاوز توزيع أكثرها انتشارا‏4‏ آلاف نسخة‏,‏ فإذا ما تبينا أن حجم هذه الأحزاب جماهيريا لا يتجاوز لافتة تحمل اسم الحزب علي باب العمارة‏..‏ يمكننا أن نتخيل ثقل هذه المبادرة الرئاسية التي طالبتهم بطرح مرشحين يمكنهم خوض المنافسة للوصول للمكتب الرئاسي بقصر العروبة‏.‏
عدة الشغل

علي جانب آخر‏,‏ يتضرر من إهدار هذه السبوبة عدد من الخطاطين والرسامين وأصحاب المطابع ومشاغل النسيج التي كانت تغذي بدورها منشورات وكتيبات ولافتات بعض النخب التي تلتحف بعباءة حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي وتختزله في شعارات مطبوعة علي الورق أو مصبوغة علي قماش اللافتات أو علي بعض الكوفيات التي توفر مظهرا مسرحيا يكفل لأصحابها إظهار أنهم أصحاب مواقف‏,‏ وأنهم من الوطنيين الفاعلين‏..‏ بصرف النظر عن جدوي الحركة وفراغ مضمون الشعارات‏..‏ والأهم أن هذه الأدوات كانت هي كل‏(‏ عدة الشغل‏)‏ عندما تظهر كاميرات قناة الجزيرة أو الحرة أو غيرها علي الساحة‏,‏ ذلك أن تحليل محتوي الصراخ الذي كانوا يتشدقون به لمجرد الظهور علي الشاشة يظهر تناقضات فادحة في خطابهم السياسي وتهافتا تاما في منطق الاحتجاج‏..‏ فمناهضة أمريكا ورفض هيمنتها علي السياسات في المنطقة‏.‏ وهو الموضوع الرئيسي للصراخ‏-‏ لا يمكن أن يتناغم والمطالبة المحمومة بديمقراطية علي النمط الأمريكي‏..‏ بوصفها الضمان الوحيد لحرية الشعوب ووحدة صفوفها ضد الخطر الأمريكي‏..‏ هذا الأمر الذي يكشف عن عبث لم يكن هناك ما يبرره حتي تم الكشف عن حجم التمويل الذي كان علي مرمي البصر وأطاحت به مبادرة‏26‏ فبراير‏,‏ الذي سيظل ـ بدوره‏-‏ تاريخا فاصلا بين عهدين في الحياة السياسية المصرية‏..‏ عهد عشوائية المشاركة السياسية التي تسمح بالابتزاز والتهريج‏..‏ وعهد الالتزام الوطني بتعميق الممارسة الديمقراطية بكل ما يعنيه ذلك من التزام وانضباط سياسي‏.‏
المثير بالفعل‏,‏ أن التعديل الدستوري الذي يفتح الباب للمزيد من التعديلات التشريعية التي لابد وأنها ستكفل حق التناظر بين المرشحين لمنصب الرئاسة بطريقة أو بأخري‏,‏ سيكون من شأنه فتح الباب علي مصراعيه لسقوط أحلام طائفة أخري من المتشوقين لاستغلال مناخ عزوف الناس عن المشاركة السياسية لتحقيق مكاسب سهلة وسريعة‏,‏ وهنا نتحدث عن شماعة أخري كانت تسمح بالمطالبة بتعيين عدد من النواب في مجلسي الشعب والشوري‏,‏ بحجة أن حدود الهامش الديمقراطي تحرمهم من حقوقهم في تمثيل الشعب‏,‏ ولنا أن نتصور في الغد شعور المواطن الذي يمكنه أن يتخير رئيس جمهورية‏..‏ و هو يري أن هناك نوابا في البرلمان يفرضون علي إرادته لأن الشارع لا يميل إلي انتخاب المرأة أو تزكية الأقباط أو فئات أخري لن يكون من المقبول أو اللائق تعيينها بتجاوز إرادة الجماهير في الوقت الذي تتخير فيه الإرادة المباشرة لهذه الجماهير أعلي قيادة سياسية في الوطن‏.‏
وهنا يأتي دور منظمات العمل المدني‏,‏ وأهمية وجودها الحقيقي في الشارع لتعميق معاني الوحدة الوطنية‏,‏ وتحويل الشعارات التي تتعلق بتمكين المرأة إلي برنامج عمل يكفل لها وجودا سياسيا في الشارع وبالتالي وجودا مشروعا ومقبولا في المجالس التشريعية‏,‏ وهو اختبار للمصداقية يواجه بالأساس تلك المنظمات التي تمول من الخارج بوضوح لا لبس فيه‏,‏ ويسقط القناع الزائف الذي تبرر به منطق قبولها للتمويل الأجنبي‏..‏ ويكشف عن دورها كقطط مدللة للغرب‏,‏ مهمتها تغذية الصقور في الإدارة الأمريكية والصحف الموالية لها بالمعلومات المغلوطة اللازمة للهجوم علي مصر من آن لأخر‏..‏ كلما جاءت مواقف مصر المبدئية علي غير هواهم‏..‏ ولعل التعليقات التي صدرت من الإدارة الأمريكية وما نشرته الصحف الأمريكية تعليقا علي مبادرة مبارك بتعديل الدستور‏..‏ تمثل في محتواها العميق خطاب إنهاء خدمات هذه القطط وإحالتها للتقاعد‏..‏ أما ذخيرة هذه القطط من الشائعات بشأن توريث الحكم في مصر‏,‏ وتفسير الأداء الحكومي علي أنه قمع مباشر وغير مباشر للحريات العامة‏..‏ والكلام عن قمع السلطات في مصر لحرية الشواذ أخلاقيا واجتماعيا ودينيا وجنسيا وسياسيا‏..‏ فقد تم تعريتها بعد أن فجرتها رسالة واشنطن الأخيرة لمصر التي انحنت احتراما لعراقة هذا الشعب وشجاعة قيادته‏..‏ ولم تنس أن تنه خدمات هذه الذيول المرتزقة بعبارة‏Enough,‏ يعني‏:‏ كفاية‏!!‏