415‏السنة 123-العدد2005مارس5‏26 من المحرم 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أول الكلام
مبارك يعبر بمصر‏..‏ إلي الجمهورية الديمقراطية

أسامة سرايا


الانتقال إلي انتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح‏,‏ وليس عبر الاستفتاء بتعديل المادة‏76‏ من دستور مصر الحالي الصادر في‏1971‏ ـ كلمة سحرية قالها الرئيس حسني مبارك في مؤتمر شعبي يوم السبت‏26‏ فبراير‏2005‏ في جامعة المنوفية مسقط رأسه ليسطر قرارا تاريخيا بكل المعايير للمصريين وللمنطقة العربية‏,‏ كما أنه أحسن اختيار المكان والزمان ففي الأولي نحن نعرف تأثير الوجود بين الأهل في اللحظات التاريخية‏,‏ والثانية رغبته في أن يكون اختيار الرئيس القادم في سبتمبر‏2005‏ بالنظام الديمقراطي الجديد‏.‏
وبإتمام التغيير المرتقب في المادة الدستورية المقترحة عبر مجلسي الشوري والشعب تكون مصر قد انتقلت إلي عصر الديمقراطية السليمة وتكون الجمهورية الجديدة ورئيسها المنتخب مباشرة من الشعب في عملية ديمقراطية كاملة شفافة تراقبها لجنة قضائية محايدة وتحت أنظار العالم ووسائل إعلامه التي تنقل في عالمنا الراهن كل شيء تراه أو حتي ما نفكر فيه‏,‏ وقد وضعت النظام السياسي المصري ورئيسه في مكانه اللائق الذي كنا نريده ونبحث عنه ليكتسب الموقع أو المنصب الرفيع هيبة وقوة ومشروعية تتناسب مع المتغيرات العالمية التي نعيشها‏.‏
وقد وضعنا الرئيس حسني مبارك ووضع الجميع أمام الاختبار الصعب‏,‏ بتغيير سياسي حقيقي‏,‏ سوف ننتقل به إلي جمهورية جديدة‏,‏ أو إذا شئنا الدقة إلي جمهورية حقيقية‏,‏ ينتخب فيها الشعب الرئيس بلا وصاية من البرلمان‏,‏ أو من المؤسسات الكبري في بلادنا‏.‏
إنها مفاجأة من العيار الثقيل‏,‏ نقلت الحوار السياسي إلي مرحلة هي غاية في الدقة‏,‏ لأن قرار الرئيس‏,‏ باستخدام سلطاته الرئاسية بتعديل المادة‏76‏ من الدستور‏,‏ والخاصة باختيار رئيس الجمهورية بالاقتراع السري المباشر بين الناخبين‏,‏ بلا اختيار‏,‏ من البرلمان‏,‏ ثم استفتاء شعبي‏,‏ عبر بنا إلي مرحلة مختلفة‏,‏ أكثر حساسية في تاريخنا السياسي كله‏.‏
لكننا لم نختبرها بعد‏,‏ فهي تطرح تساؤلات مهمة أبرزها‏:‏ هل نملك البنية الأساسية‏,‏ اقتصاديا وسياسيا‏,‏ لهذا الاختبار الجاد‏,‏ فرغم أننا في بلد تمتع في سنوات الثمانينيات والتسعينيات باستقرار كبير ومناخ جيد‏,‏ دخلنا من خلاله تجارب جادة للإصلاح الاقتصادي‏,‏ فإن نجاحاتها كانت محدودة‏,‏ ومع ذلك أدخلتنا مرحلة مبكرة في تحقيق الإصلاح السياسي من باب توسيع الحريات‏,‏ وسرعة قيام الأحزاب السياسية التي لم تستطع إلي الآن إثبات وجودها في الشارع السياسي‏.‏
