423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حسبي الله
الدخان البمبي

داود الفرحان


مع تصاعد الدخان الأبيض من فوهة مدخنة كنيسة‏'‏ سكستين‏'‏ إيذانا بانتخاب الكرادلة للبابا الجديد بينديكت السادس عشر‏,‏ خلفا للبابا الراحل يوحنا بولس السادس‏,‏ ظلت عيون العراقيين تراقب مدخنة المنطقة الخضراء في بغداد لرؤية الدخان الرمادي‏,‏ إيذانا بولادة الحكومة العراقية الجديدة‏.‏ ومن الطريف أن مذيع قناة‏'‏ الحرة‏'‏الأمريكية الناطقة باللغة العربية‏,‏ قال وهو ينقل علي الهواء مراسم انتخاب البابا الجديد إنه‏'‏ سيتم الاتصال بعد قليل بمراسل القناة في الفاتيكان يوحنا بولس السادس‏,‏ وتوقف عن التكملة بعد أن اكتشف الخطأ غير المقصود الذي دفع بعض المشاهدين إلي الظن بأن مراسل القناة يحمل نفس اسم البابا الراحل إلي أن عاد المذيع ليصحح اسم المراسل‏.‏
رحم الله البابا‏,‏ ومن المؤسف أنه مات وفي نفسه رغبة مكبوتة في زيارة مدينة أور التاريخية جنوبي العراق حيث قام أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام برحلته الأسطورية إلي القدس‏,‏ فقد تآمر الرئيس الأمريكي الحالي والرئيس العراقي السابق علي قداسة البابا ومنعاه من زيارة أور التي كان يخطط لها في إطار جولته في المنطقة العربية بمناسبة دخول العالم الألفية الثالثة‏,‏ بعد أن تحججا بعدم المسئولية عن ضمان حياة البابا لأن المدينة التاريخية تقع في منطقة الحظر الجوي الأمريكي ــ البريطاني جنوبي العراق وتقع حولها كثير من المواجهات بين الطائرات الأمريكية والبريطانية والدفاعات الجوية العراقية في حينه‏.‏
المهم ظهر الدخان الأبيض واستبشر المسيحيون الكاثوليك بذلك متمنين أن يسير علي نهج البابا الراحل في محاولة التقريب بين الأديان وإحلال السلام والأمان والعدل والحرية والرخاء في العالم‏.‏
ومع الدخان الأبيض المنبعث من مدخنة الفاتيكان في روما انطلق في قلب العاصمة العراقية دخان أسود كثيف من مدخنة‏(‏ سوق الشورجة‏)‏ أشهر أسواق العراق في العصر الحديث حيث شب حريق هائل لا تزال أسبابه مجهولة‏.‏ وقدرت مصادر متعددة الخسائر المالية بسبب هذا الحريق بعدة مليارات من الدولارات‏,‏ فقد كان سوق الشورجة المركز الرئيسي في البلاد في تجارة العطور والزيوت والبهارات والمكسرات والحلويات والمستلزمات المنزليـة والصناعات البلاستيـكيـة‏.‏ ويبلغ عدد العاملين فيـه أكثر من مائة ألف تاجر ووسيط وعامل وسائق وجدوا أنفسهم فجأة علي الحديدة لينضموا إلي جيش العاطلين المليوني الذي يسبح يوميا ببركات الديمقراطية الأمريكية الجديدة‏.‏
وقد أعجب كثير من العراقيين بتقليد الفاتيكان بإطلاق الدخان الأسود في حالة فشل الكرادلة في انتخاب بابا جديد‏,‏ ثم إطلاق الدخان الأبيض بعد نجاحهم في ذلك‏.‏ ويطالب العراقيون اليوم بتعميم هذا التقليد الدخاني كلما جرت انتخابات لاختيار أعضاء‏(‏ الجمعية الوطنية‏)‏ ومجلس المحافظة ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ومجلس البلدية ومجالس إدارات المؤسسات والشركات والبنوك والنقابات والجمعيات ورئاسة الفرقة القومية للرقص الشعبي‏.‏
وبدلا من أن يظل الشعب العراقي أياما وأسابيع يضرب أخماسا بأسداس في محاولة فك طلاسم الحكومة الجديدة وهل سيتم اختيار كردي أو شيعي أو سني أو تركماني أو مسيحي لتولي هذا المنصب أو ذاك يتم الاتفاق علي ألوان محددة تطلق في حالة انتخاب أو تعيين أي منهم‏,‏ فالأخضر ـ مثلا ـ للشيعة‏,‏ والأصفر للأكراد‏,‏ والأحمر للتركمان والبنفسجي للمسيحيين‏,‏ والبمبي للسنة‏,‏ باعتبار أن الدنيا عندهم بقي لونها بمبي بعد الاحتلال‏.‏
واستخدام الدخان ليس بدعة جديدة فقد عرفه الهنود الحمر في أمريكا منذ قرون عديدة لتحذير قومهم من الأعداء والغزاة‏,‏ لكن دخانهم الأبيض لم ينفعهم في اليوم الأسود والأيام السوداء اللاحقة حين هجم عليهم الجراد العابر للمحيطات وشن عليهم حرب إبادة جماعية واحتل أراضيهم وصادرها‏,‏ ثم حولهم إلي‏(‏ كومبارس‏)‏ في أفلام‏(‏ الكاوبوي‏)‏ الأمريكية‏.‏
وثمة أسئلة تطرح نفسها‏:‏ هل دخان المطاعم يعني أن هناك طبخة سياسية‏,‏ وهل دخان السجاير يعني أن المدخنين من المعارضة‏,‏ وهل دخان السيارات المفخخة في العراق يعني انتصار الديمقراطية الأمريكية؟‏!‏ لقد أصبحت حياتنا دخانا في دخان‏.‏