423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
معايير النظر في تعديل المادة‏76‏ من الدستور

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


حينما ورد لي خطاب الدكتور أحمد فتحي سرور‏,‏ رئيس مجلس الشعب‏,‏ طالبا مني الشهادة في جلسة الاستماع الخاصة بتعديل المادة‏76‏ من الدستور كان السؤال الذي قفز إلي ذهني هو ما هي المعايير التي سوف تقوم عليها آرائي في هذا الشأن؟ وسرعان ما وجدت أن المعيار الأول هو المصداقية وهي كلمة عامة تصلح في السياسة كما تصلح في أمور أخري تخص العلاقات الإنسانية والاجتماعية وتقوم علي الثقة في أن ما استقر عليه الأمر لا يحقق مصالح خاصة وإنما مصالح عامة‏,‏ ويبتعد عن الأنانية والتزييف ويقترب من الإيثار وتجاوز الحدود الضيقة للأفراد ويكون ظاهره كباطنه ولا يحمل مظنة ولا كذبا‏,‏ وكان هذا المعيار ضروريا نتيجة سنوات طويلة من غياب المصداقية التي أدت في انتخابات كثيرة إلي الشك الكامل في إجراءتها فضلا عن فعالياتها‏,‏ ومنذ سنوات طويلة كان الشعب المصري يراقب انتخابات محلية‏,‏ وانتخابات مجلس الشوري‏,‏ وانتخابات الرئاسة المصرية بأن نتائجها محسومة سلفا ومن ثم لا كانت المشاركة ضرورية ولا كان الصوت له قيمة‏.‏
ولكن انتخابات مجلس الشعب وحدها كانت مختلفة خاصة بعد ظهور الأحزاب‏,‏ فقد تميزت بقدر من الحيوية رغم اكتساحها بوسائل مختلفة من قبل الحزب الوطني الديموقراطي‏,‏ وعندما تم الإشراف القضائي علي الانتخابات فإن الحزب لم ينل إلا‏7,38%‏ من عدد الأصوات ولكنه لم يلبث أن بات معه‏88%‏ من المقاعد نتيجة انضمام غالبية المستقلين إليه‏,‏ وهكذا فإن مثل هذه البهلوانيات السياسية خلقت أزمة من الثقة بات ضروريا تجاوزها من خلال منع الحزب من أن يكون له حق الفيتو‏,‏ وحق التدخل‏,‏ في الانتخابات العامة‏,‏ ولم يكن مفيدا أبدا أن تسعي بعض قيادات الحزب للسيطرة علي اللجنة العليا للانتخابات حتي قبل مولدها‏,‏ ولكن لحسن الحظ أو رؤوسا باردة‏,‏ وعاقلة‏,‏ أنفذت مصداقية المرحلة كلها‏,‏ وعندما أدلي أستاذنا السيد ياسين بشهادته أمام اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس الشعب فقد كان وقف هيمنة الحزب علي الحياة السياسية إلي درجة الاحتكار هي من النقاط التي أكد علي ضرورة مواجهتها لاستعادة المصداقية للنظام السياسي كله‏,‏ ومن زاوية أخري‏,‏ فإن الحزب الوطني الديموقراطي‏,‏ بما فيه من حيوية حالية‏,‏ وبما هو متاح له من وزارة أحرزت تقدما ملحوظا في الاقتصاد الوطني‏,‏ فإنه يمتلك الكثير من الأدوات السياسية المشروعة للحركة السياسية تجعله بالتأكيد قادرا علي المنافسة‏.‏
المعيار الثاني للآراء الخاصة بتعديل المادة‏76‏ من الدستور هي الحياد اللازم لدي جميع الأجهزة المعنية بالانتخابات سواء ما تعلق منها بالأجهزة الأمنية‏,‏ أم الإعلامية‏,‏ أم اللجنة العليا للانتخابات‏,‏ ولعل الحياد علي كونه معيارا مستقلا إلا أنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالمصداقية‏,‏ فما لم يشعر المواطنون بأن اللعبة السياسية كلها قائمة علي المنافسة الشريفة‏,‏ فإن اللعبة كلها لن تكون مستحقة للمشاهدة من الأصل‏,‏ ويذكر المواطنون كثيرا كيف أن إشراف القضاة علي الجولة الأولي للانتخابات التشريعية الماضية جعلتها نظيفة من المؤاخذة‏,‏ ولكن عندما بدأت مباراة منع المواطنين من الوصول إلي صناديق الانتخاب في الدوائر التي توجد فيها شعبية لمنافسين لا ترضي عنهم الحكومة فقد حكم الجمهور سلبيا علي الانتخابات‏,‏ ولذلك فإن حياد أجهزة الدولة سوف يكون مطلوبا‏,‏ وعلي الموظف العام أن يشعر أنه موظف في خدمة دولة مصر وليس في خدمة الحكومة أو حزبها‏,‏ كما أن حياد أجهزة الإعلام سوف يكون ضروريا ليس فقط