423‏السنة 123-العدد2005ابريل30‏21 ربيع أول 1426هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

عدل الأقوياء في ذبح الضحية‏!!‏

بقلم‏:‏ د‏.‏ الصادق الفقيه


يشهد العالم تقلبات قيمية وسياسية تحول تعقيداتها دون مواكبة التطورات المتعاقبة التي تحدث فيه‏,‏ وتؤخر بالتالي الإجابة عن كثير من التساؤلات الملحة حول طبيعة وكنه هذه التقلبات والتطورات‏,‏ فالآن يتم‏,‏ مثلا‏,‏ إخراج سلطة القرار السياسي السيادي تدريجيا من ظلال سيطرة الدولة‏,‏ الكثيرون يتخوفون من عواقبه‏,‏ والبعض يري فيه فرصة جديدة للتعبير عن الذات خارج أطر القيود المحلية‏,‏ ويعتقدون أن لديهم مساحة أكبر من الحرية للتعبير عن أنفسهم كممثلين أصليين‏,‏ لذواتهم علي الأقل‏,‏ وأن يتحدثوا عن مشكلات لم يكن بإمكانهم الحديث عنها بحرية من قبل‏,‏ لكن لا تزال هناك بعض الحدود التييجب أن يعمل في إطارها‏,‏ ويعربون عن اعتقادهم بأن الأمور ستستغرق بضع سنوات لتتحسن‏,‏ ولصالحهم بالطبع‏.‏
وتسلط الأزمة التي أدت إلي إصدار مجلس الأمن ثلاثة قرارات في أقل من شهر‏,‏ وإلي وصم حكومة السودان بكل الصفات المستقبحة في العرف الدولي‏,‏ تسلط ضوءا قاسيا‏,‏ ليس فقط علي ما يجري في السودان ودارفور موضوع العقوبات‏,‏ ولكن علي نقاط الضعف الكامنة في أسس الثقافة السياسية الدولية الجديدة برمتها‏,‏ وهي ثقافة سماتها الأساسية الدائمة هي القوة والمناصرة التي يحمي بها الكبار بعضهم البعض‏,‏ وهي ثقافة يستر فيها الأقوياء في فرض سيطرتهم علي الضعفاء‏,‏ ولو بدعاوي التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان‏.‏
وهي ثقافة يبدو أنها معقودة الآن للغرب الثقافي والجغرافي‏,‏ وعالقة بين أوروبا من ناحية‏,‏ والولايات المتحدة من ناحية أخري‏,‏ ولم تلك بعيدة عنهما في الماضي القريب‏,‏ حيث لم تتدبر بقية دول العالم أبدا أمر ترتيب أوضاعها منذ الكشوف الجغرافية‏,‏ والتنوير الذي سيطر بفكرته الاستعمار‏,‏ ولم تفق بعد من هول المفاجأة التي أوقعها انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية توازنات الحرب الباردة‏.‏
وهي ثقافة أصبحت فيها وظيفة المؤسسة الدولية الجديدة تبرير الأخطاء الكبري‏,‏ وتقنين قسمة الكبار لمصائر ضعفاء العالم‏,‏ علي نحو يتوزع فيه الحكام قيمة الانتصار علي المحكومين وترث الضحية عار القرار‏,‏ ومثلما بررت الأمم المتحدة للكبار خطيئة غزو العراق‏,‏ فقد حقق لهم مجلس الأمن بإذلال السودان الانتصار المتعادل لصراع عامين حول هوية المحكمة الجنائية الدولية‏.‏
