423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لماذا أمر الله جبريل بإبادة الناسك
في قرية الأشرار؟

قال جبريل عليه السلام لرب العزة‏.‏ وقد أرسله لإبادة قرية عاث أهلها في الأرض فسادا‏,‏ يرتكبون المظالم‏,‏ ينهبون ويقتلون منتهكين شريعة الله‏,‏ مكرسين شريعتهم وحدها‏.‏ شريعة الغاب‏,‏ شريعة سيطرة القوي علي الضعيف‏,‏ وسيادة الباطل علي الحق‏,‏ وما إلي ذلك مما يأتيه الشيطان بجنده من بني الإنسان‏,‏ ليصرفهم عن طاعة الرحيم الرحمن‏,‏ الأمر الذي يحدث بشكل عام في هذا الزمان‏,‏ في كل الدنيا‏.‏ جبريل قال لربه ولكن يا الله‏,‏ في القرية إياها ناسك عابد مؤمن‏,‏ لم يأت شرا‏,‏ ولم يرتكب فسادا‏,‏ التزم داره غير راض عما يجري حوله‏,‏ فإذا أهلكت هذه القرية يا الله يا الله‏,‏ هلك فيها ذلك الناسك المتعبد‏,‏ فهل آخذه بجريرة الفاسدين الأشرار؟
به إبدأ يا جبريل‏,‏ قال رب العزة‏,‏ لأنه بالفساد رضي‏,‏ وبتحكم الشر والأشرار قبل‏.‏ كان عليه يا جبريل أن يخرج في الناس ناصحا واعظا مرشدا‏,‏ لا أن يلتزم داره ناسكا متعبدا‏,‏ فالعبادة تكون في مواجهة الطغيان‏,‏ وليس الاعتكاف في رؤوس الجبال مع الوحوش والغربان‏.‏
والحكاية هذه تقود إلي حكاية أخري‏,‏ عن شقيقين أحدهما صاحب دكان في سوق النسوان‏,‏ و الثاني تزهد متنسكا علي رأس جبل بعيدا عن الناس والعمران‏.‏ وحتي لا يترك الشقيق صاحب الدكان شقيقه في جوع ومسغبة‏,‏ وليسهل عليه حياته‏,‏ كان يسعي إليه أسبوعيا‏,‏ حاملا له ما تيسر من طعام وشراب وكساء ليقضي معه سويعات يصل بها الرحم‏,‏ ويقضي حق الشقيق علي الشقيق والابن للأب‏,‏ والقريب للقريب‏.‏
حتي كان ذلك يوم‏.‏ وارتأي الشقيق الزاهد‏,‏ زيارة شقيقه في دكانه بسوق النسوان‏.‏ وقبل أن يبدأ رحلته تلك‏,‏ فكر في مبادلة شقيقه البر والكرم‏,‏ ووجوب مهاداته بهدية‏,‏ يقبل فيها ما كان يأتيه به من طعام أو شراب وكساء‏.‏ ولكن ماذا في قمة هذا الجبل؟ ليس إلا ذلك النبع من الماء الزلال‏,‏ الذي لم تلوثه أنفاس الناس حتي‏,‏ ناهيك عن عوادم المركبات‏,‏ ودخان المصانع وحرائق البقايا والنفايا‏,‏ وسموم المبيدات‏,‏ وما إلي ذلك من حضاريات هذا الزمن‏,‏ وإذا استقر رأيه علي ماء نبع الجبل يهادي به شقيقه‏,‏ راح يبحث عما يحمل فيه الماء لشقيقه‏,‏ ولم يجد لديه إلا سلة من خوص‏,‏ توكل علي الله‏,‏ وبإذنه ملأها بماء نبع الجبل‏,‏ وكانت هذه مكرمة الله له لزهده وتنسكه‏.‏
وإلي شقيقه في سوق النسوان‏,‏ ذهب حاملا سلته المملوءة بالماء‏,‏ غير ملتفت إلي ما فيه من ملفتات الخير والشر‏,‏ حتي وصل وكان أخوه الذي رحب بمقدمه وسلم عليه‏,‏ وتناول منه السلة مقدرا نسكه وإكرام الله بملء سلته التي هي نسيج ثقوب بالماء‏,‏ تتفاخر بالسلة ونسك أخيه‏,‏ علق الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان السلة في مقدمة بضائعه‏,‏ أعجوبة تدل علي طهارة شقيقه‏.‏ وأذن المؤذن للظهر وقال الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان لشقيقه الذي يعيش بين النسور والغربان‏,‏ أنت مع الله أبدا في الزهد والتنسك‏,‏ أما أنا فليس لي إلا صلاة الجماعة أجمع فيها الحسنات‏,‏ ليوم لا ينفع فيه إلا طاعة الله‏,‏ فابق أنت هنا في الدكان حارسا لمال شقيقك‏,‏ ريثما أصلي جماعة وأعود إليك‏.‏
