423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص
زمان الكرب أم زمان الحب

د‏.‏ مبروك عطية


حين تنعدم الوسيلة‏,‏ وتنقطع الأسلاك‏,‏ وتجد لافتة علي الطريق الصحراوي مرسوما عليها سماعة تليفون بعد مائتي متر وتجري إليها فإذا بك تجد طللا شاخصا لا أحد فيه‏,‏ أو حين تذهب إلي سنترال زمان‏,‏ وتطلب من الموظف أن يطلب لك والدتك في الزقازيق أو شبين الكوم‏,‏ وتنتظر ساعة وبعض ساعة‏,‏ ترانك‏..‏ اللي عايز الزقازيق كابينة أربعة‏,‏ وتدخل الملجأ المسمي كبينة وتهتف بأعلي صوتك أيوه يا أمي‏,‏ ياست الحبايب‏,‏ أيوه يا ماما‏..‏ الخط قطع‏,‏ وحين تذهب إلي محطة القطار‏,‏ وتسأل عن أول ميعاد لتركب وتسافر إليها أو إلي أخيك اليتيم‏,‏ أو صاحبك القديم فيقال لك بعد ثلاث ساعات‏,‏ فتنام علي الرصيف‏,‏ وتشرب الحاجة الساقعة اسباتس التي لم يعد لها وجود‏,‏ وتأخذك سنة من النوم‏,‏ بعدها تفيق‏,‏ وتسأل‏,‏ ويقال لك‏:‏ اسأل ناظر المحطة‏,‏ أين الناظر؟ يا حضرة الناظر متي يأتي سي القشاش اللي جاي من أبو رواش ورايح البلد عندنا‏,‏ فيقول لك حضرة الناظر‏:‏ مش عارف يا بني والله إيه اللي جري له‏,‏ دا كان زي الساعة في مواعيده‏,‏ وعندما تذهب إلي موقف أحمد حلمي القديم خصوصا أيام الخميس وتجده قد أصبح كتيبة عسكرية‏,‏ كل العساكر في إجازة‏,‏ وحين يأتي البيجو الذي تنتظر تجد الحرب قد أشعلت نارها‏,‏ وداسك العساكر المفتولون الذين يقتتلون علي باب البيجو‏,‏ فلا تتمكن من ركوبه‏,‏ حين يحدث ذلك يكون هناك عذر أما إذا كان الهاتف في حجرة نومك‏,‏ وفيه كل الأصفار الزيرو أصفار دولية‏,‏ وأخري محلية‏,‏ في ثوان تدق أجراسك في سمع أمك فيهتف قلبها قائلة‏:‏ ولدي‏,‏ وعلي شاشتها هناك إظهار رقم الطالب‏,‏ وأنت يا حبيبي الطالب والمطلوب‏,‏ وعندئذ تقول لك‏:‏ يسعد صباحك‏,‏ وتقول لها‏:‏ وصباحك أيضا يا أمي‏,‏ كيف حالك؟ غدا إن شاء الله آتيك‏,‏ فتعد لك أكلتك المفضلة‏,‏ وتنقع من أجلك العرق سوس الذي عودك عليه أبوك منذ طفولتك‏,‏ فما عذرك؟
وإذا كانت سيارتك علي عتبة بابك‏,‏ فلماذا لا تنطلق بها إلي أحبابك؟ وإن لم يكن عندك هاتف محطوط أو جوال تجول معك في كل مكان ووجدت علي ناصية كل شارع وحارة سنترالا خاصا‏,‏ مضاء ليل نهار‏,‏ فلماذا لا تدخل وتتصل بأمك وأرحامك‏,‏ وإن لم تكن عندك سيارة‏,‏ وكانت مواقف السيارات التي تنطلق إلي بلدك في كل حي من أحياء القاهرة فلماذا لا تتجه إلي أقربها وتنطلق‏,‏ أو تتجه إلي محطة الديزل المكيف السريع النظيف‏,‏ وتركب وتصل إن شاء الله في موعدك‏,‏ وتعود إن شاء الله بأجرك وثوابك من رب ا لعالمين‏,‏ الذي أمرك ببر والديك‏,‏ وصلة رحمك‏,‏ وزيارة أقاربك‏,‏ والوفاء لأصحابك الذين أقسمت لهم أن علاقتك بهم لن تنقطع مادمت حيا‏,‏ وهذا عهد‏,‏ والله عز وجل يقول‏:‏وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا‏,‏ لماذا تقطع بيننا مع كثرة وسائل الاتصالات؟
سؤال مهم‏,‏ جوابه أننا نبدل النعمة‏,‏ نسترها‏,‏ نكفر بها‏,‏ سيارات تسد الشوارع إلي أين؟ لا ندري‏,‏ لا ندري إلا شيئا واحدا أن الحركة أصبحت حركة سلحفاة‏,‏ وأن قيادة السيارات مشكلة‏(‏ وحاجة تعقد‏)‏ المسافة التي نقطعها الساعة الرابعة صباحا قبل الفجر في خمس دقائق تقطعها علي مدي النهار في ساعة‏,‏ وربما أكثر‏,‏ كأن السيارات من أجرة وملاكي يدورون في ساقية لا تشبع الحقل ريا‏,‏ الحقل طفح‏,‏ ومازالت الساقية تدور‏,‏ والهواتف مشغولة‏,‏ شغلها الرغي‏,‏ لا السؤال عن مريض‏,‏ ولا عن ذي رحم‏,‏ حواديت‏,‏ وشرح للمحاضرات والسكاشن ومعاكسات وضحكات‏,‏ وتسليات‏,‏ وكلام في الغرام‏,‏ إن المسلمين في حاجة إلي أن يعرفوا لغة الحوار من ألف باء‏,‏ لا الحوار بين الأديان‏,‏ الذي لا يفهمه كثير من العلماء‏,‏ وإنما الحوار بين الناس‏,‏ بين المسلمين بعضهم بعضا‏,‏ في القرآن الكريم يقول الله تعالي‏:‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي‏.‏
