423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أربعون عاما مرت علي آخر زيارة لقائد سوفيتي إلي مصر

بوتين في الشرق الأوسط للاستطلاع

رسالة موسكو ـ عبدالملك خليل


روسيا تعود بلا عقد تاريخية‏..‏ ودون بكاء علي الماضي‏..‏ أو انحياز لطرف علي حساب الآخر في الصراع العربي الإسرائيلي‏..‏ لكنها ستحاول الوساطة‏..‏
بعد أكثر من‏40‏ سنة علي زيارة الزعيم السوفيتي الراحل نيكيتا خروتشوف لمصر في سنة‏1964‏ استهل الرئيس الروسي فلاديمير فلاديميتر وفيتش بوتين زيارته الأولي في الثلاثاء السادس والعشرين إلي الشرق الأوسط والعالم العربي بدءا بمصر وبعدها إلي إسرائيل والأراضي الفلسطينية‏.‏
ويبدو أن الخبراء الروس قد توصلوا إلي أن هذا التوقيت الراهن هو أفضل فرصة متاحة لإحداث التقارب والتداخل والتحول بين روسيا ومصر من ناحية وبين روسيا وإسرائيل والفلسطينيين من ناحية أخري‏,‏ كمقدمة ضرورية وبالتبعية بين روسيا و بقية دول العالم العربي‏.‏
فقد تحولت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من السياسة المركزية إلي روسيا الديمقراطية ذات التعددية الحزبية والاقتصاد المتحرر والسياسة الدولية المتوازنة‏.‏
وبالمثل تغيرت سياسته من ملامح السياسة الانفرادية المركزية ونهج الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ودعوته لتأسيس ما يسمي بـ‏'‏ الاشتراكية‏'‏ ذات الألوان الخاصة إلي سياسة الانفتاح الاقتصادي والمتحرر والتعددية السياسية والتنوع الحزبي برئاسة الرئيس الراحل أنورالسادات وخليفته الرئيس حسني مبارك‏.‏
ومن ثم فإن مجيء الرئيس بوتين إلي مصر وفق عهد جديد مؤسس لشراكة إستراتيجية بين روسيا ومصر بلا جزاء أو إلزام وبلا عقد تاريخية وبدون بكاء علي الماضي دون إهماله صوب مفاهيم عصرية متطورة‏.‏
ولعل من أهم معالم هذه الزيارة هو تبادل القوي العسكرية الحربية بتبادل المصالح المدنية المتحضرة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية‏.‏
فإلي جانب التشاور المستمر علي النطاق السياسي والدبلوماسي بين القاهرة وموسكو صحب الرئيس بوتين معه وفدا من كبار الخبراء المتخصصين في شتي المجالات بغية إعادة بناء وتطوير عدد من المؤسسات السوفيتية التي تقادم بها العمر ومن بينها أيضا تطوير‏12‏ مفاعلا من مفاعلات السد العالي الذي حمي مصر من الجفاف ومن الفيضان وعمرت مفاعلاته أكثر من عمرها الافتراضي‏.‏ إلي جانب ذلك اضطرد حجم التبادل التجاري بسبب زيادة تبادل وسائل الانتاج والخدمات والطاقة والسياحة حتي وصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين لهذا العام إلي‏1400‏ مليون دولار‏.‏ وذلك بسبب نصيحة قدمها لرجال قطاع الأعمال الخاصة مؤداها إحداث اختراق لمجالات أوسع و أرحب و أفسح خارج مدينة موسكو وما يجاورها بالتوجه صوب الأقاليم و المناطق الروسية المترامية والتعرف علي القدرات في العلوم و التقنية في روسيا الاتحادية الممتدة في قارتين من بحر البلطيق في أوروبا إلي شواطيء المحيط الهادي في آسيا‏.‏
ويبدو أن التلاقي بين القيادتين المصرية والروسية يكشف عن مجموعة من المتشابهات أكثر من الاختلافات‏,‏ فكما أن روسيا أكبر من كل جيرانها في أوروبا وآسيا فإن مصر أكبر حجما وسكانا من كل جيرانها‏.‏ وبمثل ما تسعي مصر باستخدام أقصي قدر من التفاهم لحل المشاكل يقول الرئيس بوتين بأن روسيا بلد بلا أعداء أو لا يسعي لخلق عداوة مع أحد‏.‏ ولعل من أوضح الأمور علي ذلك باحتمال تصفية القاعدتين العسكريتين الروسيتين الموجودتين في جمهورية جورجيا في وقت قريب جدا من العام الحالي بعد أن كان سيرجي إيفانوف‏,‏ وزير الدفاع الروسي يرجح إتمام ذلك فيما لا يقل عن ست سنوات‏.‏
وبمثل ما احتفل الرئيس المصري بعيد تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي عشية زيارة الرئيس بوتين لمصر احتفل الرئيس الروسي باجتماع مجلسي‏:‏ الدوما والشيوخ في إطار الجمعية الفيدرالية برلمان روسيا ليلقي عليهم رسالته السنوية‏.‏
