
|
بسبب التشكيك في المنظمات الخارجية والخوف من الصراع الداخلي:
تونس ترفض التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية |
 | | زين العابدين بن على |
تونس ـ خالد صلاح هل يمكن أن يتم إطلاق دور المجتمع المدني العربي لمساعدة مؤسسات الحكم علي صعيد التنمية الداخلية والخارجية علي حد سواء؟ وهل يمكن أن تفتح آفاق العمل للجمعيات الأهلية للمشاركة بفاعلية لملء أي نوع من الفراغ أو تعويض أي قدر من التقصير الذي قد تشهده أي مؤسسة تنفيذية أو وزارة خدمية في العالم العربي؟ هذه التساؤلات كانت ميدانا لنقاش موسع في تونس علي مدار الأسبوع الماضي خلال الاحتفال التونسي الموسع باليوم الوطني للجمعيات الأهلية. ورغم أن الإجابات عن هذه الأسئلة لم تكن أمرا سهلا, ولا يمكن اختصارها بإجابتي, نعم أولا, إلا أن السمة الحقيقية لهذه النقاشات أنها دخلت إلي تفاصيل متعددة علي رأسها المساحة الممنوحة للجمعيات الأهلية في المشاركة, وما هو نوع الجمعيات التي يمكن أن تفتح أمامها الأبواب, ثم ما هي مخاطر ارتباط هذه الجمعيات في مرحلة لاحقة بأي منظمة خارجية أجنبية تعمل وفق أجندة خاصة تتقاطع مع الأجندة الوطنية. في تونس يتجلي الفهم الأساسي لدور الجمعيات الأهلية في العمل في ميدان خدمة الجماهير وتقديم المساعدات الإنسانية والنمو الثقافي والمساهمة في سمو الوعي الجماهيري, ويبدو أن هناك حالة أساسية وثابتة لدي المواطن التونسي في التشكك بالمنظمات التي قد تعمل مع مؤسسات أجنبية أيا كانت الأجندة التي تعمل وفقها هذه المنظمات والحال لا يختلف كثيرا علي صعيد المؤسسة السياسية الرسمية فرغم الإصلاحات التنموية اللافتة التي أدخلتها القيادة التونسية علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد منذ تحول السابع من نوفمبر عام1987, فإن الرئيس زين العابدين بن علي ينظر إلي مستقبل تونس بروح أكثر ميلا إلي الانفتاح علي المجتمع المدني وإعطاء دور أوسع للجمعيات الأهلية والمنظمات المدنية المستقلة في العمل علي دفع خطط الإصلاح وملء الفراغات في العمل العام خاصة في الأماكن والجهات التي تحتاج فيها الحكومة إلي دور فاعل ومساعدة أساسية من الجمعيات التطوعية. ووفق هذه الرؤية الإستراتيجية للرئيس التونسي تحركت مؤسسات الدولة نحو توسيع دائرة الاهتمام بالجمعيات الأهلية, وإعطائها دورا أوسع علي صعيد العمل التنموي وقد تجسدت ملامح هذه التوجهات بوضوح خلال اليوم الوطني للجمعيات الأهلية الذي عقدته تونس الأسبوع الماضي بحضور الرئيس بن علي, وجرت فعاليات هذا اليوم في القصر الرئاسي في قرطاج بحضور الرئيس بن علي وحشد كبير من الوزراء والمسئولين وكبار رجال الدولة إلي جانب نخبة هائلة من ممثلي الجمعيات الأهلية التونسية. وأكثر ما يسترعي النظر في هذا الاحتفال هي الرؤية التي يحملها الرئيس التونسي في ميدان عمل الجمعيات الأهلية فإحدي أهم الرؤي التي طرحها هي أن الدفاع عن سيادة الأوطان واستقلالية القرار أصبح مسئولية مشتركة بين الدولة ومكونات المجتمع المدني, والملاحظ هنا أن الرئيس بن علي حرص علي أن يرسم لهذه الجمعيات مكانها الطبيعي في خدمة المواطنين بعيدا عن أي توجهات خارجية. وتحليلا لهذه الإستراتيجية التي يضعها الرئيس التونسي لمسيرة المجتمع المدني فإن المثقفين التونسيين لا يغفلون الإشارات الضمنية في هذه الإستراتيجية ويرون أن التوجه العام للمجتمع المدني ينبغي أن يصب لصالح مسيرة التنمية, وإلا فما أهمية أن تنشط هذه المنظمات ثم يكون لها فيما بعد أجندة