
|
المفكر الروسي سيرجي كارامورزا:
رؤساء أمريكا يشبهون قاطع طريق مهووس |
 | |
حديث أجرته في روسيا- مني عبدالملك نحن الآن نعيش أكثر لحظات التاريخ الإنساني توترا, في ظل ثورة جارفة من المعلومات فائقة السرعة, والتي تستطيع أن تقرب المسافات أكثر بين بني البشر. ويمكنها في ذات الوقت صناعة مناخ هادئ وطبيعي يجنب الناس ويلات الحروب التي تصنع ذلك التوتر. لا جدوي إذن سوي بالحوار, الحوار الجاد الذي يعتمد علي أصحاب الضمائر الإنسانية التي تنشد العيش بأمان تحت سقف سماء واحدة, بغض النظر عن اختلاف الجنس واللون والدين. من هؤلاء المفكر الروسي الكبير سيرجي كارا- مورزا, الذي يحمل بين جوانحه كثيرا من المفاهيم والأفكار التي يمكن أن تصنع جسرا للحوار والتواصل الإنساني الذي يصل بنا إلي سفينة النجاة في عالم متشابك الأفكار والرؤي والحضارات.. فإلي التفاصيل: ** يقال الكثير عن ضرورة إنشاء حوار بين الحضارات ومن المعروف أيضا أنكم شاركتم في المؤتمر الدولي حوار الحضارات الذي تنظمه روسيا سنويا بالتعاون مع الهند واليونان.. فما رأيك في ذلك؟ أعتقد أن حوار الحضارات يتم باستمرار سواء تكلمنا عنه أم لا. وحتي أثناء الحروب بين الحضارات يستمر الحوار لأن الحرب نوع من الحوار أيضا. لكن كل حضارة تحتوي بداخلها عدة حضارات. ولو تكلمنا عن روسيا كحضارة فمن الممكن أن نقول إن هناك عددا كبيرا من الحضارات داخل الحضارة الروسية. وخلال تاريخ روسيا وجدت دائما نظريتان. والمتابعون للنظرية الأولي هم المعروفون باسم' الغربيون'. ويعتقد الغربيون أن علي روسيا أن تتبع السبيل الغربي في تطورها. أما لذين يتبعون النظرية الثانية فهم الذين يرون أن علي روسيا أن تسلك سبيلا خاصا وفريدا. وذلك هو مثال لاشتباك الحضارات داخل حضارة واحدة. وفي وقت الأزمات تزيد هذه الاشتباكات, لأن الغربيين يرفضون حق روسيا في الحفاظ علي خصائصها الحضارية. فيبدأ الناس في إخضاع الاقتصاد الروسي وحكمها السياسي للنماذج الغربية. وهذا ما يحدث الآن. وها هو الاشتباك داخل حضارة واحدة وحتي شعب روسي واحد. وإذا نظرنا إلي الشيشانيين- فهل من الممكن أن يقبل هذا الشعب نموذجا نيوليبراليا كنمط لحياته؟ لا يمكن أن يقبلوا هذا, لأن الشعب الشيشاني يدرك جيدا أنه لو قبل ذلك النموذج فإنه سينقرض. فهذه يوتوبيا! وإذا تخيلنا أن يقبل الشيشانيون هذا النموذج, أصبح هناك تصميمان حضاريان- بيزنطة أو روما. وأدي ذلك إلي عواقب فاجعة مثل الحرب الصليبية سنة1204 ألتي أثرت بأكثر وحشية علي البيزنطيين المسيحيين أكثر من تأثيرها علي المسلمين. وبالنتيجة أصبح ذلك نهاية للحوار السلمي الذي تحول إلي الحرب!!. هناك أمثلة في التاريخ العالمي لما يحدث من انقطاع وانقسام في حوار الحضارات. لذلك أعتقد أن علينا أن نفعل كل ما نستطيع لأجل استمراره.
