423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الكل ينفض يديه ويتحجج بآليات السوق

نار الأسعار تلتهم المواطنين
لحساب الصناع والتجار

د. أحمد نظيف

تحقيق‏-‏ ملك عبدالعظيم


كان صدور قرار تحرير سعر الصرف في يناير عام‏2003‏ الحجة العظمي لرفع أسعار السلع خاصة الغذائية منها‏,‏ وظلت تتزايد الأسعار إلي أن أصبحت وحشا يلتهم دخول البسطاء‏,‏ ثم تحول إلي مارد عجزت الحكومة عن القضاء عليه أو حتي تثبيته‏.‏
فقد قامت حكومة الدكتور عبيد وشمرت عن ساعديها متعهدة بتنفيذ إستراتيجية جديدة في أيام قليلة هدفها تخفيض أسعار السلع الرئيسية إلي ما كانت عليه قبل تحرير سعر الصرف‏,‏ وكلفت وزير المالية آنذاك بتدبير نحو‏3‏ مليارات جنيه فورا لتنفيذ هذه الإستراتيجية العاجلة‏.‏
وبعد شهور طويلة رحل الدكتور وحكومته ومعهم الإستراتيجية دون تحريك ساكن‏.‏
ثم جاء الدكتور نظيف وأعلن بكل ثقة وجرأة غير مسبوقة أن أبرز مهام حكومته الجديدة ضبط الأسعار وإحكام الرقابة والضرب من حديد علي كل منافذ التلاعب و الاحتكار‏,‏ فكانت النتيجة مهزلة غير مسبوقة في ارتفاع الأسعار‏,‏ وكأن مهمة دكتور نظيف هي نظافة جيوب المواطنين من كل مليم كانوا يدخرونه‏.‏
وفي ذات الوقت تنصل الصناع والتجار من تحمل مسئولية هذ الوحش المتجرد من مشاعر الإنسانية الممثل في الارتفاع المتزايد في الأسعار‏,‏ بل أخذ كل منهم يلقي بالتهمة علي الآخر‏.‏
هذه سلوكيات تجار‏,‏ كان لابد وأن تنخفض أسعار السلع فور أن ينخفض سعر الصرف‏,‏ لكن هذا لم يحدث بسبب جشع التجار‏,‏ هكذا بدأ هادي فهمي كلامه معنا مستطردا‏:‏ كان يجب علي التاجر الوطني أن يخفض سعره مراعاة منه لظروف المواطن ذي الدخل المحدود‏,‏ الذي لا حول له ولا قوة‏.‏
وبنبرة يتساوي فيها الغضب والاستنكار يقول رئيس الشركة القابضة للتجارة هادي فهمي‏:‏ إن التجار مسئولون عن الشعب خاصة أن الدولة تعظم دور القطاع الخاص‏,‏ فلماذا لا يفهم التجار أنهم جزء من منظومة متكاملة‏,‏ وأنهم لا ولن يستطيعوا أن يعيشو ا فرادي‏,‏ فلابد أن تكون سلوكيات التجار متزنة ومنطقية وبعيدة تماما عن الجشع و الأنانية‏.‏
ويضيف هادي فهمي قائلا‏:‏ في كل دول العالم توجد وحدات منظمة للقطاع الخاص وهي جمعيات حماية المستهلك‏,‏ وهذه الجمعيات موجودة في مصر‏,‏ لكنها وللأسف غير فاعلة وتحتاج إلي مساندة‏,‏ وهنا طالب الدولة بضرورة إسهامها في إنجاح هذه الوحدات أو الجمعيات‏,‏ كما طالبها بوجوب أن تكون العلاقة بينها وبين المواطن علاقة شراكة ولصالح المواطن‏.‏
لكننا لا نستطيع أن نقول إن الحكومة فشلت في السيطرة علي الأسعار‏,‏ وإنما هي حاولت ولاتزال تحاول‏.‏
د. عاطف عبيد
