423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الغرف المغلقة

القسوة تقتل العاطفة

تقدمة - د. هبة قطب


أنا فتاة في الثامنة عشرة من عمري‏,‏ لكنني معذبة للغاية وأشعر بيأس في هذه الحياة‏,‏ فأنا مخطوبة وعلي وشك الزواج من ابن عمي‏,‏ مثل تقاليد عائلتنا‏,‏ والتي لا تملك الفتاة فيها أن تقول لا علي اختيار أهلها لزوجها‏,‏ وإن لم تكن تحبه‏,‏ فإن الحب هو مسخرة وكلام فاضي‏,‏ وغير مسموح به‏,‏ ولو من باب الدردشة‏,‏ وكان أسهل عقاب يعاقبني به أبي حين أخطئ هو أن يمنعني عن المدرسة‏,‏ حيث إن البنت تذهب إلي المدرسة لمجرد تضييع الوقت‏,‏ حيث إن مصيرها هو البيت وخدمة الزوج والأولاد في كل الأحوال علي حد تعبيره‏,‏ ولا أعود إلي المدرسة إلا بعد توسلات وبكاء مني‏,‏ ومن أمي‏,‏ حيث كانت المدرسة دائما متنفسي الوحيد في ظل كل هذا القهر والظلم الذي شعرت به منذ صغري‏,‏ حتي إنني طالما كرهت كوني فتاة وتمنيت أن تحدث المعجزة‏,‏ وأصحو ذات صباح فأجد نفسي أصبحت ولدا‏,‏ لكن هذا لم يحدث بالطبع‏,‏ ثم حدث أنني حين كنت في الصف الثاني الإعدادي تعرفت إلي شاب هو الشقيق الأكبر لصديقة وزميلة لي في فصلي‏,‏ وكان يأتي أحيانا لأخذها من المدرسة‏,‏ فتعرفت به بهذه الطريقة‏,‏ وأعجبت بابتسامته الساحرة‏,‏ وبكلامه المعسول الرقيق الذي وجدت فيه احتراما لأنوثتي‏,‏ بل لآدميتي‏,‏ فكنت أصبو دائما لمجيئه لأخذ أخته حتي تقع عيناي عليه وأسمع من فمه ثناءه علي وعلي جمالي وعلي رقتي كما كان يقول دائما‏.‏
وكنت أقضي الساعات والساعات أتخيل شكله وأسترجع صوته وحديثه الذي كان يأسرني‏,‏ وأتخيل يده تربت علي شعري وعلي كتفي‏,‏ وكانت هذه الأوقات هي أسعد أوقات حياتي‏,‏ حتي جاءت فرصة عيد ميلاد شقيقته والتي دعتني إليه‏,‏ وقد كانت الفرصة سانحة لي للذهاب بسبب غياب والدي لأداء واجب عزاء في بلدتنا‏,‏ فتوسلت لأمي كي أذهب‏,‏ فقبلت بعد عذاب‏,‏ خاصة أن صديقتي هذه كانت تسكن في نفس الحي‏,‏ فذهبت إلي هناك والدنيا لا تسعني من الفرحة بسبب ذهابي إلي بيت حبيبي‏,‏ ولأنني سأراه لمدة طويلة تزيد علي اللحظات التي كنت أراه فيها حين كان يأتي إلي المدرسة‏,‏ وكنت أسابق خطاي وأنا ذاهبة إلي هناك بالفعل‏,‏ وجلست قليلا بين صديقات المدرسة وعيني لا تفارق حبيبي‏,‏ حتي جاء هو إلي واصطحبني إلي البالكونة‏,‏ وأخذ يخبرني بكم حبه لي وإعجابه بي‏,‏ وأنه يتمني اليوم الذي سيستطيع التقدم لي ليتزوجني‏,‏ ثم أشار علي بأن أصحبه إلي الدور العلوي الذي به شقته والتي ستكون عشا لحبنا وزواجنا فيالمستقبل القريب‏,‏ فذهبت معه بكل أسف وكأنني مغيبة‏,‏ أو مربوطة بحبل وهو يجرني بكل استسلام مني‏,‏ ثم حدث المصير المحتوم والتطور الطبيعي لفصول هذه القصة دون علم مني بطبيعة ما حدث في ذلك الوقت‏,‏ حيث كان عمري‏13‏ سنة فقط‏,‏ في حين كان عمره‏22‏ سنة‏,‏ وكنت مجرد أداة تنفذ الخطوات الذي أشار هو بها‏,‏ وحين سألته بعد انتهائنا من هذه المأساة عن معني ما حدث بيننا‏,‏ قال إن معناه أننا لا نستطيع الزواج إلا من بعضنا البعض‏,‏ وأخذت الأمور علي علاقتها وتخيلت أن ما حدث هو مثل القبلة السينمائية التي تتم عند الخطبة أو نية الزواج‏.‏
واستمر حبيبي في السعي لمقابلتي والكلام المعسول معي حتي تعذرت مسألة لقاءاتنا‏,‏ فبدأ يتغير معي وأصبح في غاية الجفاف معي‏,‏ وبدأت علاقتنا تتباعد تدريجيا حتي نسيت أنا الموضوع تماما‏,‏ ثم حين كبرت قليلا وعرفت عن طبيعة العلاقة الجنسية عاد القلق الشرس إلي حياتي من جديد‏,‏ خاصة مع علمي أن الفتاة لا تعود إلي سابق عهدها بعد العلاقة‏,‏ ولجهلي بهذه المسألة في ذاك الوقت‏,‏ فلا أستطيع الآن استحضارها إذا كانت العلاقة كاملة أم لا‏,‏ ولا كوني قد تعرضت لنزيف أم لا‏,‏ خاصة وقد علمت أن النزيف يمكن أن يكون خفيفا أو غير موجود أساسا‏,‏ أما الآن ومع اقتراب زواجي من ابن عمي‏,‏ فإنني في غاية القلق والحرج‏,‏ خاص أن من عادات عائلتنا السؤال عن كل تفاصيل ليلة الزفاف بما فيها حدوث النزف من عدم‏.‏ وأنا أكاد أجن ولا أنام‏...‏ فماذا أفعل؟
فتاتي العزيزة‏..‏ أنا لا أريد إعفائك من المسئولية عما حدث منك‏,‏ حيث إن أول الانزلاق خطوة‏,‏ وإن بدت الخطوة غير خطيرة‏,‏ ولكنك كنت تعرفين أنها خطأ علي الأقل‏,‏ ولكنك نكأت جرحا خطيرا في أهميته يا فتاتي‏,‏ وهو نموذج الأب القاسي الذي ينفر الابنة منه‏,‏ ولا يجمعه بها إلا التعليمات والأوامر‏,‏ وفرض العقوبات‏,‏ فمن أين يأتي هؤلاء الآباء بمثلهم الأعلي في هذه التصرفات؟ فقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ والدا لبنات‏,‏ وقد عرف عنه أنه ما دخل علي أي منهن إلا وقبلها وضاحكها‏,‏ وحن عليها‏,‏ ولا يخفي علي أحد التعليمات الشرعية والدينية الصريحة بشأن موافقة الفتاة علي زواجها‏,‏ وحرمة تزويجها ممن تكره‏,‏ وها أنت يا فتاتي مثالا حيا لنتاج هذه القسوة والبطش الشديد الذي أفرز نوعا من الجوع العاطفي لديك والذي كان يصبو إلي سماع أي كلمة جنون‏,‏ وخاصة من نموذج رجالي نظرا للافتقار لهذه النوعية العاطفية بشكل خاص‏,‏ وهذا هو سر ضعفك تجاهه وانسياقك وراءه بلا أي تفكير أو حتي لحظة توقف للتدارك‏,‏ أضيفي إلي ذلك حداثة سنك الشديدة في ذاك الوقت‏,‏ والعامل الآخر الأكثر أهمية هو عدم علمك بأي شئ عن العلاقة الجنسية في ذلك الوقت‏,‏ مما جعلك فريسة سهلة لهذا الإنسان الحقير الذي تتبرأ منه الإنسانية جمعاء‏,‏ والذي استغل صغر سنك وميلك تجاهه‏,‏ ناهيك عن مشكلتك مع والدك التي أخبرته بها أخته قطعا‏.‏
فأصبحت كالطفل الذي يحرمه أهله من الحلوي بشكل قاطع‏,‏ بل ووصمها بالعار والضرر‏,‏ في حين أن كل شئ محيط بهذا الطفل يجزم بالطبيعة الحقيقية للحلوي‏,‏ وهي كونها شئ طيب‏.‏
فمن البديهي آنذاك أن يضعف الطفل أمام من يشير إليه بالحلوي من بعيد‏,‏ ويركض وراءها‏,‏ حتي وإن كانت مسمومة‏,‏ فلم يعلمه أحد التفريق بين الطيب والردئ منها‏,‏ بسبب منعها قاطعة‏,‏ فتنتفي بذلك قدرته علي التفريق بين هذا وذاك‏,‏ لكن إذا اتخذنا سلاح الصداقة حماية لنا ولأولادنا‏,‏ فهذا هو الربح الحقيقي‏,‏ خاصة في ظل معطيات العصر هذه‏,‏ والتي جعلت من جميع الثقافات والمعطيات مجرد طرفة من أطراف الأصابع‏,‏ أما الآن‏,‏ وفي ظل هذه المشكلة‏,‏ فأنا أنصحك أن تصارحي والدتك‏,‏ وأن تذهبي إلي طبيبة لأمراض النساء لفحصك واستبيان ما حدث بك علي يد ذاك الوغد‏,‏ وليأت قرارك بعد ذلك‏.‏ إنني أري أن والدك قد شارك في هذه الفعلة بطريقته في معاداتك‏,‏ كما شاركت والدتك أيضا بانقطاع حبل الصداقة بينكما واقتصار الحوار علي أمور بعيدة عن الحميمية‏,‏ وقاك الله يا فتاتي شر نفسك وشرور الآخرين‏,‏ وعوضك بمستقبلك وزواجك عما تعرضت له من قسوة واستغلال‏.‏