
|
الغرف المغلقة
القسوة تقتل العاطفة |
 | |
تقدمة - د. هبة قطب أنا فتاة في الثامنة عشرة من عمري, لكنني معذبة للغاية وأشعر بيأس في هذه الحياة, فأنا مخطوبة وعلي وشك الزواج من ابن عمي, مثل تقاليد عائلتنا, والتي لا تملك الفتاة فيها أن تقول لا علي اختيار أهلها لزوجها, وإن لم تكن تحبه, فإن الحب هو مسخرة وكلام فاضي, وغير مسموح به, ولو من باب الدردشة, وكان أسهل عقاب يعاقبني به أبي حين أخطئ هو أن يمنعني عن المدرسة, حيث إن البنت تذهب إلي المدرسة لمجرد تضييع الوقت, حيث إن مصيرها هو البيت وخدمة الزوج والأولاد في كل الأحوال علي حد تعبيره, ولا أعود إلي المدرسة إلا بعد توسلات وبكاء مني, ومن أمي, حيث كانت المدرسة دائما متنفسي الوحيد في ظل كل هذا القهر والظلم الذي شعرت به منذ صغري, حتي إنني طالما كرهت كوني فتاة وتمنيت أن تحدث المعجزة, وأصحو ذات صباح فأجد نفسي أصبحت ولدا, لكن هذا لم يحدث بالطبع, ثم حدث أنني حين كنت في الصف الثاني الإعدادي تعرفت إلي شاب هو الشقيق الأكبر لصديقة وزميلة لي في فصلي, وكان يأتي أحيانا لأخذها من المدرسة, فتعرفت به بهذه الطريقة, وأعجبت بابتسامته الساحرة, وبكلامه المعسول الرقيق الذي وجدت فيه احتراما لأنوثتي, بل لآدميتي, فكنت أصبو دائما لمجيئه لأخذ أخته حتي تقع عيناي عليه وأسمع من فمه ثناءه علي وعلي جمالي وعلي رقتي كما كان يقول دائما. وكنت أقضي الساعات والساعات أتخيل شكله وأسترجع صوته وحديثه الذي كان يأسرني, وأتخيل يده تربت علي شعري وعلي كتفي, وكانت هذه الأوقات هي أسعد أوقات حياتي, حتي جاءت فرصة عيد ميلاد شقيقته والتي دعتني إليه, وقد كانت الفرصة سانحة لي للذهاب بسبب غياب والدي لأداء واجب عزاء في بلدتنا, فتوسلت لأمي كي أذهب, فقبلت بعد عذاب, خاصة أن صديقتي هذه كانت تسكن في نفس الحي, فذهبت إلي هناك والدنيا لا تسعني من الفرحة بسبب ذهابي إلي بيت حبيبي, ولأنني سأراه لمدة طويلة تزيد علي اللحظات التي كنت أراه فيها حين كان يأتي إلي المدرسة, وكنت أسابق خطاي وأنا ذاهبة إلي هناك بالفعل, وجلست قليلا بين صديقات المدرسة وعيني لا تفارق حبيبي, حتي جاء هو إلي واصطحبني إلي البالكونة, وأخذ يخبرني بكم حبه لي وإعجابه بي, وأنه يتمني اليوم الذي سيستطيع التقدم لي ليتزوجني, ثم أشار علي بأن أصحبه إلي الدور العلوي الذي به شقته والتي ستكون عشا لحبنا وزواجنا فيالمستقبل القريب, فذهبت معه بكل أسف وكأنني مغيبة, أو مربوطة بحبل وهو يجرني بكل استسلام مني, ثم حدث المصير المحتوم والتطور الطبيعي لفصول هذه القصة دون علم مني بطبيعة ما حدث في ذلك الوقت, حيث كان عمري13 سنة فقط, في حين كان عمره22 سنة, وكنت مجرد أداة تنفذ الخطوات الذي أشار هو بها, وحين سألته بعد انتهائنا من هذه المأساة عن معني ما حدث بيننا, قال إن معناه أننا لا نستطيع الزواج إلا من بعضنا البعض, وأخذت الأمور علي علاقتها وتخيلت أن ما حدث هو مثل القبلة السينمائية التي تتم عند الخطبة أو نية الزواج. واستمر حبيبي في السعي لمقابلتي والكلام المعسول معي حتي تعذرت مسألة لقاءاتنا, فبدأ يتغير معي وأصبح في غاية الجفاف معي, وبدأت علاقتنا تتباعد تدريجيا حتي نسيت أنا الموضوع تماما, ثم حين