قرار الرئيس مبارك يضع البرلمان و الشعب أمام مسئولية كبيرة‏,‏ حيث فتح بابا واسعا لنقلة نوعية في الإصلاح السياسي‏,‏ ستجعل مسئوليات الأحزاب والشارع السياسي كبيرة أمام الشعب في المرحلة القادمة‏,‏ وإذا كان الباب مازال مفتوحا لمعرفة نتيجة هذا القرار علي أرض الواقع‏,‏ فإننا لن نتسرع في تقديم الأحكام‏,‏ لكننا نطرح المخاوف التي يجب أن يترقبها كل مواطن‏,‏ فليست المسئولية لجماعة دون غيرها بل هي مسئولية الشعب‏,‏ فقد انتهت الآن أية وصاية عليه‏,‏ ويجب أن نتحاور جميعا حول المستقبل‏,‏ ليكون الانتقال إليه مأمونا ومحسوبا وحذرا‏.‏
في الحقيقة جاء قرار الرئيس مبارك متسما بكثير من الجرأة والشجاعة في أن يعطي للشعب حق انتخاب رئيسه مباشرة مستبقا كل الاتجاهات في الأحزاب السياسية المجمعة علي انتخابه‏,‏ والتي كانت تتوقع أن يكون تعديل أو تغيير الدستور برنامجا للرئيس في المرحلة القادمة‏,‏ فإذا به يسارع بمطالبة مجلسي الشعب والشوري بتعديل المادة‏76‏ من دستور‏71‏ التي ظلت تحكم العملية الانتخابية منذ ذلك الوقت إلي ما قبل الانتخابات القادمة في هذا العام لاختيار الرئيس الجديد‏.‏
الرئيس مبارك بالقرار السياسي الذي أصدره يوم السبت‏26‏ فبراير‏2005,‏ أطلق إشارة جديدة للإصلاح السياسي‏,‏ و مداها لن يكون علي مستوي مصر وحدها‏,‏ بل علي المنطقة العربية كلها‏,‏ فمصر تملك مؤسسات وبنية للمجتمع المدني‏,‏ وحرية إعلامية كبري وأحزابا عديدة‏,‏ وتراثا وتاريخا في العمل السياسي‏,‏ ترسخت كلها في السنوات الأخيرة‏,‏ ولا تفوتنا هنا بالطبع الحقبة الليبرالية قبل الثورة‏,‏ حيث تلتحم هذه المراحل معا‏,‏ وتتجمع لتكون قادرة علي تقديم إفراز وتطور سياسي ذي أبعاد متعددة‏,‏ تقول في المرحلة الأولية إن المخزون الحضاري لمصر قادر في أوقات الأزمة العصيبة‏,‏ والتطورات التاريخية الحادة‏,‏ علي تقديم حلول للمستقبل‏,‏ لا تنقذ مصر وحدها‏,‏ بل تقدم لإقليمها ومنطقتها شكلا لنظام سياسي يستوعب التعدد الحقيقي واختيار القيادات‏.‏
كما أن الرئيس مبارك بهذه الخطوة يعمق في الضمير المصري‏,‏ رؤية سياسية ناضجة‏,‏ إدراكا منه لدوره التاريخي خلال فترة توليه الرئاسة‏,‏ والطريقة المثالية التي وصل بها إلي سدة الحكم‏,‏ فقدم دورا حقيقيا كان ولا يزال هو الضمانة‏,‏ الوحيدة لتحقيقه وإنجاحه بلا مخاوف كبيرة‏.‏
مبارك هنا يدشن مرحلة تاريخية ومسلكا نظيفا بإعطاء حق كان قد حصل عليه بإجماع شعبي‏,‏ وخلال عمل منظم‏,‏ فنقله إلي أصحابه في وقت دقيق وصعب‏,‏ ووسط حالة من الاختبار والترقب محليا وإقليميا ودوليا‏.‏