وفيها أشار الرئيس بوتين بأن روسيا تقف حاليا في أعقاب يوبيل الانتصار العظيم الذي دفعت ثمة بأرواح أبنائها‏.‏ إن جنود الحرب الوطنية العظمي هو بحق جنود الحرية‏.‏ لقد قاتل شعبنا ضد الاستعباد‏,‏ ومن أجل الحق في الحياة علي أرضه‏,‏ ومن أجل حق التحدث بلغة الأم‏,‏ و دفاعا عن دولته وثقافته وتقاليده‏.‏
لقد قاتل الشعب الروسي من أجل العدالة والحرية‏,‏ ودافع عن حقه في التطور الذاتي المستقل‏,‏ ومنح التحرر روسيا المستقبل الذي تتعلق طبيعته بالأجيال الحالية‏.‏
وفي هذا السبيل شن بوتين هجومه علي المكتبية البيروقراطية التي تحاول فرض سيطرتها الانفرادية إلا أن مخططات روسيا لا تتضمن تسليم البلاد إلي أيدي البيروقراطية المرتشية القاصرة في الأداء‏.‏ وأوضح بوتين أن الموظفين الروس لايزالون يشكلون أحيانا فئة مغلقة متغطرسة تعتبر مصالح الدولة ضربا من البيزنس وأشار بوتين في غضون ذلك إلي أن سلوك البيروقراطية الحزبية و بيروقراطية الشركات الخاصة ليس بأفضل من سلوك بيروقراطية الدولة‏.‏ و يواصل بوتين تقديراته منبها إلي أن الروس و هم يحتفلون بذكري‏60‏ سنة علي النصر السوفيتي الروسي في‏9‏ مايو القادم إنما يؤكدون أنهم ضد هيمنة أمة علي أخري‏.‏
ويعترف بوتين بقلق ضعف الأجور و المرتبات وأن ذلك بمثابة إهانة آدمية الإنسان‏.‏
ويتناول البروفسير الروسي جيورجي ميرسكي‏,‏ الخبير العريق في مشاكل العالم الثالث ودور الجيوش فيه فيشير إلي أن بوتين يزور بعد مصر إسرائيل و الأراضي الفلسطينية فيصارح مستمعيه إلي أنه لا يجب توقع أن تساعد زيارة بوتين علي إحداث انعطاف جديد في تسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أو أي أمر جديد ومثير‏.‏
إن هدف زيارة بوتين في تقديره هي زيارة إظهار النوايا‏.‏ فمن المهم أن تظهر روسيا للعالم العربي أن الروس يهتمون بالتعاون واستئناف العلاقات الاقتصادية الواسعة النطاق‏.‏ ولهذا فإن زيارة بوتين لمصر أولا ثم مناطق السلطة الفلسطينية فإنه يقوم بخطوة باتجاه ليس العرب فقط بل والعالم الإسلامي بأسره‏.‏
وتطرق الباحث الروسي ميرسكي إلي زيارة بوتين لإسرائيل فأوضح بأن روسيا اليوم تراعي مصالح الجانبين في النزاع الشرق أوسطي وألا تبدي الدعم السياسي فقط للعرب كما حدث في السابق‏,‏ علما بأنه لا توجد لدي روسيا سياسة شرق أوسطية ما بخلاف ما كانت عليه الحال في الحقبة السوفيتية‏.‏ ففي الحقبة السوفيتية كان كل شيء واضحا‏..‏ فقد كانت إسرائيل تقف إلي الجانب الأمريكي بينما تقف البلدان العربية إلي الجانب السوفيتي‏.‏
ولم تكن موسكو تبخل بالأموال من أجل الأقطار العربية في سبيل المواجهة الأيديولوجية المذهبية‏,‏ وكانت ترسل السلاح وتقدم المساعدات الاقتصادية إليها‏.‏ أما اليوم فقد أصبح العامل المذهبي الأيديولوجي في غياهب الماضي‏.‏ ولا تصبو روسيا إلي إبعاد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط‏.‏ إن منطقة الشرق الأوسط تثير اهتمام روسيا انطلاقا من إمكانية تطوير التعاون الاقتصادي مع العرب ـ ومع إسرائيل أيضا‏.‏
ويعترف ميرسكي بأن روسيا لا تملك التأثير ووسائل الضغط علي أصناف المتطرفين من العرب والإسرائيليين علي حد سواء‏,‏ وجميع من يحبط عملية السلام في المنطقة‏.‏ وبالمناسبة لا تتوفر هذه الوسائل لدي الولايات المتحدة و أوروبا أيضا‏.‏ لكن بوسع موسكو أن تقوم بدور الوسيط بين سوريا وإسرائيل‏,‏ ولا يقصد بالأمر وجود خطط جديدة للتسوية‏,‏ إذ أن عددها كبير أصلا في منطقة الشرق الأوسط بل تخفيف المواقف والبحث عن الحلول الوسط بشأن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها سابقا‏.‏
وعموما فإن روسيا تفضل عدم التدخل في الشئون الداخلية لبلدان منطقة الشرق الأوسط ورغبة روسيا الوحيدة هي المحافظة علي الاستقرار الذي من شأنه أن يساعد علي تطوير العلاقات الاقتصادية وألا يعطي الذريعة لتنامي الإرهاب‏.‏