|
 | |
** ما تقديرك بشأن قدرة روسيا حول التغلب علي الأزمة التي حدثت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ؟ سيستمر ذلك الوضع لفترة معينة, لأن قوة الاستمرار كبيرة جدا. وتجري هذه العملية في مرحلة مكشوفة علي مدي خمس عشرة سنة, لكنها بدأت قبل ذلك. واليوم نحن في روسيا نحصل علي نتائج هذه العملية. والاستنتاج الرئيسي- هو أنه لم يحدث تحطيم أو تدمير حضاري للغالبية من مواطني روسيا, لأنهم لم يتخلوا عن نموذجهم الأصلي ولم يتخلوا عن القيم التي تكون البنية الوراثية الحضارية. لقد أراد زعماء جورباتشوف وأعوانه بدعوة' البيريسترويكا' التي تعني إعادة البناء وتعهد أن يحقق عملية قريبة من الإصلاحات البروتستانتية في أوروبا, والآن أصبح واضحا أنهم قد فشلوا في هذا العمل وأصيب المجتمع الروسي بأضرار بالغة للغاية. لكن مع ذلك بقي الأساس مع انهيار الفئات العليا من الروس وخاصة دعاة دعوة' البيريسترويكا' المنهارة وبعض نماذج التصرف: لهذا بدأ الناس في روسيا يشعرون بالخوف وأصبحت أكثر بخلا وأشد تقتيرا!!!... لقد أدي هذا الحال إلي أزمة ثقافية: فالمصادر التي كانت تنسق بين انسجام أفكارنا عن الحياة مع الضمير والوعي قد تحطمت. لماذا كان من الصعب حدوث إبادة جماعية في روسيا ؟ والجواب في أسباب مختلفة ولظروف اقتصادية لم تسمح للروس أن يفنوا أحياء في ظل الاقتصاد الليبرالي أو الحر أو المتحرر الذي يوصف بنظام تبادل السلع. أما في اقتصادنا القومي فالناس تجمع جهودها. لا تتبادل ولكن تجمع. وفي الواقع فإن كل المجتمعات والثقافات غير الغربية استمرت حية لأنها تواصل نموذج التجمع فقط. ** هل تعتقد أن المجتمعات التقليدية ستزول بفضل تطورات العولمة؟ العولمة هي حلم لا يتحقق. إنها خيال تكنوقراطي ومعرض للانهيار. وأعتقد أنها بدأت في التساقط. ومن المحتمل أن توجد هناك بعض المحاولات مثل تأسيس ذلك النظام العالمي في الاقتصاد والسياسة والخ.. لكن لا مستقبل في محاولة تأسيس نظام عالمي مكون من طبقة حاكمة أو نوع من الحضارة تشبه ما عاشه العالم تحت الحضارة اليونانية الرومانية. القديمة.. كأن يوجد نظام فيه حفنة وقلة من ملاك وعبيد بينما البقية والغالبية الناس عبيد لهم!!. وفيما يتعلق باحتمال أن تصبح طريقة تفكير ومظهر جميع الناس في العالم متشابهة- أقول إن هذا مستحيل وليس هناك داع أن نقلق لذلك. فكل الخيالات المهولة الجامحة قد أدت وتؤدي إلي عذابات عديدة للناس, خاصة إذا جذبت لها قوات جادة لتحقيقها. ومع ذلك حدثت من قبل محاولتان لتأسيس نظام عالمي شامل. كانت المحاولة الأولي تتعلق باحتلال استعماري أو كولونيالي عندما نجح الغرب في إخضاع جزء كبير من العالم وتحويله إلي مستعمرات عديدة. وأثناء ذلك الاستعمار فنيت بعض الدول والشعوب, لكن بقيت الثقاقات القوية حية في آسيا والهند خاصة, لأن حدودها الثقافية حافظت علي كياناتها. و كانت المحاولة الثانية هي في إعادة تقسيم العالم أو بكلمة أخري ظهور إمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, لكن هذه الموجة لم تستمر مدة طويلة, لأنها سببت الثورة العالمية التي حدثت في جميع الدول ذات الأصول الزراعية الفلاحية. وذلك لأن سيرة أبطال الحياة الفلاحية اختفت في العالم الاستعماري الجديد إذ دخلت البلدان الفلاحية بشكل سريع جدا فيه. ولهذا السبب حدثت ثورات في جميع البلدان الزراعية الفلاحية. وأدت الثورة الروسية إلي تأسيس دولة جديدة لفترة معينة. وفي نفس الوقت حدثت ثورات في المكسيك وجميع بلدان شمال إفريقيا والهند... الخ.. فحمت الثورات هذه الدول لأن أهم أهداف تلك الثورات كان صد هجوم العولمة الجديدة وحتي مع وقوع خسائر معينة. واليوم أصبحت الحضارة الآسيوية قوية لأن لديها موارد ذهنية وتكنولوجيات غربية. فلذلك لا توجد عند الغرب إمكانية لإخضاعها. ويستطيع الغرب أن يخضع الصين مثلا إلي حد ما