ورغم احتدام التوتر بين الأهداف والنتائج في هذه المحصلة‏,‏ وتضارب قياسات العدالة وازدواجية المعايير‏,‏ إلا أن أوروبا خرجت‏,‏ بمحاكمة السودان‏,‏ مزهوة بإحقاق أيديولوجيتها‏,‏ ومواصلة قدرتها علي رقابة ومحاسبة مواطني وقادة مستعمراتها السابقة‏,‏ وانتزاع حق محاكمة العالم علي أرضها‏,‏ وذهبت أمريكا طربة وقانعة بضمانات حماية مواطنيها من طائلة قانون هذه المحكمة مهما ارتكبوا من جرائم أو اقترفوا من فظاعات‏,‏ وحجة واشنطن‏,‏ التي يجب أن يتنبه لها الضعفاء قبل الأقوياء ويتمسكوا بها ويفيدوا منها‏,‏ هي أنها لا تريد أن تعرض مواطنيها لمحاكمات بدوافع سياسية‏,‏ وقد أقر العالم أمريكا علي هذا الفهم‏,‏ وأصطلح معها علي هذا التفسير‏,‏ وأعفي مواطنيها من أن يؤخذوا بالشبهات وقوانين يمكن أن تكون الحيثيات فيها افتراضية‏,‏ والبينات كيدية‏,‏ والمحاكمات سياسية‏.‏
ومن الواضح هنا أن النتيجة الأساسية لقرار مجلس الأمن‏,‏ في شأن السودان‏,‏ تقوم علي مبدأ أفضليات الجاهلية الأولي‏:‏ إن سرق القوي تركوه‏,‏ وإن سرق الضعيف أقاموا عليه الحد‏,‏ إذ بمجرد النطق بهذا القرار تبددت حيادية وموضوعية وشمول العدل فيه‏,‏ وظهرت كل العقبات التي تولدت عنه‏,‏ فالسيطرة علي النتائج المترتبة عليه عسيرة وباهظة التكاليف‏,‏ وذلك رغم تصاعد تكاليف الحالة الراهنة للصراع في دارفور‏.‏
وإن أكبر خطأ أرسله القرار إلي العالم‏,‏ ومن خلاله إلي الفرقاء المتحاربين في دارفور‏,‏ وبكل ما ارتكز عليه من متناقضات نافية لأصل العدالة‏,‏ هو افتراض أن مجرد صدوره يمثل انتصارا لفريق ضد الآخر‏,‏ وما علي الفريق المنتصر بمنطوق القرار ودلالته السياسية إلا أن يتحلل من كل التزام موضوعي بضرورات السعي والجد في التفاوض‏,‏ وتجشم مصاعب الوصول إلي سلام عبر الحل السياسي مع الطرف الآخر‏,‏ ويندفع الطرف الذي تؤشر عليه الإدانة بالغضب وجوائح الإنفعال‏,‏ فيعطل‏,‏ تأكيدا لإرادته‏,‏ ما كان مزمعا علي فعله وعازما علي إحسانه‏.‏
وليس من المستغرب إذن أن تبدو كل هذه القائمة من المصاعب الآن‏,‏ تكاسل عن مسعي التفاوض‏,‏ وتراخ في الإستجابة لداعي السلام‏,‏ وتخاذل عن بلوغ مقاصده‏,‏ التي يمكن للمرء أن يقرب الفهم لتداعياتها برسم صورة المشهد السياسي العام‏,‏ الذي تباري الممثلون فيه إلي التلاوم المحموم‏,‏ وتجاوزوا بالخصومة ظلال الإدانة الجماعية للسياسة السودانية والتشويه العام لصورة السودان‏,‏ ورغم التركيز هنا علي النتائج الآنية لإحداثيات القرار‏,‏ ومن يفترض الناس تكهنا أنه يشملهم‏,‏ إلا أن الآثار الكلية تطال الكل‏,‏ ولأن تاريخية أزمة دارفور واستمرارها هو في الأصل والمحتوي إدانة للجميع‏.‏
ومع ذلك‏,‏ فإنه لمن المثير للدهشة أن نجد أن الدول الضعيفة وقفت متفرجة‏,‏ وصارت تركن إلي مصيرها بغير مقاومة محسوبة‏,‏ وتسلمها أخطاءها وخطاياها إلي أزمة المساءلة والتحريم في الحرم الأوروبي‏,‏ دون أن تعي أن السودان لن يكون إلا مقدمة في سلسلة طويلة من المطلوبين أمام المحكمة الأوروبية ـ الدولية الجنائية‏,‏ ولن تسعف التعبئة الداخلية والخارجية عندها‏,‏ ولن يفيد الجأر بالسيادة ساعتئذ‏.‏
لأن أشد جوانب هذا الأمر خطورة هو التشكيك الذي يلحق بأنظمة الدولة القانونية‏,‏ قبل أن تتداعي أسانيد مباديء السيادة‏,‏ إذ يصبح المؤهل المرصود لكل دولة هو النطق‏,‏ أو التصريح‏,‏ الذي يمكن أن يتطوع به أي عضو نافذ في الأمم المتحدة‏,‏ أو لجنة من لجانها‏,‏ خاصة مجلس الأمن‏,‏ يؤشر فيه علي ضعف النظام القضائي للدولة المعنية‏,‏ ومن ثم يسقط قضاء الدولة وقانونها‏,‏ ويحاكم النظام والبلاد والعباد تحت طائلة قانون أممي في أرض أوروبية‏.‏
وليس ثمة مكان ينطبق عليه ما سبق بهذه الدرجة من الوضوح والإلحاح كما هو في السودان‏,‏ الذي يعد دولة ضعيفة من حيث التأثير الإستراتيجي في الوقت الراهن‏,‏ وإلا فلماذا قدر لكل هذه السلسلة التي لا تتوقف‏,‏ من القرارات أن تحدث كل هذا الاضطراب في مواقف القوي السياسية السودانية‏,‏ فغابت الجماعية‏,‏ وتخلفت الحكمة‏,‏ وتبدي الانفعال‏,‏ وتحركت الضغائن‏,‏ وانتفضت الشماتة‏,‏و ظهرت الانتهازية‏,‏ واستطالت الوصولية‏.‏
ولكن إذا كان السودان يعاني من مصاعب جمة الآن‏,‏ ومنها هذه المعضلة الجديدة‏,‏ فيظل من الخطأ افتراض أن قرار محاكمة المجرمين‏,‏ الذين اقترفت أيديهم جريرة الأزمة في دارفور ويجب أن ينالوا ما يستحقون من عقاب‏,‏ سينهي وحده هذه الأزمة‏,‏ أو يعيد الأمور إلي نصابها بين عشية وضحاها‏,‏ أو يحقق لكل حالم أصل حلمه علي حساب الحكومة ومن يقاتلونها‏,‏ لأن القرار يحاكمها معا‏,‏ ويشمل بآثاره الجميع‏.‏
وقد تبدو هذه القائمة من المصاعب كبيرة ومعقدة‏,‏ وهي حقا كذلك‏,‏ ولكن الفرصة تبدو مواتية هي الأخري لتطوير المبادرات الوطنية والإقليمية للإسراع بخطوات الحل‏,‏ وتوصيف إستراتيجية أشد تماسكا لإحكام الاتفاقات المستقبلية ومراعاة تفاصيل الالتزام بها‏,‏ وإذا كان حديثنا هنا عبارة عن رؤي وتمنيات ممكنة التحقق بخلوص النوايا‏,‏ فإنه من ثم يقوم علي فرضية أن اشتداد الأزمة يولد حلا وإن تعثر المخاض‏.‏
فالعالم يحتاج إلي السودان‏,‏ رغم كل ضعفه وأزماته‏,‏ أكثر من أي وقت مضي لكي يلعب دورا في سلسلة من الأدوار الجيوسياسية ـ في النمطقة العربية والإفريقية‏,‏ وفي دورة الإصلاح في الشرق الأوسط‏,‏ وفي محاربة الإرهاب‏,‏ وفي تدجين الأصولية الإسلامية وفي توطين فكرة السلام بعد تطاول سنوات الحروب‏,‏ وحتي يتأهل لهذه الأدوار جميعا عليه إكمال ما بدأه لإطفاء الحريق في جنوبه‏,‏ وإنهاء المأساة التي تتكشف عبر صور بشعة في دارفور‏.‏
ولقد سبق القول منذ أزمان بعيدة بأن السودان مأزوم بمصادر القوة فيه‏,‏ الموقع المتميز‏,‏ المساحة الشاسعة‏,‏ المياه الوفيرة‏,‏ الأراضي الخصبة‏,‏ الثروات الظاهرة والباطنية‏,‏ الثروة البشرية والتنوع الهائل‏,‏ الذي تفصح عنه العناصر والأعراق والألوان‏,‏ والألسن‏,‏ والأديان‏,‏ والثقافات‏,‏ والحيوية الفكرية‏,‏ وتشكيلات الرأي‏,‏ والمذاهب السياسية العديدة والمتنوعة‏,‏ والمتسامحة بما يشبه السمة الغالبة لأهل السودان‏.‏
كاتب سوداني