
|
عدل الأقوياء في ذبح الضحية!! |
بقلم: د. الصادق الفقيه يشهد العالم تقلبات قيمية وسياسية تحول تعقيداتها دون مواكبة التطورات المتعاقبة التي تحدث فيه, وتؤخر بالتالي الإجابة عن كثير من التساؤلات الملحة حول طبيعة وكنه هذه التقلبات والتطورات, فالآن يتم, مثلا, إخراج سلطة القرار السياسي السيادي تدريجيا من ظلال سيطرة الدولة, الكثيرون يتخوفون من عواقبه, والبعض يري فيه فرصة جديدة للتعبير عن الذات خارج أطر القيود المحلية, ويعتقدون أن لديهم مساحة أكبر من الحرية للتعبير عن أنفسهم كممثلين أصليين, لذواتهم علي الأقل, وأن يتحدثوا عن مشكلات لم يكن بإمكانهم الحديث عنها بحرية من قبل, لكن لا تزال هناك بعض الحدود التييجب أن يعمل في إطارها, ويعربون عن اعتقادهم بأن الأمور ستستغرق بضع سنوات لتتحسن, ولصالحهم بالطبع. وتسلط الأزمة التي أدت إلي إصدار مجلس الأمن ثلاثة قرارات في أقل من شهر, وإلي وصم حكومة السودان بكل الصفات المستقبحة في العرف الدولي, تسلط ضوءا قاسيا, ليس فقط علي ما يجري في السودان ودارفور موضوع العقوبات, ولكن علي نقاط الضعف الكامنة في أسس الثقافة السياسية الدولية الجديدة برمتها, وهي ثقافة سماتها الأساسية الدائمة هي القوة والمناصرة التي يحمي بها الكبار بعضهم البعض, وهي ثقافة يستر فيها الأقوياء في فرض سيطرتهم علي الضعفاء, ولو بدعاوي التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان. وهي ثقافة يبدو أنها معقودة الآن للغرب الثقافي والجغرافي, وعالقة بين أوروبا من ناحية, والولايات المتحدة من ناحية أخري, ولم تلك بعيدة عنهما في الماضي القريب, حيث لم تتدبر بقية دول العالم أبدا أمر ترتيب أوضاعها منذ الكشوف الجغرافية, والتنوير الذي سيطر بفكرته الاستعمار, ولم تفق بعد من هول المفاجأة التي أوقعها انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية توازنات الحرب الباردة. وهي ثقافة أصبحت فيها وظيفة المؤسسة الدولية الجديدة تبرير الأخطاء الكبري, وتقنين قسمة الكبار لمصائر ضعفاء العالم, علي نحو يتوزع فيه الحكام قيمة الانتصار علي المحكومين وترث الضحية عار القرار, ومثلما بررت الأمم المتحدة للكبار خطيئة غزو العراق, فقد حقق لهم مجلس الأمن بإذلال السودان الانتصار المتعادل لصراع عامين حول هوية المحكمة الجنائية الدولية. ورغم احتدام التوتر بين الأهداف والنتائج في هذه المحصلة, وتضارب قياسات العدالة وازدواجية المعايير, إلا أن أوروبا خرجت, بمحاكمة السودان, مزهوة بإحقاق أيديولوجيتها, ومواصلة قدرتها علي رقابة ومحاسبة مواطني وقادة مستعمراتها السابقة, وانتزاع حق محاكمة العالم علي أرضها, وذهبت أمريكا طربة وقانعة بضمانات حماية مواطنيها من طائلة قانون هذه المحكمة مهما ارتكبوا من جرائم أو اقترفوا من فظاعات, وحجة واشنطن, التي يجب أن يتنبه لها الضعفاء قبل الأقوياء ويتمسكوا بها ويفيدوا منها, هي أنها لا تريد أن تعرض مواطنيها لمحاكمات بدوافع سياسية, وقد أقر العالم أمريكا علي هذا الفهم, وأصطلح معها علي هذا التفسير, وأعفي مواطنيها من أن يؤخذوا بالشبهات وقوانين يمكن أن تكون الحيثيات فيها افتراضية, والبينات كيدية, والمحاكمات سياسية. ومن الواضح هنا أن النتيجة الأساسية لقرار مجلس الأمن, في شأن السودان, تقوم علي مبدأ أفضليات الجاهلية الأولي: إن سرق القوي تركوه, وإن سرق الضعيف أقاموا عليه الحد, إذ بمجرد النطق بهذا القرار تبددت حيادية وموضوعية وشمول العدل فيه, وظهرت كل العقبات التي تولدت عنه, فالسيطرة علي النتائج المترتبة عليه عسيرة وباهظة التكاليف, وذلك رغم تصاعد تكاليف الحالة الراهنة للصراع في دارفور. وإن أكبر خطأ أرسله القرار إلي العالم, ومن خلاله إلي الفرقاء المتحاربين في دارفور, وبكل ما ارتكز عليه من متناقضات نافية لأصل العدالة, هو افتراض أن مجرد صدوره يمثل انتصارا لفريق ضد الآخر, وما علي الفريق المنتصر بمنطوق القرار ودلالته السياسية إلا أن يتحلل من كل التزام موضوعي بضرورات السعي والجد في التفاوض, وتجشم مصاعب الوصول إلي سلام عبر الحل السياسي مع الطرف الآخر, ويندفع الطرف