كبرت قليلا وعرفت عن طبيعة العلاقة الجنسية عاد القلق الشرس إلي حياتي من جديد, خاصة مع علمي أن الفتاة لا تعود إلي سابق عهدها بعد العلاقة, ولجهلي بهذه المسألة في ذاك الوقت, فلا أستطيع الآن استحضارها إذا كانت العلاقة كاملة أم لا, ولا كوني قد تعرضت لنزيف أم لا, خاصة وقد علمت أن النزيف يمكن أن يكون خفيفا أو غير موجود أساسا, أما الآن ومع اقتراب زواجي من ابن عمي, فإنني في غاية القلق والحرج, خاص أن من عادات عائلتنا السؤال عن كل تفاصيل ليلة الزفاف بما فيها حدوث النزف من عدم. وأنا أكاد أجن ولا أنام... فماذا أفعل؟ فتاتي العزيزة.. أنا لا أريد إعفائك من المسئولية عما حدث منك, حيث إن أول الانزلاق خطوة, وإن بدت الخطوة غير خطيرة, ولكنك كنت تعرفين أنها خطأ علي الأقل, ولكنك نكأت جرحا خطيرا في أهميته يا فتاتي, وهو نموذج الأب القاسي الذي ينفر الابنة منه, ولا يجمعه بها إلا التعليمات والأوامر, وفرض العقوبات, فمن أين يأتي هؤلاء الآباء بمثلهم الأعلي في هذه التصرفات؟ فقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم, والدا لبنات, وقد عرف عنه أنه ما دخل علي أي منهن إلا وقبلها وضاحكها, وحن عليها, ولا يخفي علي أحد التعليمات الشرعية والدينية الصريحة بشأن موافقة الفتاة علي زواجها, وحرمة تزويجها ممن تكره, وها أنت يا فتاتي مثالا حيا لنتاج هذه القسوة والبطش الشديد الذي أفرز نوعا من الجوع العاطفي لديك والذي كان يصبو إلي سماع أي كلمة جنون, وخاصة من نموذج رجالي نظرا للافتقار لهذه النوعية العاطفية بشكل خاص, وهذا هو سر ضعفك تجاهه وانسياقك وراءه بلا أي تفكير أو حتي لحظة توقف للتدارك, أضيفي إلي ذلك حداثة سنك الشديدة في ذاك الوقت, والعامل الآخر الأكثر أهمية هو عدم علمك بأي شئ عن العلاقة الجنسية في ذلك الوقت, مما جعلك فريسة سهلة لهذا الإنسان الحقير الذي تتبرأ منه الإنسانية جمعاء, والذي استغل صغر سنك وميلك تجاهه, ناهيك عن مشكلتك مع والدك التي أخبرته بها أخته قطعا. فأصبحت كالطفل الذي يحرمه أهله من الحلوي بشكل قاطع, بل ووصمها بالعار والضرر, في حين أن كل شئ محيط بهذا الطفل يجزم بالطبيعة الحقيقية للحلوي, وهي كونها شئ طيب. فمن البديهي آنذاك أن يضعف الطفل أمام من يشير إليه بالحلوي من بعيد, ويركض وراءها, حتي وإن كانت مسمومة, فلم يعلمه أحد التفريق بين الطيب والردئ منها, بسبب منعها قاطعة, فتنتفي بذلك قدرته علي التفريق بين هذا وذاك, لكن إذا اتخذنا سلاح الصداقة حماية لنا ولأولادنا, فهذا هو الربح الحقيقي, خاصة في ظل معطيات العصر هذه, والتي جعلت من جميع الثقافات والمعطيات مجرد طرفة من أطراف الأصابع, أما الآن, وفي ظل هذه المشكلة, فأنا أنصحك أن تصارحي والدتك, وأن تذهبي إلي طبيبة لأمراض النساء لفحصك واستبيان ما حدث بك علي يد ذاك الوغد, وليأت قرارك بعد ذلك. إنني أري أن والدك قد شارك في هذه الفعلة بطريقته في معاداتك, كما شاركت والدتك أيضا بانقطاع حبل الصداقة بينكما واقتصار الحوار علي أمور بعيدة عن الحميمية, وقاك الله يا فتاتي شر نفسك وشرور الآخرين, وعوضك بمستقبلك وزواجك عما تعرضت له من قسوة واستغلال.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|