423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش‏:‏
سياسة الغموض‏:‏
حافة الخوف ـ حافة الهاوية‏!‏

نبيل عبدالفتاح


أينما ذهبت والسؤال يكاد أن يكون واحدا‏,‏ مهما تغيرت صياغته ومفرداته إلي أين تذهب مصر؟ أو إلي أين سنذهب من الآن وخلال هذا العام أو ما بعده‏.‏
والأسئلة حادة‏,‏ وخطرة‏,‏ وتعبر عن حالة من الخوف‏,‏ وهي أيضا عنوان علي الغموض الشديد‏,‏ وعلي الخطر الأشد؟
البعض أمام كاميرات التلفزة يحاول التلطيف من سخونة الصيف المصري الحار الذي بدأ مبكرا جدا منذ بدايات العام الأكثر أهمية في تاريخ مصر السياسي منذ عقدين ويزيد‏,‏ عام الاستحقاقات السياسية الرمزية الذي ستتحدد خلاله مصائر عديدة للنخبة الحاكمة ومؤسسات الحكم‏,‏ وشكل النظام السياسي‏,‏ وحجم التعديل الدستوري‏,‏ وانعكاساته‏,‏ الأهم موقف غالبية المصريين من نظامهم‏,‏ ودستورهم‏,‏ وحكامهم؟ قلنا أن شيئا ما بدأ في التحرك داخل الكتل الاجتماعية الشعبية الصامتة‏,‏ يمكن لأي مراقب نشط إن يلاحظه في المركبات العامة‏,‏ وداخل الميكروباسات أو عفاريت الأسفلت ـ بتعبير صديقنا الروائي مصطفي ذكري ـ وفي الشوارع والأزقة والحارات‏,‏ وعلي المقاهي الشعبية‏,‏ وأمام المصاعد الكهربائية في المصالحه الحكومية‏,‏ والمؤسسات الصحفية‏,‏ حالة من النقد الصاخب والحاد والعنيف من غالبية ظواهر ووقائع حياتنا‏,‏ وأقوال رئيس الحكومة والوزراء والمسئولين‏!‏ حالة من النقد والغليان‏,‏ والرفض والغضب‏,‏ والجديد أن المراقب للشئون المصرية الداخلية‏,‏ يلاحظ فورا أننا إزاء متغير جديد‏,‏ ويخضع المزاج النفسي للقوي النشطة سياسيا إلي التغير من أسابيع لأخري‏,‏ نحو مزيد من الراديكالية‏,‏ والرفض والتحدي لغالبية التركيبات السياسية الحكومية والمعارضة القائمة‏,‏ الجديد هنا‏,‏ أن رفض النشطاء السياسيين يجد تجاوبا نسبيا من الناس‏,‏ تلاحظه وبجلاء من أشكال غضبهم ومن عبارات رفضهم لكل ما هو قائم من سلبيات وفسادات وانحرافات‏,‏ والأهم تزايد الاهتمام بالمجال السياسي والسياسة‏.‏
والسؤال ما الذي يكمن وراء بعض ملامح التغير النسبي التي بدأت تبرز في آراء الجمهور‏,‏ وفي سلوكهم‏,‏ وفي أسئلتهم ما الذي سيحدث‏,‏ ما الذي ينتظرنا؟
وراء بعض نذر التغير في الاهتمامات العامة لفئات عديدة في مصر تطالب بالتغيير الشامل‏,‏ والإصلاحات الجذرية‏,‏ في السياسات‏,‏ والوجوه‏,‏ والأهم في تركيبه نظام الحكم‏,‏ والدستور‏,‏ والمطالبة بديمقراطية كاملة ـ متغيرات جديدة نرصد بعضها فيما يلي‏:‏