وبمواجهة وكيل اتحاد الغرف التجارية محمد عبدالفتاح المصري بالاتهام‏,‏ الموجه للتجار‏,‏ نفي تماما جشع التجار‏,‏ مؤكدا عدم مسئوليتهم عن ارتفاع الأسعار‏,‏ وقال‏:‏ فعلا الدولار انخفض والأسعار لم تنخفض‏,‏ لكن هذه ليست مسئولية التجار‏,‏ وهنا أقول لمن يتهم التجار بالجشع والأنانية ويحملهم المسئولية‏,‏ إن هذا الاتهام باطل وغير صحيح‏,‏ والقاعدة تقول إن المتهم برئ إلي أن تثبت إدانته‏,‏ وأضاف‏:‏ كان يجب علي من يلقون بالاتهامات أن يبحثوا ويدرسو ا‏,‏ وعليهم أن يعلموا أن التاجر أولا وأخيرا مستهلكا هو وأسرته لمئات من السلع ويهمه أن تكون الأسعار منخفضة‏,‏ وعليهم أن يتأكدوا أننا جميعا نتمني أن تنخفض الأسعار أو علي الأقل يجري تثبيتها‏,‏ لأن ارتفاعها يهدد السلام الاجتماعي ويضر الجميع‏,‏ سواء كانوا رجال أعمال أم منتجين أم مصنعين أم تجار‏.‏
وأضاف المصري قائلا‏:‏ نحن الآن في سوق حرة‏,‏ وفتح الأسواق يعني منافسة‏,‏ والمنافسة ستؤدي إلي خفض الأسعار‏,‏ وفي ذات الوقت سيتضح ما إذا كان المنتج المحلي مظلوما أم لا‏.‏
وأشار إلي أن اتحاد الغرف التجارية لا يستطيع أن يطالب التجار بخفض الأسعار‏,‏ لأننا ننتهج قانون السوق الحرة‏,‏ التي لا تعني الفوضي ومن آلياته حماية المنافسة ومنع الاحتكار‏,‏ ودور الاتحاد يقتصر علي تشكيل لجنة برئاسة أحد أعضاء مجلس الإدارة لمتابعة الأسعار وتوعية التجار فقط‏,‏ مراعيا أنه زميل لهم‏,‏ وسيعد فاشلا في نظرهم إذا حاول أن يتسبب في خسارتهم‏,‏ ولن ينتخبوه ثانية‏.‏
ودافع المصري عن الحكومة قائلا‏:‏ الحكومة لم ترفع يدها وإنما ليس لديها قانون لتحاسب‏,‏ وأنهي حديثه بعدة مطالب هي‏:‏ ضرورة عمل دراسة‏,‏ ولم يحدد من المسئول عن عمل هذه الدراسة‏,‏ متأنية وواقعية مبنية علي معلومات صحيحة توضح إذا ما كانت هذه الزيادات مبررة أم لا‏,‏ وتفعيل قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار وضرورة أن توجد جمعيات حماية المستهلك‏,‏ وأن يكون لها دور إيجابي في حماية المستهلكين‏,‏ وتكون ممثلة لهم في جميع المجتمعات‏.‏
أما رئيس اتحاد الصناعات جلال الزوربا‏,‏ فنفي تماما أن يكون المنتج أو المصنع هو السبب أو المسئول عن ارتفاع الأسعار‏,‏ قائلا‏:‏ كيف يكون المصنع هو المسئول عن الزيادة في الأسعار‏,‏ وقد قام عدد من المصانع بتخفيض سعر منتجاتهم في الوقت الذي تعاني فيه السوق من الكساد مما زاد من التكلفة إلي الحد الذي اضطر نحو‏1000‏ مصنع إلي الإغلاق‏.‏ ثم أشار إلي أن بعض المصانع خفضت من أسعارها‏,‏ بينما منافذ التوزيع لم تخفض الأسعار‏.‏
وكرر مؤكدا أن الصناعة والصناع ليسوا المسئولون عن ارتفاع الأسعار‏,‏ وإنما هم حلقة من سلسلة متكاملة من العوامل المؤثرة والمتغيرة‏,‏ وهي الزراعة والصناعة والتجارة وتكلفة الخدمات الأساسية والبورصة العالمية والرسوم والجمارك‏...‏ إلخ‏,‏ وهم في النهاية لا يتعاملون مع المستهلك‏,‏ وإنما يتعاملون مع التجار‏,‏ والتجار هم الذين يتعاملون مع السوق‏.‏