سياسية تخدم أفكارا خاصة بأصحابها أكثر من قدرتها علي أن تحقق الرفاهية الاجتماعية للمواطنين, فالعمل ينبغي أن يتجه إلي هذه المصلحة الوطنية الحقيقية حتي يشعر المواطن في أي موقع بأن الدولة والمنظمات المدنية كلها تعمل من أجله هو وفي سبيل الوطن بشكل عام, دون أن يتم اختراع الأزمات السياسية أو الاستقواء بالخارج علي حساب المصلحة الوطنية ودون أن يحقق الغاية الحقيقية للتنمية. المثقف التونسي شاكر المامغلي يؤسس لهذه التوجهات بصورة أعمق إذ يري أن المجتمع المدني العربي لا ينبغي عليه أن يدخل إلي الحيز الذي تعمل فيه المنظمات السياسية بل ينبغي أن يعمل بنزاهة حقيقية فيما ينفع المواطنين وبما يحقق السمو المعرفي والثقافي والاجتماعي, ويدفع الأمم في موكب التطور الحضاري لتستعيد المجتمعات فعالياتها, وتستعيد الثقافة والمعرفة زخمها ومجدها, أما الدخول في ميادين التمويل والارتباط بأجندة أجنبية فهذا المسار قد يطيح بالغايات الأساسية التي تعمل من أجلها الجمعيات الأهلية, وقد يؤدي أيضا إلي ضبابية كبيرة في الرؤية فتتجه الطاقات نحو خدمة مصالح أخري غير المصالح العربية وتنحرف القاطرة إلي ما يقضي علي أحلام المواطنين, لا ما يحقق آمالهم ويصل بهم إلي محطة الحلم الأخيرة. وما يؤكده المامغلي يتفق فيه نخبة من المثقفين في تونس, فلا يغيب عن وعي زائر البلاد أو المختلط بمثقفيها وصحفها هذا الحرص البالغ علي أن تكون البلاد في منأي عن هذا النوع من التمويل الخارجي الذي قد يمثل جسرا لعبور أفكار أخري تتقاطع مع الأفكار الوطنية, ولا يتبدي ذلك في سعي الرئيس بن علي لتحقيق أعلي معدلات التنسيق بين مؤسسات الدولة وبين الجمعيات الأهلية, وفتح أفاق وقنوات تنموية لمشاركة هذه الجمعيات, لكنه يتبدي أيضا في الأنشطة العامة في البلاد, فحين تطالع جريدتي الصباح أو الشروق اليوميتين فإن المعالجة الصحفية والإعلامية تحرص علي الاهتمام بالجمعيات الأهلية وتأكيد استقلالية مواردها من قلب تونس ومن خلال التفاعل بين هذه الجمعيات ومؤسسات القطاع الخاص, أو عبر التمويل الذاتي والعمل الأهلي التطوعي. وفي رأي المامغلي أيضا فإن اليوم الوطني للجمعيات الأهلية الذي يشارك فيه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يمثل المناسبة الوطنية الأساسية التي تؤكد علي حقيقتين الأولي.. فاعلية التنسيق بين مؤسسات الدولة وبين الجمعيات الأهلية, والثانية, فتح أفاق وطنية وتنموية للجمعيات لحمايتها من الانجراف نحو أي نوع من الأجندة الخارجية التي قد تؤثر علي مصالحنا الوطنية في الداخل. والواقع يشهد, حسب ما يؤكد المامغلي, أن الكثير من الجمعيات الأهلية في تونس أبدي التزاما كبيرا تجاه هذا الخط الوطني الكبير, ويري المثقف التونسي المتخصص في المجتمع المدني أن القضية الأساسية علي خريطة المستقبل والتحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تتشارك فيه المؤسسات الرسمية مع الجمعيات الأهلية هو الدخول إلي عصر اقتصاد المعرفة والاقتصاديات الرقمية, حتي يمكن للمجتمعات العربية أن تضمن لها مكانا علي خريطة العالم في صياغته الجديدة, أما إذا تهاوت الجمعيات الأهلية في فخ التمويل الخارجي والأجندة السياسية الخارجية فإن ذلك يعني أن الصراع الداخلي لن يتوقف في العالم العربي, وسوف نتعرض لمزيد من التهميش في ميدان العمل الحقيقي من أجل التنمية, وسنتخلف عن ركب الحضارة والسباق المعرفي, وهذا ما يريده البعض لهذه الأمة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|