الذي تؤشر عليه الإدانة بالغضب وجوائح الإنفعال, فيعطل, تأكيدا لإرادته, ما كان مزمعا علي فعله وعازما علي إحسانه. وليس من المستغرب إذن أن تبدو كل هذه القائمة من المصاعب الآن, تكاسل عن مسعي التفاوض, وتراخ في الإستجابة لداعي السلام, وتخاذل عن بلوغ مقاصده, التي يمكن للمرء أن يقرب الفهم لتداعياتها برسم صورة المشهد السياسي العام, الذي تباري الممثلون فيه إلي التلاوم المحموم, وتجاوزوا بالخصومة ظلال الإدانة الجماعية للسياسة السودانية والتشويه العام لصورة السودان, ورغم التركيز هنا علي النتائج الآنية لإحداثيات القرار, ومن يفترض الناس تكهنا أنه يشملهم, إلا أن الآثار الكلية تطال الكل, ولأن تاريخية أزمة دارفور واستمرارها هو في الأصل والمحتوي إدانة للجميع. ومع ذلك, فإنه لمن المثير للدهشة أن نجد أن الدول الضعيفة وقفت متفرجة, وصارت تركن إلي مصيرها بغير مقاومة محسوبة, وتسلمها أخطاءها وخطاياها إلي أزمة المساءلة والتحريم في الحرم الأوروبي, دون أن تعي أن السودان لن يكون إلا مقدمة في سلسلة طويلة من المطلوبين أمام المحكمة الأوروبية ـ الدولية الجنائية, ولن تسعف التعبئة الداخلية والخارجية عندها, ولن يفيد الجأر بالسيادة ساعتئذ. لأن أشد جوانب هذا الأمر خطورة هو التشكيك الذي يلحق بأنظمة الدولة القانونية, قبل أن تتداعي أسانيد مباديء السيادة, إذ يصبح المؤهل المرصود لكل دولة هو النطق, أو التصريح, الذي يمكن أن يتطوع به أي عضو نافذ في الأمم المتحدة, أو لجنة من لجانها, خاصة مجلس الأمن, يؤشر فيه علي ضعف النظام القضائي للدولة المعنية, ومن ثم يسقط قضاء الدولة وقانونها, ويحاكم النظام والبلاد والعباد تحت طائلة قانون أممي في أرض أوروبية. وليس ثمة مكان ينطبق عليه ما سبق بهذه الدرجة من الوضوح والإلحاح كما هو في السودان, الذي يعد دولة ضعيفة من حيث التأثير الإستراتيجي في الوقت الراهن, وإلا فلماذا قدر لكل هذه السلسلة التي لا تتوقف, من القرارات أن تحدث كل هذا الاضطراب في مواقف القوي السياسية السودانية, فغابت الجماعية, وتخلفت الحكمة, وتبدي الانفعال, وتحركت الضغائن, وانتفضت الشماتة,و ظهرت الانتهازية, واستطالت الوصولية. ولكن إذا كان السودان يعاني من مصاعب جمة الآن, ومنها هذه المعضلة الجديدة, فيظل من الخطأ افتراض أن قرار محاكمة المجرمين, الذين اقترفت أيديهم جريرة الأزمة في دارفور ويجب أن ينالوا ما يستحقون من عقاب, سينهي وحده هذه الأزمة, أو يعيد الأمور إلي نصابها بين عشية وضحاها, أو يحقق لكل حالم أصل حلمه علي حساب الحكومة ومن يقاتلونها, لأن القرار يحاكمها معا, ويشمل بآثاره الجميع. وقد تبدو هذه القائمة من المصاعب كبيرة ومعقدة, وهي حقا كذلك, ولكن الفرصة تبدو مواتية هي الأخري لتطوير المبادرات الوطنية والإقليمية للإسراع بخطوات الحل, وتوصيف إستراتيجية أشد تماسكا لإحكام الاتفاقات المستقبلية ومراعاة تفاصيل الالتزام بها, وإذا كان حديثنا هنا عبارة عن رؤي وتمنيات ممكنة التحقق بخلوص النوايا, فإنه من ثم يقوم علي فرضية أن اشتداد الأزمة يولد حلا وإن تعثر المخاض. فالعالم يحتاج إلي السودان, رغم كل ضعفه وأزماته, أكثر من أي وقت مضي لكي يلعب دورا في سلسلة من الأدوار الجيوسياسية ـ في النمطقة العربية والإفريقية, وفي دورة الإصلاح في الشرق الأوسط, وفي محاربة الإرهاب, وفي تدجين الأصولية الإسلامية وفي توطين فكرة السلام بعد تطاول سنوات الحروب, وحتي يتأهل لهذه الأدوار جميعا عليه إكمال ما بدأه لإطفاء الحريق في جنوبه, وإنهاء المأساة التي تتكشف عبر صور بشعة في دارفور. ولقد سبق القول منذ أزمان بعيدة بأن السودان مأزوم بمصادر القوة فيه, الموقع المتميز, المساحة الشاسعة, المياه الوفيرة, الأراضي الخصبة, الثروات الظاهرة والباطنية, الثروة البشرية والتنوع الهائل, الذي تفصح عنه العناصر والأعراق والألوان, والألسن, والأديان, والثقافات, والحيوية الفكرية, وتشكيلات الرأي, والمذاهب السياسية العديدة والمتنوعة, والمتسامحة بما يشبه السمة الغالبة لأهل السودان.
كاتب سوداني |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|