وقال الزوربا‏:‏ دور اتحاد الصناعات طرح عدد من المقترحات يقوم مجلس إدارة الاتحاد بمناقشتها‏,‏ وهي تحديدا خاصة بالإجراءات المعوقة التي تفرضها الدولة من رسوم جمركية وضرائب ومصاريف إدارية‏,‏ مضيفا‏:‏ إن المشكلة لن تحل بتوجيه الاتهامات‏,‏ وإنما بتعاون وتكاتف الجميع مع الحكومة‏.‏
أكد الدكتور محمد خميس‏,‏ الأمين العام لجمعية مستثمري‏6‏ أكتوبر علي أنه ليس من سلطة الجمعية‏,‏ أن تطلب من أعضائها أن يخفضوا أسعار منتجاتهم‏,‏ قائلا‏:‏ إن كل مصنع له سياسة سعرية خاصة به‏,‏ ولا تستطيع الجمعية التدخل فيها بشكل أو بآخر‏,‏ وإلا سنتحول إلي قطاع عام مرة أخري‏,‏ وهذا لن يحدث لأننا نتعامل بقانون السوق الحرة‏.‏
وأشار محمد خميس إلي أن المشكلة لا تكمن في سعر الصرف فقط‏,‏ وإنما في تكلفة المنتج المتزايدة والارتباط بالأسعار العالمية‏,‏ فالمواد الخام للسلع المعمرة أسعارها مرتفعة عالميا‏,‏ وهذا يؤدي إلي ارتفاع التكلفة‏,‏ وبالتالي لابد وأن ترتفع الأسعار‏,‏ فعلي سبيل المثال إذا نظرنا إلي النحاس كمادة خام سنجد أن سعر الطن منه وصل إلي‏5‏ آلاف دولار الأسبوع الماضي‏,‏ في حين أن سعره لم يتعد الـ‏2000‏ دولار منذ عامين‏.‏
من جانبه أشار صفوان ثابت‏,‏ رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات إلي أن ارتفاع السلع الغذائية مرتبط بشكل أساسي بأسعار السلع العالمية‏,‏ فإذا نظرنا إلي منتجاتنا الرئيسية مثل الأرز والسكر واللبن والبودرة والسمسم‏,‏ سنجد أن البورصة العالمية هي التي تتحكم في سعرها‏,‏ ومن المعروف أن مصر دولة مستوردة لأغلب المنتجات والسلع‏,‏ والدولة هي التي قررت منذ عشر سنوات أن ترتبط بالبورصة العالمية‏,‏ فعليها أن تحترم وتتعامل وآليات السوق الحرة‏.‏
ونفي صفوان ثابت أن يكون الاحتكار سببا من الأسباب التي أدت إلي ارتفاع الأسعار قائلا‏:‏ هذه الشائعة خاطئة لأنه لا يوجد احتكار في المواد الغذائية في مصر‏,‏ بدليل أنه يوجد أكثر من مصنع لتصنيع منتجات الألبان والعصائر وغيره‏.‏ أكرر لا يوجد احتكار في السلع الغذائية في مصر‏.‏
ويقول رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية‏:‏ نحن كغرفة ليس لنا دور‏,‏ ولا نستطيع أن نطالب الصناع بتخفيض أسعار منتجاتهم عملا بآليات السوق الحرة‏,‏ لكننا حررنا مذكرة أرسلناها إلي وزير المالية‏,‏ طالبناه فيه بإلغاء نسبة الـ‏%8‏ جمارك وضريبة مبيعات التي تحصلها الدولة علي أغلب المواد الغذائية‏,‏ ونحن في المقابل وعلي الفور سنخفض أسعار المنتجات الغذائية‏,‏ لكن حتي الآن لم يصلنا أي رد من الوزارة‏.‏
وأشار صفوان ثابت إلي أن المشكلة الرئيسية في مصر هي دخل المواطن المصري‏,‏ وقد أثبتت الدراسات أن المواطن الذي يعيش في المدن يصرف‏%46‏ من دخله علي الأكل والشرب‏,‏ بينما يصرف الذي يعيش في الريف‏%55‏ لأن دخله أقل من الحضري‏.‏ في حين أن المواطن في الدول الأوروبية يصرف‏%5‏ فقط من دخله علي الأكل والشرب‏,‏ لذلك إذا زادت أسعار المواد الغذائية في البورصة العالمية بنسبة‏%20‏ فالمواطن المصري يصرخ‏,‏ لأنه ينكوي بنار الأسعار‏,‏ وهذه ليست مشكلة المصنعين أو الشركات‏,‏ وإنما مسئولية الدولة‏,‏ فهي التي يجب أن تعلمه صح‏,‏ وتعالجه المعالجة السليمة‏,‏ وتوفر له الخدمات الأساسية‏,‏ وعليها أيضا أن تعرف كيف ترتقي بمنتجاتها‏,‏ وأقصد موادرها البشرية‏.‏
ويقول صفوان ثابت‏:‏ الحل من وجهة نظري هو المنافسة‏,‏ فكلما وجدت المنافسة‏,‏ كلما وجدت المنتجات الجيدة المتنوعة‏,‏ وبأسعار أقل‏,‏ أما عن دورنا كغرفة فهو قاصر علي التعاون مع الحكومة في خلق فرص عمل وتحسين جودة منتجاتنا‏.‏
أما عادل العربي‏,‏ نائب رئيس الشعبة العامة للمستثمرين بالاتحاد العام للغرف التجارية‏,‏ فيري أن هجمة وشراسة زيادة الأسعار واستمرارها في هذا الاتجاه غير مبررة‏,‏ وأنها بدأت تحت مقولة زيادة سعر الدولار‏,‏ وبالتالي زيادة عناصر التكلفة‏,‏ مع أن العديد من السلع ينتج في مصر دون الحاجة إلي مكونات أجنبية‏,‏ حتي الزراعة ورطوها معهم‏,‏ وقالوا إننا نستورد كل التقاوي والسماد من بره‏,‏ وهذا كله يشير وبلا جدال إلي أن شريحة من المجتمع في مجال الأعمال تبالغ في بعض الأحداث‏,‏ وصولا إلي هامش ربح أكبر‏,‏ فيحمل المستهلك بأسعار تبعد كثيرا عن التكلفة الحقيقية‏,‏ حتي وإن زاد سعر الدولار‏,‏ لأن العرف جري علي احتساب هامش الربح بنسبة من التكلفة زادت أو نقصت‏.‏
ويتعجب العربي قائلا‏:‏ الغريب أنه إذا زاد سعر سلعة معينة‏,‏ فإن المتوالية تسير في اتجاه الارتفاع في جميع السلع‏,‏ فمثلا إذا أعلنت الدولة عن ارتفاع سعر الوقود‏,‏ نجد أن أسعار جميع السلع بلا استثناء ترتفع تحت ادعاء زيادة تكلفة النقل والوقود المستخدم في التشغيل‏...‏ إلخ‏.‏
أيضا بيع سلعة بأسعار مختلفة تحت مسمي الدعم‏,‏ كل هذه تبعات أعتقد أن المجتمع المصري لم يعد في استطاعته تحملها‏,‏ خاصة أنني أري أن الدعم بأمواله التي تخصص له يعد إنفاقا في غير محله‏,‏ لأنه يذهب إلي مسارات بعيدة تماما عن ذوي الدخل المحدود‏.‏
ويري العربي أن الدعم النقدي فيما يتعلق بالأجور ومستوي الدخول هو الوسيلة الحقيقية للحصول علي السلعة بتكلفتها المنطقية دون تحميل الخزانة بنفقات تذهب إلي فئة من المحظوظين والمنتفعين دون مبرر‏.‏
يري نائب رئيس الشعبة العامة للمستثمرين بالاتحاد العام للغرف التجارية أن الحل في يد كل من اتحاد النصاعات المصرية بالغرف الصناعية المختلفة واتحاد الغرف التجارية بشعبه‏,‏ ومنظمات الأعمال العديدة‏,‏ حيث يمكنهم أن يلعبوا دورا رئيسيا ومؤثرا إذا اتفقوا علي التنازل من جزء من الأرباح المحمل بها السلع لمدة يتم الاتفاق عليها فيما بينهم‏,‏ ولتكن‏6‏ أشهر أو حتي سنة لحين ترتيب البيت من الداخل‏,‏ وبذلك تكون هذه المنظمات والاتحادات أسهمت مساهمة مجتمعية في ضبط السوق‏,‏ وأيضا في إيقاف تزايد الأسعار الذي أصبح كالقطار الذي ليست أمامه إشارات‏.‏