انظر إلي الجواب‏,‏ كلمة واحدة بلي لو أننا أردنا أن نستضيء بلغة القرآن الكريم‏,‏ وطلب محمد خالدا وقال له بعد السلام‏:‏ ألم تذهب اليوم إلي مكان كذا؟ فقال خالد‏:‏ بلي لتم الجواب‏,‏ ولو أنه أراد أن يسأله قائلا‏:‏ وماذا حدث؟
فقال‏:‏ خيرا‏,‏ مثلما قال الله تعالي‏:‏وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا لكانت المكالمة مكونة من ثلاث كلمات‏:‏ سلام‏,‏ وبلي‏,‏ وخيرا‏,‏ وفيها الشفاء‏,‏ فإن كان لابد من الشرح كان مجاله عند اللقاء‏,‏ إذا سمح الوقت‏,‏ ولم يكن الشرح معطلا للعمل والمهام التي بسببها يتقاضي المسلم راتبه الشهري الذي يطعم منه‏,‏ ويطعم أهله‏,‏ ويتصدق منه‏,‏ فإن قيل‏:‏
حيلك حيلك‏..‏ أنت فاكر المرتب ده إيه؟
قلت‏:‏ لقد رضيت به وأنت تتسلم وظيفتك‏,‏ فأنت مسئول عن تلك الأمانة‏.‏
إن معظم الناس ينقلون بيوتهم إلي أعمالهم ويتحدثون عنها أكثر من حديثهم عنها وهم بداخلها‏,‏ وذلك من سوء الفكر والخلق‏,‏ فإذا كنا نعتبر العمل عبادة‏,‏ فلا كلام في العبادة إلا بنصوصها‏,‏ فأنت تعتقد أن الصلاة عبادة فهل تتحدث إلي من يصلي إلي يمنيك أو شمالك أو أمامك أو خلفك بشيء من أحاديث الحياة والبيوت‏,‏ هل تقول‏:‏ الحمد لله رب العالمين‏,‏ اسمع يا إبراهيم أنا لست معك في هذا الرأي‏,‏ لابد أن ترد زوجتك التي طلقتها من أجل الأولاد يا أخي‏,‏ ثم تستأنف وتقول‏:‏ الرحمن الرحيم‏,‏ ثم تقول له إذا كان اسمه إبراهيم‏:‏ هيه‏..‏ قلت إيه؟ ثم تقول‏:‏ مالك يوم الدين هذا لا تصح به الصلاة‏,‏ فكذلك لا يصح العمل مع الرغي وشرح أحوال البيوت‏,‏ كما لا يصح استعمال تليفون المدير العام في المكالمات الشخصية والعائلية‏,‏ ولا يصح من المدير العام أن يأذن بذلك‏,‏ ولا أن يسمح لبعض الخواص بأن يطلب ابنته‏,‏ ثم يعطيها للمدير العام كي يقنعها بأن تقبل العريس اللقطة‏,‏ ثم يجلس أمامه يستمع إلي الحوار ويهمس قائلا له‏:‏
قل لها بابا ح يجيب لك كل طلباتك والـفل جاية والملون‏,‏ وبعد أن يضع المدير العام السماعة يبدأ الأفندي في شرح القصة وظروف اللقطة‏,‏ وتدبر أحوال الزمن‏,‏ وعلي مكتب هذا الموظف عشرات المواطنين الذين ينتظرون عودته لقضاء مصالحهم‏,‏ ولن يقضي لهم مصلحة لأنه قام مستأذنا كي يتمكن من إقناعها‏.‏
إن الرطرطة في الكلام مما عمت به البلوي إلي أن وصلت إلي من يطلق عليهم الدعاة‏,‏ تستمع إليه ساعة ولا تخرج بقاعدة علمية‏,‏ كلام في كلام دون تحقيق ولا فائدة فإن قال قائل إن موسي عليه السلام قد قال له ربنا تعالي‏:‏وما تلك بيمنيك يا موسي وكان الجواب‏:‏ عصا‏,‏ لكنه قال‏:‏هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها علي غنمي ولي فيها مآرب أخري قلت‏:‏ ذلك للتلذذ بمناجاة الحبيب فالتطويل المسمي إطنابا حسن هنا‏,‏ والأمر لا يقاس عليه فيما نحن نتناوله‏,‏ فإننا في زمان الكرب لا في زمان الحب وعلينا أن نسعي إلي زمان الحب بالعمل والجد والاختصار فإذا زال الكرب وجاء زمان الحب فلنقل ما نشاء ولن أقول لك‏:‏ابقي قابلني لأني لست متشائما‏.‏