
|
لماذا أمر الله جبريل بإبادة الناسك في قرية الأشرار؟ |
قال جبريل عليه السلام لرب العزة. وقد أرسله لإبادة قرية عاث أهلها في الأرض فسادا, يرتكبون المظالم, ينهبون ويقتلون منتهكين شريعة الله, مكرسين شريعتهم وحدها. شريعة الغاب, شريعة سيطرة القوي علي الضعيف, وسيادة الباطل علي الحق, وما إلي ذلك مما يأتيه الشيطان بجنده من بني الإنسان, ليصرفهم عن طاعة الرحيم الرحمن, الأمر الذي يحدث بشكل عام في هذا الزمان, في كل الدنيا. جبريل قال لربه ولكن يا الله, في القرية إياها ناسك عابد مؤمن, لم يأت شرا, ولم يرتكب فسادا, التزم داره غير راض عما يجري حوله, فإذا أهلكت هذه القرية يا الله يا الله, هلك فيها ذلك الناسك المتعبد, فهل آخذه بجريرة الفاسدين الأشرار؟ به إبدأ يا جبريل, قال رب العزة, لأنه بالفساد رضي, وبتحكم الشر والأشرار قبل. كان عليه يا جبريل أن يخرج في الناس ناصحا واعظا مرشدا, لا أن يلتزم داره ناسكا متعبدا, فالعبادة تكون في مواجهة الطغيان, وليس الاعتكاف في رؤوس الجبال مع الوحوش والغربان. والحكاية هذه تقود إلي حكاية أخري, عن شقيقين أحدهما صاحب دكان في سوق النسوان, و الثاني تزهد متنسكا علي رأس جبل بعيدا عن الناس والعمران. وحتي لا يترك الشقيق صاحب الدكان شقيقه في جوع ومسغبة, وليسهل عليه حياته, كان يسعي إليه أسبوعيا, حاملا له ما تيسر من طعام وشراب وكساء ليقضي معه سويعات يصل بها الرحم, ويقضي حق الشقيق علي الشقيق والابن للأب, والقريب للقريب. حتي كان ذلك يوم. وارتأي الشقيق الزاهد, زيارة شقيقه في دكانه بسوق النسوان. وقبل أن يبدأ رحلته تلك, فكر في مبادلة شقيقه البر والكرم, ووجوب مهاداته بهدية, يقبل فيها ما كان يأتيه به من طعام أو شراب وكساء. ولكن ماذا في قمة هذا الجبل؟ ليس إلا ذلك النبع من الماء الزلال, الذي لم تلوثه أنفاس الناس حتي, ناهيك عن عوادم المركبات, ودخان المصانع وحرائق البقايا والنفايا, وسموم المبيدات, وما إلي ذلك من حضاريات هذا الزمن, وإذا استقر رأيه علي ماء نبع الجبل يهادي به شقيقه, راح يبحث عما يحمل فيه الماء لشقيقه, ولم يجد لديه إلا سلة من خوص, توكل علي الله, وبإذنه ملأها بماء نبع الجبل, وكانت هذه مكرمة الله له لزهده وتنسكه. وإلي شقيقه في سوق النسوان, ذهب حاملا سلته المملوءة بالماء, غير ملتفت إلي ما فيه من ملفتات الخير والشر, حتي وصل وكان أخوه الذي رحب بمقدمه وسلم عليه, وتناول منه السلة مقدرا نسكه وإكرام الله بملء سلته التي هي نسيج ثقوب بالماء, تتفاخر بالسلة ونسك أخيه, علق الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان السلة في مقدمة بضائعه, أعجوبة تدل علي طهارة شقيقه. وأذن المؤذن للظهر وقال الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان لشقيقه الذي يعيش بين النسور والغربان, أنت مع الله أبدا في الزهد والتنسك, أما أنا فليس لي إلا صلاة الجماعة أجمع فيها الحسنات, ليوم لا ينفع فيه إلا طاعة الله, فابق أنت هنا في الدكان حارسا لمال شقيقك, ريثما أصلي جماعة وأعود إليك. وذهب الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان لصلاته, وجلس الشقيق الزاهد يسبح الله بعد أن أقام صلاة الظهر, عندما دخلت الحانوت حسناء غيداء ملتفة بعباءة حريرية سوداء, تزيد في قدها المياس اللوف, ليونة تتفجر حرارة وإثارة, وبصوت كله أنوثة سألته وهي تمسك بشال حريري أسود واضعة إياه علي صدر مرمري عن الثمن. ورفع الزاهد الناسك المتعبد رأسه ينظر إليها, ليجد نفسه فجأة أنه من أهل الدنيا بكل ما فيهم من خير وشر, وبغريزة طبيعية فيه اشتهاها, وإذ بالماء في السلة بدأ بالتسلل منها إلي الأرض وبطلت المعجزة في مواجهة سوق النسوان, والتي كانت معجزة بين الطيور والغربان, وجاء الشقيق من صلاته ليري الحال التي صار عليها أمر السلة والشقيق الناسك وليقول له: يا شقيق الروح والجسد يا ابن أم العبادة تكون بين السيقان لا بين الغربان. هنا إذا استطعت المقاومة والثبات ورد الخير بالشر, فأنت العابد الزاهد المتنسك, أما هناك عندك في الجبل فالأمر سهل, إذ ما من مفسد ولا شرير. ثانية إلي جبريل عليه السلام ورب العزة نعود, لنسمع الله- عز وجل- يقول لجبريل بالناسك ابدأ يا جبريل, في إهلاك هذه القرية الظالم الناس أهلها, بأنه لم يواجه الظلم والظالمين والفساد والفاسدين, وإلي ناسك الجبل نعود, لنراه أفضل في سوق النسوان, يواجه مغريات الزمان, صامدا غير مرتكب للمحرمات, محاولا دحر الشرور بالخير, مغيرا المنكر بأقوي الإيمان, وليس بأضعفه. إذ من رأي منكم منكرا فليقومه بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, وإن لم يستطع فبقلبه, وهذا أضعف الإيمان, كما قال رسول الله عليه أفضل الصلام والسلام. والمقصد, قصدنا من كلام هاتين الحكايتين, تساؤلات ترددت تتعجب من ذلك الدمار الشامل, الذي اكتسح جنوب شرق آسيا وكل أهلها من الفقراء البؤساء المؤمنين الصابرين العارفين الله بأديانه جميعا, المتنسكين العابدين, الذين لا يأنون شرا متحملين الفساد والمفسدين, لماذا يا الله يارب العزة هؤلاء يحل عليهم غضبك وتكتسحهم نقمتك, وليس أولئك الكفرة الفجرة الذين يمتصون دماء الأمم والشعوب, يفتكون بها قتلا وسفكا وانتهاكا, لماذا هؤلاء البؤساء وليس أولئك الذين يكنزون الذهب والفضة, ويستعبدون عباد الله الطيبين الوادعين. وجواب الله جلت قدرته, بهم ابدأ يا جبريل, وبهم بدأ فعلا, إذ أنهم رضوا بالحياة في ذلة, ولم ينهضوا لمواجهة الشر والأشرار, وقبلوا بمن فرض عليهم من حكام هم أداة المفسدين, الذين فسدوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا. إنه إنذار من الله للمتنسكين لمواجهة الأشرار والفاسدين رعايا الشيطان الرجيم. فإما يستفيقوا لإحقاق الحق الذي هو الله واليقين, وإلا فإنهم أول الهالكين, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عبدالوهاب فتال كاتب شامي |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|