‏1‏ـ تناقص طاقة المصريين علي الصبر التاريخي‏,‏ وبات فائض صبرهم السياسي‏,‏ تتبدد أرصدته ويتآكل لصالح التذمر‏,‏ والرفض‏,‏ بل ويمكن القول تحبيذ الاضطراب النسبي‏,‏ كمغامرة لتحريك الجمود‏,‏ وتفكيك الهياكل والأوضاع السياسية الخاطئة‏,‏ والمختلة منذ أكثر من خمسة عقود‏,‏ والمستمرة باسم شعارات لا تجد لها صدي‏,‏ أو نتائج في حياة غالبية المصريين اليومية‏,‏ من الشعارات الثورية الذاعقة‏,‏ إلي شعارات دولة العلم والإيمان‏,‏ إلي الشرعية الدستورية ـ حيث الطغيان هو سيد العلاقة بين الحاكم والمحكوم ـ إلي شعارات النهضة والتحديث‏,‏ إلي الإصلاح من الداخل‏,‏ واكتشف البسطاء أنها مجرد شعارات لا أكثر ولا أقل‏,‏ ولم يكن لها تأثير في تطوير نمط حياتهم من الأسوأ إلي الأقل سواء‏,‏ فالفساد والرشاوي والاختلاس والسرقات‏,‏ ونهب المال العام‏,‏ وبيع القطاع العام بأقل من الأثمان الحقيقية لأصوله الثابتة‏,‏ اكتشف غالبية المصريين ببساطة‏,‏ أن الحكومة المتعاقبة غير قادرة حتي علي تنظيم المرور حيث الشوارع أصبحت ساحات للموت‏,‏ ولم تعد الحكومة بمقدورها تعيين ملايين العاطلين‏,‏ ولا قادرة علي علاج ملايين المرضي في المستشفيات العامة لأن العلاج حتي داخل غالبية مستشفيات التأمين الصحي بات مكلفا ومدفوع الثمن‏,‏ لأن العمليات الجراحية يتم الاتفاق علي إجرائها مع الأطباء في عياداتهم ويدفع ثمنها خارج الإطار الرسمي‏!‏
لم تعد الحكومة تمتلك مصداقية عموما‏,‏ ولا تستطيع أن تدافع عن نظامها التعليمي المتدهور‏,‏ والذي يقوده الفساد حيث يدفع المصريون أكثر من عشرة مليارات جنيه مصري لتمويل الدروس الخصوصية في مراحل التعليم المختلفة وفق المنشور في الجرائد الحكومية‏!‏ ولمواجهة تدهور مستويات التعليم‏.‏
ثمة فجوة مصداقية بين الحكومة والشعب‏,‏ والأخطر فجوة متزايدة بين الحكم والشعب في غالبية فئاته الاجتماعية‏,‏ وهو الذي أدي إلي حالة العصيان المدني عن العمل‏,‏ وعن المبادرة‏,‏ والميل إلي التواطؤ الجماعي نحو الانهيار الكامل‏,‏ وترك الأمور تتدهور أكثر فأكثر حتي مشارف الانهيار‏,‏ وأن هذه الطريقة‏,‏ هي الأسلوب الشعبي نحو التغيير‏,‏ أي التغيير بالتواطؤ علي الانهيار الشامل‏!‏
‏2‏ـ الجديد الآن في مشاهد النقد الصاخب‏,‏ وعدم الخوف من توجيه الانتقادات اللاذعة لرموز الحكم‏,‏ هو انعكاس لتدفق الصور الملونة والسياسية والصاخبة عن تظاهرات أوكرانيا‏,‏ وقيراغيزيا‏,‏ وفي توجو‏,‏ ورفض توريث السلطة عبر تواطؤ النخبة الحاكمة‏,‏ وقادة الجيش هي حالة استثارت بعض الفئات الوسطي في مصر‏,‏ وهي تنتمي إلي بلد عريق سياسيا‏,‏ وفي تجاربه الحديثة‏,‏ وفي تاريخه البرلماني وفي مضمار الممارسة الديمقراطية قبل نظام يوليو‏1952,‏ من الطبيعي أن تؤثر أحداث الثورات المخملية‏,‏ والبرتقالية‏..‏ إلخ علي عيون ووجدان وعقول الفئات الوسطي المهنية‏,‏ وهي البيئة السياسية العولمية‏,‏والداخلية الجديدة التي أدت إلي بروز جماعات كالحركة المصرية من أجل التغيير كفاية‏,‏ ودفع جماعة الإخوان إلي النزول للشارع للتظاهر‏!‏ هناك ما نطلق عليه أثر المحاكمة‏,‏ والتغيير عبر الصور والانطباعات التي أصبحت جزءا من آليات الثورة المعلوماتية‏,‏ والبصرية في عالمنا المعولم‏.‏
