
|
غواص زمان الكرب أم زمان الحب |
د. مبروك عطية حين تنعدم الوسيلة, وتنقطع الأسلاك, وتجد لافتة علي الطريق الصحراوي مرسوما عليها سماعة تليفون بعد مائتي متر وتجري إليها فإذا بك تجد طللا شاخصا لا أحد فيه, أو حين تذهب إلي سنترال زمان, وتطلب من الموظف أن يطلب لك والدتك في الزقازيق أو شبين الكوم, وتنتظر ساعة وبعض ساعة, ترانك.. اللي عايز الزقازيق كابينة أربعة, وتدخل الملجأ المسمي كبينة وتهتف بأعلي صوتك أيوه يا أمي, ياست الحبايب, أيوه يا ماما.. الخط قطع, وحين تذهب إلي محطة القطار, وتسأل عن أول ميعاد لتركب وتسافر إليها أو إلي أخيك اليتيم, أو صاحبك القديم فيقال لك بعد ثلاث ساعات, فتنام علي الرصيف, وتشرب الحاجة الساقعة اسباتس التي لم يعد لها وجود, وتأخذك سنة من النوم, بعدها تفيق, وتسأل, ويقال لك: اسأل ناظر المحطة, أين الناظر؟ يا حضرة الناظر متي يأتي سي القشاش اللي جاي من أبو رواش ورايح البلد عندنا, فيقول لك حضرة الناظر: مش عارف يا بني والله إيه اللي جري له, دا كان زي الساعة في مواعيده, وعندما تذهب إلي موقف أحمد حلمي القديم خصوصا أيام الخميس وتجده قد أصبح كتيبة عسكرية, كل العساكر في إجازة, وحين يأتي البيجو الذي تنتظر تجد الحرب قد أشعلت نارها, وداسك العساكر المفتولون الذين يقتتلون علي باب البيجو, فلا تتمكن من ركوبه, حين يحدث ذلك يكون هناك عذر أما إذا كان الهاتف في حجرة نومك, وفيه كل الأصفار الزيرو أصفار دولية, وأخري محلية, في ثوان تدق أجراسك في سمع أمك فيهتف قلبها قائلة: ولدي, وعلي شاشتها هناك إظهار رقم الطالب, وأنت يا حبيبي الطالب والمطلوب, وعندئذ تقول لك: يسعد صباحك, وتقول لها: وصباحك أيضا يا أمي, كيف حالك؟ غدا إن شاء الله آتيك, فتعد لك أكلتك المفضلة, وتنقع من أجلك العرق سوس الذي عودك عليه أبوك منذ طفولتك, فما عذرك؟ وإذا كانت سيارتك علي عتبة بابك, فلماذا لا تنطلق بها إلي أحبابك؟ وإن لم يكن عندك هاتف محطوط أو جوال تجول معك في كل مكان ووجدت علي ناصية كل شارع وحارة سنترالا خاصا, مضاء ليل نهار, فلماذا لا تدخل وتتصل بأمك وأرحامك, وإن لم تكن عندك سيارة, وكانت مواقف السيارات التي تنطلق إلي بلدك في كل حي من أحياء القاهرة فلماذا لا تتجه إلي أقربها وتنطلق, أو تتجه إلي محطة الديزل المكيف السريع النظيف, وتركب وتصل إن شاء الله في موعدك, وتعود إن شاء الله بأجرك وثوابك من رب ا لعالمين, الذي أمرك ببر والديك, وصلة رحمك, وزيارة أقاربك, والوفاء لأصحابك الذين أقسمت لهم أن علاقتك بهم لن تنقطع مادمت حيا, وهذا عهد, والله عز وجل يقول:وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا, لماذا تقطع بيننا مع كثرة وسائل الاتصالات؟ سؤال مهم, جوابه أننا نبدل النعمة, نسترها, نكفر بها, سيارات تسد الشوارع إلي أين؟ لا ندري, لا ندري إلا شيئا واحدا أن الحركة أصبحت حركة سلحفاة, وأن قيادة السيارات مشكلة( وحاجة تعقد) المسافة التي نقطعها الساعة الرابعة صباحا قبل الفجر في خمس دقائق تقطعها علي مدي النهار في ساعة, وربما أكثر, كأن السيارات من أجرة وملاكي يدورون في ساقية لا تشبع الحقل ريا, الحقل طفح, ومازالت الساقية تدور, والهواتف مشغولة, شغلها الرغي, لا السؤال عن مريض, ولا عن ذي رحم, حواديت, وشرح للمحاضرات والسكاشن ومعاكسات وضحكات, وتسليات, وكلام في الغرام, إن المسلمين في حاجة إلي أن يعرفوا لغة الحوار من ألف باء, لا الحوار بين الأديان, الذي لا يفهمه كثير من العلماء, وإنما الحوار بين الناس, بين المسلمين بعضهم بعضا, في القرآن الكريم يقول الله تعالي:وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي. انظر إلي الجواب, كلمة واحدة بلي لو أننا أردنا أن نستضيء بلغة القرآن الكريم, وطلب محمد خالدا وقال له بعد السلام: ألم تذهب اليوم إلي مكان كذا؟ فقال خالد: بلي لتم الجواب, ولو أنه أراد أن يسأله قائلا: وماذا حدث؟ فقال: خيرا, مثلما قال الله تعالي:وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا لكانت المكالمة مكونة من ثلاث كلمات: سلام, وبلي, وخيرا, وفيها الشفاء, فإن كان لابد من الشرح كان مجاله عند اللقاء, إذا سمح الوقت, ولم يكن الشرح معطلا للعمل والمهام التي بسببها يتقاضي المسلم راتبه الشهري الذي يطعم منه, ويطعم أهله, ويتصدق منه, فإن قيل: حيلك حيلك.. أنت فاكر المرتب ده إيه؟ قلت: لقد رضيت به وأنت تتسلم وظيفتك, فأنت مسئول عن تلك الأمانة. إن معظم الناس ينقلون بيوتهم إلي أعمالهم ويتحدثون عنها أكثر من حديثهم عنها وهم بداخلها, وذلك من سوء الفكر والخلق, فإذا كنا نعتبر العمل عبادة, فلا كلام في العبادة إلا بنصوصها, فأنت تعتقد أن الصلاة عبادة فهل تتحدث إلي من يصلي إلي يمنيك أو شمالك أو أمامك أو خلفك بشيء من أحاديث الحياة والبيوت, هل تقول: الحمد لله رب العالمين, اسمع يا إبراهيم أنا لست معك في هذا الرأي, لابد أن ترد زوجتك التي طلقتها من أجل الأولاد يا أخي, ثم تستأنف وتقول: الرحمن الرحيم, ثم تقول له إذا كان اسمه إبراهيم: هيه.. قلت إيه؟ ثم تقول: مالك يوم الدين هذا لا تصح به الصلاة, فكذلك لا يصح العمل مع الرغي وشرح أحوال البيوت, كما لا يصح استعمال تليفون المدير العام في المكالمات الشخصية والعائلية, ولا يصح من المدير العام أن يأذن بذلك, ولا أن يسمح لبعض الخواص بأن يطلب ابنته, ثم يعطيها للمدير العام كي يقنعها بأن تقبل العريس اللقطة, ثم يجلس أمامه يستمع إلي الحوار ويهمس قائلا له: قل لها بابا ح يجيب لك كل طلباتك والـفل جاية والملون, وبعد أن يضع المدير العام السماعة يبدأ الأفندي في شرح القصة وظروف اللقطة, وتدبر أحوال الزمن, وعلي مكتب هذا الموظف عشرات المواطنين الذين ينتظرون عودته لقضاء مصالحهم, ولن يقضي لهم مصلحة لأنه قام مستأذنا كي يتمكن من إقناعها. إن الرطرطة في الكلام مما عمت به البلوي إلي أن وصلت إلي من يطلق عليهم الدعاة, تستمع إليه ساعة ولا تخرج بقاعدة علمية, كلام في كلام دون تحقيق ولا فائدة فإن قال قائل إن موسي عليه السلام قد قال له ربنا تعالي:وما تلك بيمنيك يا موسي وكان الجواب: عصا, لكنه قال:هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها علي غنمي ولي فيها مآرب أخري قلت: ذلك للتلذذ بمناجاة الحبيب فالتطويل المسمي إطنابا حسن هنا, والأمر لا يقاس عليه فيما نحن نتناوله, فإننا في زمان الكرب لا في زمان الحب وعلينا أن نسعي إلي زمان الحب بالعمل والجد والاختصار فإذا زال الكرب وجاء زمان الحب فلنقل ما نشاء ولن أقول لك:ابقي قابلني لأني لست متشائما.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|