لأن ذلك جزءا من المصداقية‏,‏ ولكن لأنه ضروري لتطوير معرفة الرأي العام بآراء المرشحين لانتخابات الرئاسة وانتخابات مجلس الشعب‏,‏ فالمطلوب هنا نوع من الحياد الإيجابي الذي وإن كان يعطي الجميع فرصا متساوية‏,‏ إلا أنه سوف يعطي المواطنين من خلال هذه الفرص فحصا جديا لما يقول به المرشح‏,‏ فالقضية هنا ليست كما كان الحال في الانتخابات السابقة تقوم علي منح المرشح دقائق متساوية لعرض برنامجه‏,‏ وإنما وضع هذا المرشح خلال هذه الدقائق علي منصة الاختبار‏,‏ هذا فإن اللجنة العليا للانتخابات سوف تكون هي الضامن لكل ذلك‏,‏ ولابد في هذه الحالة أن تكون مصدرا للثقة بحكم تكوينها والسلطات المنوطة بها‏.‏
المعيار الثالث هو الكفاءة‏,‏ بمعني أن العملية الخاصة بتعديل المادة‏76‏ من الدستور لابد وأن تقضي إلي تقديم أكثر الناس كفاءة لتولي المنصب الرئاسي‏,‏ وليس سرا علي أحد أن الدستور المصري الحالي‏,‏ وجميع الدساتير المصرية السابقة‏,‏ وربما الأهم من ذلك كله الثقافة المصرية السياسية‏,‏ كلها تعطي لرأس الدولة أهمية مركزية‏,‏ وإذا كان الأمر قد اتصف في الأزمنة غير الديموقراطية فيما يسمي بالفرعونية السياسية‏,‏ فإنه في الأزمنة الديموقراطية سوف يعني سلطات كبيرة لرئيس الجمهورية لاتخاذ القرار في قضايا جوهرية وقيادة الأمة كلها إلي الأمام أو أخذها إلي الخلف‏,‏ والحقيقة أن هذا المعيار لم يلق ما يستحقه في النقاش العام فقد كان الكل ـ نتيجة التجارب السابقة ـ مندفعا نحو الحفاظ علي المصداقية والحياد‏,‏ ولكن مسألة اختبار كفاءة الشخص لتولي المنصب العام لم تدرج باهتمام كبير‏,‏ وفي كل النظم الديموقراطية فإنها بالطبع عملت علي الحفاظ علي المصداقية والحياد حتي إلي درجات شبه معجزة‏,‏ وعلي سبيل المثال فإن المناظرات السياسية الأمريكية يجري التفاوض حولها إلي أدق التفاصيل المتعلقة بالطول والصوت والمصافحة والوقت المتاح للتعليق وحتي عدد الذين سوف يندفعون إلي منصة المناظرة لتهنئة المرشح علي آدائه الرفيع حتي ولو لم يكن رفيعا‏,‏ ولكن ذلك لا يمنع أبدا من وجود أدوات لاختبار كفاءته في اتخاذ القرار ومنها القرارات التي يتخذها أثناء مسيرة الانتخابات التمهيدية الطويلة‏,‏ والوقوف في وجه العواصف السياسية‏,‏ وأدائه ساعة الأزمات الكبري لو تمت أثناء الانتخابات‏,‏ وهكذا وفي دول فإن الآلة الحزبية الضخمة هي التي تعد الشخص لكي يكون رئيسا للجمهورية أو رئيسا للوزاء كما هو الحال في الدول البرلمانية‏,‏ وفي الحالة المصرية فإن المسألة كلها صعبة‏,‏ فلا الآلة الحزبية موجودة‏,‏ ولا الإجراءات كافية للاختبار‏,‏ ومن ثم وجب تعويض ذلك كله أو القدر الأعظم منه‏.‏
المعيار الرابع والأخير عند النظر في تعديل المادة‏76‏ من الدستور هي البساطة‏,‏ فلا يخفي علي أحد أن نسبة غير قليلة من المصريين‏30%‏ لا تعرف القراءة والكتابة‏,‏ كما أن الشعب المصري في عمومه ينسحب فورا من الساحة التي تبدو كثيرة التعقيد أو تخص الأكثر حظا من التعليم أو الثروة‏,‏ ولذلك فإن فكرة التوقيعات باعتبارها أداة لضمان جدية المرشحين تعد منذ البداية نوعا من التمييز والأخطر من ذلك أنها تحقق تعقيدا للعملية بما تضيفه من إشكاليات خاصة بصحة التوقيع خاصة إذا ما أضيفت صفات خاصة بالقائم بالتوقيع كحصوله علي شهادة جامعية أو انتخابه في المجالس النقابية‏,‏ هنا فإن المسألة ليست إمكانية رشوة الموقعين لمرشحين بعينه‏,‏ ففرض الرشوة قائم في جميع اختيارات ضمانات الجدية‏,‏ كما أن الرشوة قضية جنائية وليس سياسية‏,‏ ولكن القضية تخص معيار البساطة الذي يمكن أن يجعل الشعب المصري علي استعداد للمشاركة‏,‏ وكانت هذه هي المعايير التي استندت فيها لشهادتي‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا