
|
محمد الحسيني يؤكد أن شعراء التسعينيات خرجوا من عباءة شعر العامية
النشر الحكومي أفسد المواهب الحقيقية |
 | |
أجري الحديث ــ مصطفي عبادة تصوير ـ موسي محمود محمد الحسيني, من جيل الثمانينيات في شعر العامية المصري, أصدر ونس99 وصندوق الحزن2004 وعباد الضل89 ومس الكلام2005 وله كذلك كتاب تأريخي عن أعلام مجمع اللغة العربية بعنوان غرفة السر2005 وهو بالإضافة إلي ذلك مهموم بقضايا شعر العامية والتأريخ له عبر دراسات كثيرة منشورة سيصدرها في كتاب قريبا, وكان الحسيني من أوائل من كتبوا قصيدة النثر العامية, التي قلده فيها كثيرون, بمناسبة صدور ديوانه صندوق الحزن حاورناه حول قضايا هذا الشعر والازدهار غير المسبوق الذي يشهده, وحول دار النشر الجديدةنفرو التي افتتحها أخيرا وإلي التفاصيل.** يحتل شعر العامية الآن مساحة كبيرة من مساحة الأدب المصري, كيف تري عوامل هذا الازدهار؟ بداية أرغب في توضيح موقفي من هذا المسمي شعر العامية هذه التسمية الجاهزة التي وضعها بعض الراغبين في فصل الشعر المكتوب باللغة المحكية عن الشعر المكتوب باللغة الرسمية, فالتفريق هنا للكلام وليس للغة, هل ينكر البعض أن للموج مثلا لغته, وأن للطير لغة, وللموسيقي, وللتشكيل, وللسينما....إلخ, كل هذه لغات, ثم أنا أكتب بلغة الشعر المستعين في بعض الأحيان بالكلام لخلق نوع من التواصل بيني وبين المشترك ـ وهو الكلام ـ مع المتلقي مستخدما كل اللغات الممكنة والمتاحة المتعارف عليها وغير المتعارف عليها داخل بنية النص للتعبير عن حالة الكتابة نفسها, وما يعنيني هو أن أكون صادقا فيما أشعر, لينتقل معيار الصدق هذا في حالة التلقي. أما عن المراحل المختلفة التي مر بها الشعر ليصل إلي هذه الحالة من التميز فلن أعود إلي البدايات, ولكن سوف أعود فقط إلي عام1951, أي تاريخ كتابة صلاح جاهين لأول قصيدة تفعيلة تكتب علي عروض الخليل بعيدا عن قالب الزجل ليحدد أحد اتجاهات الكتابة في هذا الفن, من قبله كان فؤاد حداد قد استخدم أعاريض الشعر الشعبي المختلفة عن عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي والتي تسمح تفعيلتها بالجمع بين ساكنين, أي أن العبرة هنا للساكن والمتحرك وليس للتفعيلة المنتظمة التي تخضع للسبب والوتد في تفاصيل الخليل وهذا ما حدث بعد ذلك من الكتابة في الشعر باللغة الرسمية, إلا أن الحكاية لم تقف عند حدود الشكل ولكنها دخلت أيضا في المضمون من خيال واستخدام مواضيع وأفكار لم تكن مطروقة من قبل, وارتياد خيال غير ممنهج مما مهد لظهور أجيال متعاقبة ساعدت علي نضوج قصيدة الشعر المصرية برافديها المختلفين. ** يفسر البعض ازدهار شعر العامية بتأثير فنون السرد واقترابه منها, هل توافق علي هذا التفسير؟ بعض من هذا صحيح إلا أنه ليس فقط الاقتراب من السرد, بل الاقتراب والانفتاح علي كل أشكال الفنون سواء المكتوب منها أو المروي, المسموع أو المرئي, مع تغير إمكانات التخييل وسرعة في الأداء الحركي عبر الزمن حتي لم نعد نحن الذين نعيش في مكان واحد وتاريخ واحد علي نفس المستوي من الزمن, أصبح الطريق الجديد الذي مهده الآباء في هذا الفن لا يستوعب قدرة الروح وطريقة استيعابها لنفسها, من وجهة نظر دقيقة نحن نؤرخ لزمننا, وهنا تسقط فكرة الجيل, بل أرجح مجموعة النصوص المتجاورة التي قد تزيد أو تقلل من ازدهار الشعر, هذا بالإضافة إلي هروب الفكرة التقليدية للشعر ودوره والتزامه بطرق تعبير جديدة جعل الشعر الآن ليس متجاوزا لما سبق عليه بل مغايرا له. ** هل لازدهار الأغنية دور في شيوع هذا الشعر؟ تمر الآن الأغنية العربية بمرحلة تغير كامل تخلق لنفسها شكلا آخر وكيانا جديدا مستقلا عن ذلك الشكل القديم, وأريد أن أشير هنا إلي أنه لا علاقة لها بتطور الشعر, لأنها بمنتهي البساطة قد تخلت الآن عن كونها ابنة شرعية للشعر, فقديما كانت هناك أشعار تغني, ثم بمرور الوقت شعر غنائي, ثم بمرور الوقت كلمات أغنية, الآن هذا كلام يغني يخضع في شكله لطريقة الأداء الصوتي والتشكيلي مما يؤدي إلي الابتعاد بكامل إرادته عن قديمه ـ هذا ما حدث ـ علي سبيل المثال للتقريب, هل التليفون القديم يشبه المحمول أو الجوال, فلو عاد جراهام بل إلي الحياة ما تعرف علي اختراعه الأول, أنا أميل إلي الأشكال القديمة من الغناء, ولكن ليس كل ما تريد يبقي أو كل ما نرغب يتحقق. ** يواجه هذا الشعر مأزق المحلية.. ألا بقلقك هذا كونه لا يلقي رواجا خارج محليته؟ لا وجود لشيء اسمه المحلية الآن, أنا علي مستواي الشخصي ترجمت لي بعض الأعمال, وهناك مستويات للتواصل أصبحت متاحة عبر مواقع الإنترنت مثلا, دخلنا في عصب بعض رسائل الدكتوراه, العالم بالخارج يعرف عنا أكثر مما يعرفه العالم بالداخل, هذا بعد تراجع دور المؤسسة الثقافية عن لعبها دور البابا أو الماما للمثقفين وتعري أصحاب الأسماء الضخمة والرنانة المعتمدين فقط علي حناجرهم من دعم للمؤسسات الثقافية أو غير الثقافية لهم, العبرة بما نفعله الآن ولا خوف ولا حرج, العالم مفتوح من يرغب فعليه بالتواصل, ومن لا يرغب فهو غير مجبر ولكنه سيتواصل شريطة الجودة فما نكتبه هو الشعر وليست اللهجة. ** في أحيان كثيرة يقترب شعر العامية من قصيدة الفصحي, في الاهتمام بالذاتي, واليومي, وهو كان صوت المهمشين, هل هو إحساس شاعر العامية بالدونية؟ أم جريا مع الموضة التسعينية؟ فكرة الاقتراب أو الابتعاد تجعل من الموضوع من يدور في فلك من, وأنا أري أن الموضوع لا يحتمل الدخول في هذه الناحية لأن هذا في المقام الأول ضد الشعر, ويذكرني هذا بكلام كبار الشعراء في الأجيال السابقة أمثال درويش وأدونيس وغيرهم, أنه لا يوجد في مصر سوي شعر العامية, ولكني أعود وأقول أيضا إن هذا ضد الشعر, أنا علي المستوي الشخصي أذهب إلي اللغة المحكية بكامل إرادتي, ومنذ قصائد ديواني الأول عباد الضل وأنا استخدم طرائق للتعبير لم تكن موجودة في المحكي أو الرسمي. التسعينيون لم يصنعوا شيئا لم نمهد له, نحن سابقون, هناك دواوين نثر كاملة لدي فؤاد حداد, تستخدم الذاتي واليومي, وصلاح جاهين, من خلال قصائده استخدم الجنون الفني والخيال المطلق, جيل الثمانينيات استخدم طرائق للتعبير لم تكن موجودة من قبل, العبرة بالشعر وليس بالكلام, من يرغب فعليه ـ ليس فقط ـ بالرجوع إلي قصائدنا ولكن لما كتب عنا من دراسات نقدية, السرد المكتنز في ديوان ونس للدكتور أيمن بكر, المصطلح التشكيلي والصورة التشكيلية في أشعار محمد الحسيني للدكتور سيد القماش, وغيرها من كتابات في دراسات مستقلة وحرة ودراسات نقدية داخل رسائل دكتوراه, علي سبيل المثال الشيطان في الإبداع العربي من جامعة عين شمس والكثير الكثير, أرجوك لا تصنع مني رجعيا في وضع الدفاع عما أحبه بل فقط ـ وهذا مطلب عادل ـ دعني للكتابة فليقل من يقل وعلي أن أفعل ما أفعل. ** هناك الآن ما يعرف بقصيدة النثر العامية, وأنت واحد ممن بدأوا هذا الأمر, كيف تراه الآن؟ قصيدة نثر العامية ليست بالجديدة ولم تبدأ مع الجيل الجديد وأنا لم أمهد لهذا, إنما فقط وضعت يدي علي عروض الشعر الشعبي, الطرق الخاصة لصياغة الجملة المصرية طريقة النطق, هل تعلم أن الحوار اليومي العادي بمجهود بسيط يمكن أن يوزن علي المتدارك هل تعلم أن المحكية في عروضها أرحب وأوسع لإمكانية جمعها بين ساكنين في تفعيلة واحدة, ولكن نثر العامية الذي نعنيه هو الخروج علي طرق التعبير التقليدية الممهدة من استخدام الصيغ الجاهزة, والأكلاشيهات التقليدية, الخروج عن طريقة كتابة السطر الشعري, أو الصورة الشعرية المجازية, هناك خيال مختلف ينحو في محتواه نحو العمق النفسي لما يحسه الإنسان, التقاطعات البشرية الحادة وليس المشتركة, الوحدة, محاولة اكتشاف خريطة الجسد وأن عالمه الوحيد والصادق في متطلباته واحتياجاته, أصبح المجال أوسع وأرحب عبر هذا النوع, أصبح للعالم دلالات أخري, وأصبح الآخر غير الموجود غير موجود. ** أنت معني بالتأريخ لشعر العامية, هل يمكننا اعتبار ما يكتب الآن قطعا مع تراث العامية المصري؟ أنا بالفعل معني بالتأريخ لشعر العامية, من قديم القديم ابن عروس وابن سودون وزجال العصر الحديث بديع وبيرم وشعراء العصر الأحدث فؤاد حداد وصلاح جاهين وغيرهم حتي وصولا لجيلي, نحن وإن كنا في مفصل زمني فارق بين الأشياء, إلا أن ما يحدث ليس قطعا مع تراث العامية لأن ـ وباختصار شديد ـ ما نعرفه هو ما تم تدوينه من تراث شعبي فقط, وهو قليل, وما يحدث الآن هو إضافة من الممكن أن تصبح إضافة مهمة جدا, وهذا ما يتوقف علي قيمة شعراء هذه المرحلة في خلق نوع من التحول يضيف ولا يهدم, وعلي سبيل المثال نحن نقرأ المتنبي ونقرأ محمد الماغوط ونقرأ أبوتمام كما نقرأ أدونيس فلا نستطيع أن نعيب زمانا والعيب فينا. ** تمتاز بعض قصائدك بحس فانتازي, هل يحتمل شعر العامية, كل هذا الكم من التجريب؟ نتفق علي أننا نبدع فنا وليس هناك شكل محدد ولا لغة جامدة ولا تصور مسبق لحالة الإبداع, أن يسيطر الحس الفانتازي علي بعض قصائدي, فهذا مرجعه لتراثي الممتليء بالأساطير والخرافات التي شكلت وعيي الفني, وأن هناك شيئا يمكن تقبله غير الواقع يغذي الخيال ويثيره ببعض المشهيات, فيدخل المتخيل الحسي خيال الحواس لعوالم غير مرئية, فالعين تتخيل ليس كما تري, ونحن لا نخلق هنا نظريات علم, إننا أبناء الخيال. ** تتكيء قصيدتكم علي ميراث الأساطير والأدب الشعبي, ألا تخشي أن يثقل ذلك قصيدتك بمحولات ثقافية؟ أنا ابن طبيعي للأساطير والأدب الشعبي سيف بن زي يزن, علي الزيبق, ابن عروس عنترة بن شداد ألف ليلة وليلة والسندباد البحري وهي قصة من التراث الفرعوني أسطورة الخلق محكمة الآلهة قصص القرآن العهد القديم كلنا محملون بميراثنا الثقافي ولا عيب أن يكون المبدع مثقفا, شريطة ألا تظهر هذه الثقافة في نصوصه كادعاء الأفضلية علي متلقيه, أو استعراض عضلاته الثقافية, فمن منا لم يقرأ ويقرأ, إن الزمان قد بري عيون المثقفين, أنا أحب الرواية وأقرأها بشغف لأنها تختصر علي عوامل وحياوات لم أعشها وأزمنة وأماكن لم أذهب إليها, فهي ـ أي الرواية ـ تعلمني فن قيادة العالم, وأقرأ القصيدة فتعلمني فن قيادة الروح, كيف لا يكون المبدع مثقفا, فبالتعبير الدارج هو فيه حد بيشتغل علي لحم عقله. ** نشرت كل أعمالك علي نفقتك الخاصة, هل هو موقف من مؤسسات النشر المصرية؟ هناك خطأ طفيف في هذا, ديواني الأول عباد الضل نشرته دار الغد عام1989, ودواويني التالية ونس ومس الكلام نشرا في مركز الحضارة العربية وديواني الأخير صندوق الحزن عن مطبوعات الظبية, ولا يوجد نسخة واحدة من داوويني السابقة في منزلي, أما عن أنه موقف من مؤسسات النشر المصرية, نعم, ولا حرج, هو موقف, لن أذهب لأتسول النشر, أو يقرأ عملي أحد ممن يضعونهم في اللجان, وأنا أشعر بأنه أقل قيمة من أن يقرأ لي, ولن يتدخل أحد فيطلب رفع سطر أو قصيدة تحت فهم خاطيء أن هذا اختراق للتابو نعم أصبح لي موقف الآن بعد أن ملأت السلاسل الأدبية الأرصفة, وملأت البطون الأرغفة, فقل الفعل الثقافي وتلاشت أو انزوت المواهب الحقيقية. ** كيف تري مستقبل هذا الشعر؟ عن مستقبل هذا الشعر, كانت لي مقولة قديمة من سنين الإبداع الأولي في منتصف الثمانينيات, نحن سوف نتحول إلي متحفيين في حياتنا, والآن أقول لك بالرغم من اتضاح حالة المتحفية هذه, وتضييق الخناق علي الإبداع الحقيقي بفتح النشر والتلفزة, إلا أنه طالما يحيا هذا الشعب, فلابد من أن يبدع, ولابد له من شعراء, كتبوها نثرا, أو وزنا, غنوها, أو أرسلوها عبر الوسائط القادمة وغير المعروفة, إلا أنه سيستمر وعلي المتضرر اللجوء للإبداع*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|