415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الأسير في السفارة الأمريكية

سهام ذهني


اعتاد المارة في حي جاردن سيتي في القاهرة علي أن هناك منطقة صارت مسكونة بالحواجز تحيط بالسفارة الأمريكية منذ الغزو الأمريكي للعراق‏.‏
وحين وصلتني أخيرا دعوة لحضور ندوة في السفارة الأمريكية جاء مشهد اجتيازي لتلك الحواجز كما يلي‏:‏
بعد تخطي التمثالين الشهيرين لأسدي كوبري قصر النيل الرابضين علي جانبي الكوبري واتجاهي يمينا علي الكورنيش ثم مغادرة السيارة وإظهار بطاقة الدعوة علي أول حاجز‏,‏ وما إن تحركت سيرا علي قدمي متجاوزة لحواجز حديدية أخري مدعوم كل منها بحواجز أسمنتية حتي ظهر أمامي اثنان من الأسود ـ أقصد الكلاب ـ الضخمة الحقيقية موصول كل منهما بسلسلة في يد أحد رجال الشرطة الذي يبدو عليه وهو يتحرك بالسلسلة أنه يبذل جهدا كبيرا في السيطرة علي الكلب الشديد‏.‏
طبعا شعرت بخوف‏.‏
لم يقترب مني أي الكلبين وإنما تحرك أحدهما في اتجاه سيارة يتصرف قائدها بروتينية الذي اعتاد علي هذا الأمر باعتباره من سكان تلك المنطقة الذين يتكرر معهم هذا السيناريو عند كل عودة إلي المسكن بالسيارة التي تحمل تصريحا خاصا بالدخول مع ذلك فإن التصريح لا يكفي وحده كجواز للمرور اليومي إلي البيت وإنما لابد من شفاعة الكلب‏,‏ حيث طوافه بلا ضجيج حول السيارة يشير إلي عدم عثوره علي ما هو مدرب عليه لاكتشاف المتفجرات‏.‏
وما إن أنهي الكلب مهمته لاهثا بلسان طويل ومتدل ومحفوف بأنياب خنجرية‏,‏ وعاد إلي جوار زميله مادا أطرافه الأمامية والخلفية علي الأسفلت محتضنا جلسته بذيله الغليظ حتي تم إعطاء السيارة الأمان لتعبر الحواجز المتتابعة التي يبدأ أحدها يمينا يليه حاجز آخر من الشمال وهكذا بما يجبر السيارة علي المرور عبر حركة لولبية بين الحواجز‏,‏ كنت أقوم أنا أيضا بمثلها سيرا علي القدمين في طقس أمشيري تختلط فيه رائحة التراب مع لسعة البرودة بينما صوت خطواتي واضحا بشدة فوق الأسفلت بسبب السكون الشديد في الشارع المنزوع منه السيارات والبشر إلا رجال الأمن‏.‏ والذي تطل عليه أشجار حي جاردن سيتي العتيقة ومبانيه العريقة وحكاياته التي كانت أنيقة‏.‏
ووصلت إلي الأسوار العتيدة للسفارة الأمريكية حيث تتألم رقبة من يرفع رأسه كي تصل نظرته إلي نهاية ارتفاع السور العالي أثناء سيره إلي جواره وما أن تجاوزت البوابة وفي يدي الدعوة حتي طلب مني موظف الأمن المصري أن أترك التليفون المحمول وتحقيق الشخصية‏,‏ كما قام زميله بتفتيش حقيبة يدي قائلا لي بصيغة تقريرية وهو يأخذ الكاسيت من داخلها إنني أستطيع استعادته مع التليفون المحمول عند الخروج‏.‏ ومن وراء هؤلاء الذين يتعاملون معي وجها لوجه كان هناك أمريكي طويل يقف داخل حجرة زجاجية واضح أنها غرفة للتحكم الأمني تتم فيها متابعة حصيلة الكاميرات التي ترصد المكان‏.‏
ولقد رافقني إلي الداخل رجل أمن مصري عبر معي بخطوات سريعة الساحة المكشوفة الداخلية بأعمدتها الشاهقة واتساعها الفسيح وصولا إلي القاعة التي أقيمت فيها الندوة التي كان موضوعها رواية الأسير للكاتبة الأمريكية جويس هانسن وكانت ضيفة الندوة هي المؤلفة نفسها علي الهواء مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية حيث أجابت عن أسئلة الجمهور عبر شاشة عملاقة داخل القاعة من خلال الفيديو كونفرنس‏.‏
والرواية عمل أدبي يلمس التفاصيل الإنسانية في حياة الإفريقيين الذين تم اختطافهم من أوطانهم وتحويلهم إلي عبيد في أمريكا والتي استوحتها الكاتبة من حياة جوستافوس فاسا الإفريقي الذي كتبها حول فترة صباه الأولي في إفريقيا قبل اختطافه وبيعه‏,‏ متناولا من خلال ما جري معه الحال التي يكون عليها الإنسان تحت قيد العبودية‏,‏ ثم استطاعت الكاتبة جويس هانسن أن تأخذ من حكاية فاسا ما تبني به بحساسية مرهفة رحلة الأسير إلي الساحل وخوفه وفضوله علي سفينة العبيد‏,‏ مع وصف الغارة علي القرية والحلم بإنشاء مستوطنة من السود الأمريكيين الذين يريدون العودة إلي إفريقيا عبر سياق إنساني يحرك المشاعر ضد الظلم والقهر بكل ما يواكب هذا بما يبعثه في النفس من توق إلي الحرية‏.‏
جاءت إجابات الكاتبة الأمريكية جويس هانس مليئة بالحميمية‏,‏ مع قدرة علي نسج المعلومة مع الدعابة دون إغفال تحريك الفكر تجاه القضايا الكبري‏.‏ فردا علي سؤال حول حلم الأفارقة الأمريكيين قالت إن الحرية كانت معلما أساسيا من معالم الأدب الأفرو أمريكي وباعتبار أن المؤلفة تقوم بتدريس الكتابة الإبداعية لتلاميذ المرحلة المتوسطة‏,‏ فقد سألتها تلميذة من مدرسة الشيخ زايد عن الدرس الأخلاقي الذي ترغب في نقله للجيل الجديد‏,‏ فأجابت المؤلفة أن الدرس هو أن الحياة حينما تكون صعبة فعلي الإنسان أن يتماسك مهما كانت الظروف‏.‏
وردا علي تعليق حول أن ما كتبته يتضمن تعريفا لثقافة معينة هي الثقافة الإفريقية بما يحققه ذلك من تقريب بين الثقافات مع التساؤل حول إمكانية أن يحاول كتاب في أمريكا تعريف الأطفال الأمريكيين بالإسلام لتقريب الثقافات وإزالة المفاهيم الخاطئة حول العرب والإسلام‏,‏ ذكرت الكاتبة الأمريكية أن هناك بالفعل محاولات لتحقيق ذلك وموجودة عبر شبكة الإنترنت‏.‏
أما السؤال الذي جاء في آخر الندوة وأجابت المؤلفة عنه إجابة دبلوماسية أدت إلي أن يظل السؤال مطروحا فقد كان حول أننا إذا افترضنا كتابة هذه الرواية من جديد عن عالم اليوم‏,‏ فمن يا تري سيكون الأسير؟‏!‏
وانتهت الندوة ولم يندمل السؤال‏.‏
كاتبة صحفية ـ مصر