هذه اللحظة بكل دقتها تطرح علي الوطن‏-‏ شعبا ونخبا وأحزابا وجمعيات‏-‏ عقدا اجتماعيا جديدا‏,‏ نقول إن عنوانه هو أن مسئولية الشعب في الاختيار تعني أن لحظة فطام الشعب من الحكومة قد حانت‏,‏ وأن هناك مسئوليات جديدة للعمل‏,‏ سوف يشارك فيها الجميع‏,‏ فلم يعد الأمر مسئولية الحكومة وحدها‏,‏ بل مسئولية شعب وبرامج واختيارات‏,‏ فهل هذه المسئوليات سوف تجد من يتحملها؟
الحوار الوطني سوف ينتقل إلي مرحلة جديدة‏,‏ والرئيس مبارك‏,‏ كعادته في احترامه لمسئولياته ودوره وقسمه وتاريخه‏,‏ قدم برنامجا من عشر نقاط‏,‏ يراعي الالتزام بحقوق المواطنة بلا تمييز‏,‏ وتعزيز الحقوق الأساسية للمواطنين‏,‏ وترسيخ دولة القانون‏,‏ وتعظيم الجهود بتحديث العلاقة بين المواطن والدولة‏,‏ عبر الارتقاء بالخدمات‏,‏ ومواصلة الإصلاح الاقتصادي بالاستثمار والتنمية البشرية إضافة إلي الإصلاح السياسي بتفعيل الحياة الحزبية‏,‏ وتشجيع المبادرة علي الصعيدين السياسي والاقتصادي مع الحفاظ علي دور مصر الإقليمي والعالمي‏.‏
إنها مرحلة فاصلة بحق‏,‏ وعلينا جميعا أن نمسك بخيوطها‏,‏ ونجري التغييرات الداخلية في أنفسنا ومؤسساتنا‏,‏ حتي نكون قادرين علي الإمساك بالفرصة التاريخية التي يقدمها الرئيس مبارك إلي شعبه‏.‏
لقد قلناها مرارا‏,‏ إن ثقتنا في الرئيس مبارك بلا حدود‏,‏ وها هي خطواته تثبت أن قدرته ورؤيته تسبق الجميع‏,‏ وتضعهم جميعا أمام مسئولياتهم‏.‏
فهل نخفف من الشعارات والأوهام‏,‏ ونتجه إلي عمل صحيح وصعب يدعونا إليه مبارك من أجل بلدنا؟
لبنان وسوريا والمستقبل

سألني سائل ماذا يحدث في لبنان؟ فقلت له علي الفور إنه شعب عظيم لبلد جميل‏,‏ وجاءت جريمة مقتل الرئيس الحريري اختبارا له ولقدراته السياسية‏,‏ فارتفع هذا الشعب إلي المستوي الأسطوري الذي يليق به‏,‏ وخرجت طوائفه والتحم المسيحي مع المسلم في نسيج يجب أن يتحقق في كل منطقتنا‏,‏ لأن الأديان نزلت‏,‏ لتحسين علاقات البشر بخالقهم وبعلاقاتهم الإنسانية معا‏,‏ ولتكريس وحدة الإنسان وليس للخلاف والتقاتل‏,‏ وهكذا كانت لبنان واللبنانيون بعد جريمة نكراء أصابت الرجل الذي وهبته الطبيعة ملكات سياسية واقتصادية نادرة‏,‏ وكان ظهوره في فترة صعبة وخطيرة بعد حرب أهلية مدمرة‏,‏ فأسهم في إعادة التئام الطوائف المتناحرة في الطائف‏,‏ وفي إعادة إعمار أجمل المدن العربية بيروت‏.‏ وعندما وجد أهل لبنان‏,‏ تقاعسا حكوميا في كشف حقيقة الجريمة ومرتكبها‏,‏ أو ردا للفعل لا يتناسب مع حجم الجريمة المروعة‏,‏ حدثت انتفاضة الشعب والبرلمان وتلك خصلة وفاء يجب أن نحترمها فيهم‏,‏ وعندما يطالب الللبنانيون باستقلالهم وسيادتهم وانسحاب الجيش السوري فهذا حقهم‏,‏ ويجب أن نحترمهم علي ذلك‏,‏ وأن يساعدهم كل العرب‏,‏ و السوريون أنفسهم‏.‏