يناسب ذلك الصين نفسها. وتوافق الصين علي التدخل الغربي, لكن إذا أصبح ذلك التدخل ضارا للبلاد فسيطردهم الصينيون. وتحاول اليابان أن ألا تسمح لأحد بالتدخل, وفي نفس الوقت تقبل الهند بتدخل أجنبي بأكثر إرادة ولكن أيضا حسب رغبتها. أما من الناحية العسكرية فالغرب سوف لا يستطيع أن يخضع العالم. والآن أصبح واضحا أن إمكانية خضوع بقية العالم للولايات المتحدة مجرد خدعة. ولا يتجادل أحد حول هذه الخدعة لكي لا تتوتر أمريكا. و في الوقت الراهن تمر الولايات المتحدة عبر الأزمة, وتتكون الأزمة من الغزو باللاعقلية أو غياب التقدير العقلاني الرشيد. ويذكرني رؤساء الولايات المتحدة بقاطع الطريق المهووس في نفس الوقت. وقد يكون قاطع الطريق ليس قويا, لكنه يستطيع أن يخرج من جيبه السلاح الأبيض لو أغضبه أحد. وفوق ذلك أصبح هذا النوع من التصرف هو مبدأ سياسة الولايات المتحدة الأمريكية. ** كيف تري دور العالم العربي في الوقت الراهن؟ أعترف بأننا لا نعرف سوي القليل عن العالم العربي. لكني أعتقد أن العالم العربي اليوم هو قوة مستقرة وأيضا قوة موازنة في العالم. ويمر الغرب بفترة انهيار الاستنارة. وهذا وضع صعب عندما ينهار المشروع الكبير الذي بنيت عليه الحضارة الغربية كلها. ونتيجة لذلك الانهيار يظهر فراغ ولا تعرف الحضارة الغربية مخرجا من هذا الوضع. وعلي العكس نجح العالم العربي في ربط كثير من القيم الاستنارية بقيم دينهم وتقاليدهم. وبفضل هذا التركيب كشفت قيم الاستنارة عن جانبها غير المدمر. وذلك لأن الاستنارة إذا استخدمت بالغباوة أو ارتبطت بالقوي التوتونية) التوتون هم- الصليبيون الألمانيون) تصبح شيئا فظيعا. لقد أباد البروتستانتيون وللسخرية الإنسانيون' في الولايات المتحدة الهنود الحمر من غير أن يتخلوا عن إنسانيتهم. وهذا شيء مرعب! لذلك أعتقد أن التركيب الذي يوجد في العالم العربي سيمنعنا من طريقة تفكير قدمتها الاستنارة وسيمنعنا من الوقوع فيما يسمي' بوستومودرنيزم-' أي ما بعد إلي الحداثة إذا جاز التعبير وذلك عندما تتبدد مسائل مثل الحقيقة والضمير. والنقطة الثانية تتناول الدور الذي يلعبه العالم العربي اليوم في إصراره علي الحفاظ علي قيمه التقليدية ومرونة تكيفه مع الحياة المعاصرة من غير أن تصبح هذه القيم عقيمة. ويوجد هناك نوع من الحفاظ علي القيم. وهو حفاظ متطرف عقيم. لكن لم يذهب العالم العربي في هذا السبيل: ولقد أصبح الحفاظ علي قيمهم التقليدية مرتبطا بالتطور والتقدم. وفي نظري كان نفس الوضع في الاتحاد السوفيتي- وكان يتمثل في التواصل بين التقاليد وفكرة التطور. ولكن للأسف الشديد لم نحتمل ونتحمل ولهذا سقطنا لأننا وقفنا علي خط المواجهة الأمامي. والعرب لديهم تنوع كبير من الثقافات التي تساعدهم في الاستجابات للضغط المرن. ويوجد رأس مال من الغرب بشكل عميق في الدول العربية ولكن هذا هو خيار العرب أنفسهم وهم لا يمنعونه من التدخل. ** ما رأيك بشأن أزمة الشرق الأوسط؟ هذا سؤال صعب للغاية, لأن هذه الأزمة تتعلق بتقليدين قويين. لاشك أنه لو كانت إسرائيل وحدها لما وجد صراع من الأصل. ولكن إسرائيل تمثل جميع يهود العالم. ومصادراليهود ثقافية ومالية وعقلية واسعة جدا كما أن الثقافات التي احترفوها كثيرة أيضا. وأعتقد أن البروفسير المصري سمير أمين كان له كل الحق في أن يكتب أنه بعد ظهور الإرهاب نجح الغرب في محاصرة إمكانيات العالم العربي لمدة طويلة. ولهذا السبب فالغرب ينشيء الإرهاب ويبعد العرب بذلك عن أية مقاومة ضد الغرب. لأنه إذا قاوم أحد من العرب ضد الغرب فسيصبغ عليه فورا اسم' إرهابي'. والإرهاب نوع من ظاهرة تكون حياتها مستقلة بعد فترة معينة من ظهورها. والأزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستنتهي بعد أن تفهم إسرائيل أن هذا الصراع لا يؤدي إلي شيء* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|