وذهب الشقيق صاحب الدكان في سوق النسوان لصلاته‏,‏ وجلس الشقيق الزاهد يسبح الله بعد أن أقام صلاة الظهر‏,‏ عندما دخلت الحانوت حسناء غيداء ملتفة بعباءة حريرية سوداء‏,‏ تزيد في قدها المياس اللوف‏,‏ ليونة تتفجر حرارة وإثارة‏,‏ وبصوت كله أنوثة سألته وهي تمسك بشال حريري أسود واضعة إياه علي صدر مرمري عن الثمن‏.‏ ورفع الزاهد الناسك المتعبد رأسه ينظر إليها‏,‏ ليجد نفسه فجأة أنه من أهل الدنيا بكل ما فيهم من خير وشر‏,‏ وبغريزة طبيعية فيه اشتهاها‏,‏ وإذ بالماء في السلة بدأ بالتسلل منها إلي الأرض وبطلت المعجزة في مواجهة سوق النسوان‏,‏ والتي كانت معجزة بين الطيور والغربان‏,‏ وجاء الشقيق من صلاته ليري الحال التي صار عليها أمر السلة والشقيق الناسك وليقول له‏:‏ يا شقيق الروح والجسد يا ابن أم العبادة تكون بين السيقان لا بين الغربان‏.‏ هنا إذا استطعت المقاومة والثبات ورد الخير بالشر‏,‏ فأنت العابد الزاهد المتنسك‏,‏ أما هناك عندك في الجبل فالأمر سهل‏,‏ إذ ما من مفسد ولا شرير‏.‏
ثانية إلي جبريل عليه السلام ورب العزة نعود‏,‏ لنسمع الله‏-‏ عز وجل‏-‏ يقول لجبريل بالناسك ابدأ يا جبريل‏,‏ في إهلاك هذه القرية الظالم الناس أهلها‏,‏ بأنه لم يواجه الظلم والظالمين والفساد والفاسدين‏,‏ وإلي ناسك الجبل نعود‏,‏ لنراه أفضل في سوق النسوان‏,‏ يواجه مغريات الزمان‏,‏ صامدا غير مرتكب للمحرمات‏,‏ محاولا دحر الشرور بالخير‏,‏ مغيرا المنكر بأقوي الإيمان‏,‏ وليس بأضعفه‏.‏ إذ من رأي منكم منكرا فليقومه بيده‏,‏ فإن لم يستطع فبلسانه‏,‏ وإن لم يستطع فبقلبه‏,‏ وهذا أضعف الإيمان‏,‏ كما قال رسول الله عليه أفضل الصلام والسلام‏.‏
والمقصد‏,‏ قصدنا من كلام هاتين الحكايتين‏,‏ تساؤلات ترددت تتعجب من ذلك الدمار الشامل‏,‏ الذي اكتسح جنوب شرق آسيا وكل أهلها من الفقراء البؤساء المؤمنين الصابرين العارفين الله بأديانه جميعا‏,‏ المتنسكين العابدين‏,‏ الذين لا يأنون شرا متحملين الفساد والمفسدين‏,‏ لماذا يا الله يارب العزة هؤلاء يحل عليهم غضبك وتكتسحهم نقمتك‏,‏ وليس أولئك الكفرة الفجرة الذين يمتصون دماء الأمم والشعوب‏,‏ يفتكون بها قتلا وسفكا وانتهاكا‏,‏ لماذا هؤلاء البؤساء وليس أولئك الذين يكنزون الذهب والفضة‏,‏ ويستعبدون عباد الله الطيبين الوادعين‏.‏
وجواب الله جلت قدرته‏,‏ بهم ابدأ يا جبريل‏,‏ وبهم بدأ فعلا‏,‏ إذ أنهم رضوا بالحياة في ذلة‏,‏ ولم ينهضوا لمواجهة الشر والأشرار‏,‏ وقبلوا بمن فرض عليهم من حكام هم أداة المفسدين‏,‏ الذين فسدوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا‏.‏
إنه إنذار من الله للمتنسكين لمواجهة الأشرار والفاسدين رعايا الشيطان الرجيم‏.‏ فإما يستفيقوا لإحقاق الحق الذي هو الله واليقين‏,‏ وإلا فإنهم أول الهالكين‏,‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
عبدالوهاب فتال
كاتب شامي