حتي نحافظ علي الروابط والعلاقات القوية بين سوريا ولبنان تلك حقائق السياسة العصر ويجب ألا نتجاهلها‏,‏ لكن عندما يطالب السوريون بحقهم في سلام شامل وبالتنسيق مع لبنان‏,‏ فهذا حقهم كذلك ويجب أن نساعدهم في ذلك‏.‏
الانتفاضة الشعبية والبرلمان اللبناني بل الحكومة المستقيلة كانت عند مستوي المسئولية‏,‏ فالمتظاهرون رفعوا علما واحدا‏,‏ والبرلمانيون المعترضون كانوا مصممين علي الحفاظ علي الشرعية‏,‏ والحكومة استقالت احتراما للشعب رغم أنها كان من الممكن أن تحتفظ بموقعها بالتصويت‏,‏ لكنها قرأت نبض الشارع واحترمته‏,‏ لذلك وجب علينا احترامها‏.‏
أما صورة اللبنانيين فأكدت قدرة الشعب وحقه‏,‏ ويجب أن تسكت الأصوات التي تبرر قيام الانتفاضة الشعبية بالتدخل الخارجي‏,‏ لأنه لا يستطيع أن يحرك الشعوب‏.‏ فلا تعطوا للخارج هذه القوة‏,‏ فالذي لا تعرفونه أن التدخل الخارجي لا يمكن أن يتم إلا عندما تكون هناك أخطاء داخلية كارثية‏,‏ تجعل الشعوب تضج وتخرج علي الطبيعي والمألوف حتي يصل بها الغضب إلي القبول بالأصعب وهو التدخل الخارجي‏,‏ وعلي العرب الذين يرفضون التدخل الخارجي‏.‏ الذي يعبث بمصالحنا ويضر بمستقبلنا إدراك أن منع هذا التدخل يعني التصحيح واحترام إرادة الشعب ومعرفة حقائق العصر‏.‏
لبنان بلد مستقل‏.‏ كما أنه ليس أسيرا‏,‏ ولا يجب أن يكون ورقة سياسية إلا بإرادة شعبه‏,‏ حتي ولو كان ما يطلبه الشقيق مشروعا‏.‏
واحترام القرارات الدولية وشرعيتها يجب أن يكون سريعا‏,‏ حتي ولو كنا نرفضها‏,‏ لأن هذا يحمينا من مخاطر جمة‏,‏ تلك حقائق يجب أن يعرفها كل العرب‏,‏ خاصة الذين يتعرضون لأزمات داخلية صعبة ومتشابكة ومعقدة في زمن يصعب فيه علينا كثيرا إخفاء الحقائق‏,‏ وعدم المكاشفة فأزمة لبنان‏.‏ وأساليب العرب في معالجتها تكشف عن ضعف خطير في رؤيتهم يسمح للتدخل الخارجي بأن يتغلغل ويقوي‏,‏ لأننا لا نملك شجاعة مصارحة بعضنا البعض بأخطائنا‏,‏ لكننا نتخفي دائما وندور حولها ولم نتعلم بعد من كارثة العراق رغم تداعياتها المخيفة ونبرر لأنفسنا وننقد الآخرين ونطرح أخطاءهم وكوارثهم ولا ننقد أنفسنا‏,‏ ونصحح أخطاءنا بوقفة صريحة مع النفس‏,‏ واحترام إرادة الأغلبية والاتجاه إلي ديمقراطية شاملة‏,‏ تغير صورة منطقتنا وتحمي الجميع‏.‏
وبلاشك أن اللبنانيين أثبتوا أنهم شعب مختلف‏,‏ ولكن عليهم الآن الاتفاق والحوار معا بلا تخوين من البعض أو تخويف من البعض الآخر‏,‏ مع المصارحة من الجميع واحترام الشقيق لحق شقيقه وحريته‏,‏ ولاشك أن حل الأزمة سلميا مع احترام الشعب وديمقراطيته سيعطي صورة لمستقبل التحولات في منطقتنا‏,‏ ونموذجا يؤكد قدرتنا علي التغيير والتصحيح بلا حروب أو تدخلات خارجية مخيفة لا نتحملها ولا نقبلها‏,‏ ويجب أن نثبت قدرتنا علي التغيير بإرادة داخلية عاقلة وقوية‏.‏