‏3‏ـ الثورة المعلوماتية والاتصالية ـ كما أشرنا مرارا وتكرارا منذ أواخر وأوائل عقدي الثمانينيات والتسعينيات في الأهرام وغيرها من الكتابات ـ أدت إلي إنتاج آليات اتصالية عالية التأثير‏,‏ منها القنوات الفضائية‏,‏ والإنترنت‏,‏ والهاتف المحمول‏,‏ التي تلعب أدوارا مهمة في التعبير السياسي‏,‏ وتجميع المصالح‏,‏والتعبئة سواء في المظاهرات السياسية‏,‏ وفي الإعلان عن المقبوض عليهم من قبل السلطات‏,‏ أم المعتقلين‏,‏ أم أماكن التظاهر وتغييرها‏,‏ أم في الاتصال بالمنظمات الحقوقية‏,‏ والدفاعية داخليا‏,‏ وإقليميا‏,‏ وعولميا‏,‏ الأمر الذي يساهم في تعبئة قوي الضغط غير الحكومية‏..‏ إلخ‏.‏ الجمهور بات يدرك أنه لم يعد وحيدا في معارك مواجهة الاستبداد والطغيان‏,‏ وهذا خلق روحا جديدة بدأت في الانتشار‏.‏
‏4‏ـ بروز الضغوط العولمية غير الحكومية‏,‏ ومن الإدارات السياسية الحكومية في الولايات المتحدة‏,‏ ودول المجموعة الأوروبية التي تمارس علي بعض الأنظمة الاستبدادية‏,‏ هذه الضغوط مهما كانت شعارات الرفض لها من قبل قوي المعارضة الرسمية‏,‏ والارسمية‏,‏ إلا أن فائض الضغط الدولي والعولمي الحكومي‏,‏ ومن المنظمات غير الحكومية‏,‏ أصبح يشكل قوة مضافة لقوي المعارضة علي اختلافها‏,‏ ونشطاء المجتمع المدني وبات الجميع يدرك ذلك‏,‏ ويوظفه في معاركه ويخرج ليرفع شعارات لا للضغط الخارجي‏,‏ من هنا يبدو سلوكهم المعلن غير مواقفهم الحقيقية‏.‏
‏5‏ـ بروز بوادر لعولمة القانون الدولي العام‏,‏ وآلياته المستجدة كالمحكمة الجنائية الدولية بلاهاي بعد توقيع اتفاقية روما‏,‏ وإمكانية محاكمة رجال سياسة‏,‏ وكبار ضباط أمامها‏,‏ ومن هنا يمكن ملاحظة دور الهاتف المحمول المزود بكاميرات‏,‏ وتصوير بعض المتظاهرين لكبار الضباط في التظاهرات السياسية التي تحدث في مصر منذ فترة‏.‏
إن إلحاح سؤال ما الذي سيحدث في مصر خلال الشهور القادمة‏,‏ وهو تعبير عن سوء الإدارة السياسية للطلب الرئاسي بتعديل م‏76.‏ من الدستور‏,‏ والحملة الرئاسية الجديدة؟ وتعبير أخطر عن سياسة حافة الخوف‏,‏ وحافة الهاوية التي مورست ولا تزال تضمن الأداء السياسي السيء للحزب الحاكم‏,‏ وللحكومة والإعلام الرسمي في المرحلة الماضية والمستمر إلي الآن‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا